جميعنا عالقون في بئر : عن ريان وفواز وأطفالٍ آخرين

أردنا خلال خمسة أيام أن تحدث المعجزة، لكن يونس لم يخرج من بطن الحوت ولا جسد ريان حمله خارج الحفرة؟ لماذا لم يطر ريان ويخرج؟ لماذا لم يرفعه الماء خارج البئر؟ أم أنه في القرن الواحد والعشرين لا تحدث المعجزات لأطفال العالم العربي؟

لا يمكن الحديث عن قصة الطفل المغربي ريان الذي علق في بئر لأيام ولم تكتب له النجاة إلّا بكثيرٍ من الحزن والانكسار، ليس لأنه لم ينجو وحسب، بل لأنه يشبهنا، نحن الشعوب المقهورة والعالقة في بئر عميق ومظلم. نحزن على ريان لأنه ولِد بعيداً في الجبال المغربية حيث الطرقات الضيقة التي لم تعبّد، يعاني الأطفال بشدّة ويقطعون عشرات الكيلومترات تحت المطر والشمس الحارقة ليصلوا إلى مدارسهم. 

كيف مات ريان في اللحظات الأخيرة؟ هل كان ميتاً بالفعل منذ أيام؟ وكأن الضجة الإعلامية لمأساة طفل وقع في بئر مهمل هي طريقة ما لتغطية فظاعة الحادث، هل ما حدث هو أن الطفل كان ميتاً بالفعل وكل العمليات اللاحقة هي طريقة ما للتستر على حقيقة واحدة أن الإفقار والجهل هو من قتل ريان ومنح الناس أملاً كاذباً؟

ريان في المغرب وفواز قطيفان في سوريا، الطفل الغارق في بئر الخطف والضرب مازال عالقاً منذ أكثر من شهرين عند خاطفيه، فواز يتعرض في بئره إلى الضرب سعياً للضغط على عائلته، يطلب الخاطفون حوالي 150 ألف دولاراً بينما تحاول العائلة جمع المبلغ لإنقاذ صغيرها، شهرين دون أن تتمكن الجهات الرسمية من مساعدة الطفل أو معرفة مكانه. 

أطفالنا ليسوا بخير، هل يحتاج الأمر ليسقط أحدهم في البئر وليصور آخر وهو يضرب؟ هل نحتاج دلائل أكثر لندرك أن أطفالنا ليسوا بخير، وأن البلاد العربية غارقة في الفساد والجهل والإفقار الممنهج من قبل حكوماتها؟ وأن أكثر المتأثرين بموجة العنف والجهل هم الأطفال، هل يجب أن نُذَكّر كل يومٍ بأطفال المخيمات، والأطفال الذين يرمون في الطرقات؟ 

لكل طفل في العالم العربي بئره، ونحن نريد تجاوز قصص مخيفة كهذه بإعطائها معانٍ ليست في مكانها، كالتعاضد الإنساني ووقوف العالم العربي إلى جانب بعضه، وحكمة موت الطفل لأنه كان سيخرج بحالة صحية مخيفة ككسور عميقة وتلف في الدماغ بسبب نقص الاوكسجين الحاد الذي عانى منه، لكن كل ذلك لا يخفف من هول الحدث ولا يساعد في تجاوز التساؤلات الكبرى عن وضع أطفالنا المحفوف بالخطر في كل يوم، قلوبنا التي تمشي على الأرض قد تخطف أو تضرب او تسقط في بئر أو تدوس على لغم أو تموت تحت الصقيع، قلوبنا التي تمشي على الأرض في العالم العربي ليست بخير ولا يجب تجاوز الأمر بجعل القصة قدراً ومأساةً لم نتمكن من مواجهتها، لماذا يجب أن تحدث هذه المآسي في الأصل؟  

أردنا خلال خمسة أيام أن تحدث المعجزة، لكن يونس لم يخرج من بطن الحوت ولا جسد ريان حمله خارج الحفرة؟ لماذا لم يطر ريان ويخرج؟ لماذا لم يرفعه الماء خارج البئر؟ أم أنه في القرن الواحد والعشرين لا تحدث المعجزات لأطفال العالم العربي؟

هذا العالم المجنون يدفعنا دوماً للاستسلام، نريد حقاً أن نكون أقوياء، لكن وجوه الأطفال المتألمة تحطمنا، هل ينظر الله إلى وجوه الأطفال الحزينة، نحن ضعفاء ومتروكون وفكرة الله هي مجرد أمل زائف يجب أن نحياه، لا نريد تصديق أننا وحيدون في هذا العالم. كَم من الناس صلّوا وتضرعوا؟ كان يجب أن يعيش ريان، لا مبرر لتكون الحياة قاسية وغير عادلة، لا منطق لما حدث، لو أن ريان عاش لقلنا إن الأمل هو الحكمة، لقلنا إن إنسانيتنا مازالت موجودة، لماذا يموت الأطفال يا الله؟ 

كلنا موجودون في حكاية ريان، نحن القابعون في عتمة حكوماتنا بانتظار ساعة نورٍ واحدة، ننتظر ما يعيننا على الاستمرار من طعام وماء. تعاطفنا مع ريان، لأن كلًّ منّا وجد نفسه مكانه، متروكاً ووحيداً، وهو يعلم أنه ومع كل إنسانية وتعاطف العالم بأكمله وما وصل إليه من تطور لن يستطيع مد يد العون لنا، يشارك العالقون داخل الفقر السوري شعور ريان، جربتُ هذا الشعور مرة، أن تنظر إلى الأعلى وتعلم أنك بعيدٌ جداً وأن الخروج لا يكفيه تعاطفٌ ودعاء، نحن الذين ننظر في كل يومٍ إلى الأعلى من قعر حفرنا التي تدعى أوطانناً، نعلم ما عاشه ريان في لحظاته الأخيرة لذلك بكينا وانهرنا حين مات الطفل، هل سيعيش أطفالنا ما عاشه بطرقٍ أخرى؟

توجِعُنا قصة ريان لأنها قصة أطفال اليمن وسوريا وفلسطين، لأننا نخاف أن نكتشف عدد القصص المشابهة لأطفال لم يتمكن العالم من إنقاذهم، وفي كل مرة نتفاءل فيها تأتي الحياة لتصفعنا بتواطؤ مع حكومات قذرة، تجلس على الكراسي المذهبة وتأكل من لحم ألمنا، مدعيّة أنها بجانبنا وتحاول إخراجنا من حفرنا. من قتل ريان الفقر أم حكومة بلاده؟ من جوّع أهله ومن حرمهم المياه حتى يحفر والده بئراً ليسقط ولده فيه، من ساهم في نشر الجهل ومن ساهم في استمرار الحياة البدائية حيث يترك بئرٌ بلا غطاء؟ من حوّل ألم ريان إلى عرض مباشر وكأننا أمام برنامج جديد من تلفزيون الواقع؟ إنها ذات الأنظمة التي ادعت أنها قادرة على إزاحة جبلٍ لأجل طفل، لكن ما الأسهل؟ أن تزيح جبلاً أم أن تعبّد طريقاً؟ ما الأسهل أن تجلب مروحية ومستشفى ميدانياً أم أن توصل المياه للقرى العطشى؟ كلّ الأصابع تشير باتجاه القاتل، من صنع الفقر هو القاتل، من أهمل الناس وتركهم لضعفهم وجهلهم هو القاتل، القاتل ليس البئر أو الوقت، القاتل هو الحكومات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني