حبّ على درج مركز الحزب

غياب الحب والكهرباء، كلاهما من نتائج المراوحة وتجنب المواجهة مع أنفسنا وعائلاتنا ومجتمعاتنا والسلطة. لهما نهاية حتمية واحدة، سياسات عشوائية لا تترك لنا سوى مشاعر مشتتة، ونصف ساعة من المياه الساخنة.

تأتي الصباحات مع الكثير من البرد في بيروت، لا كهرباء للتدفئة أو لتسخين المياه، فالخدمات الأساسية باتت رفاهية لكثيرين. أحاول أن أقتصد قدر المستطاع، أحصر حاجتي إلى استخدام طاقة المولد ضمن ساعات معدودة وأيام محددة، حتى لا تفوق الفاتورة قدرتي في آخر الشهر. 

أبرد، أشعر بالغثيان، ثم أتكيف وأمضي لمواجهة يوم آخر في ظل أصنام السلطة. بات ركود البلد خانقاً، تنحصر زحمة العاصمة في بضعة مقاهٍ وشوارع حيث تتركز الأحاديث على الهجرة أو تردي الأوضاع. لكنني لا أجد حلاً لكل هذه المآسي سوى المواجهة…

قررت الانتساب إلى حزب سياسي معارض، وصرت أواظب على المشاركة في احتجاجات ميدانية وأتردد إلى المركز أسبوعياً. مركز الحزب هو عبارة عن شقة قديمة في بيروت، الكتب مكدسة في زواياها، رفوفها تملؤها الخردة، الكاميرات، ومكبرات الصوت. اللافتات تغطي الأرض، الأوراق مبعثرة على الطاولات والأرائك، وبقع القهوة تزين الجدران. أجتمع هناك مع رفقاء من المناطق كافة، نخطط للتغير، نتناقش في السياسة وفي كيف تتغلغل عواقبها إلى حياتنا الشخصية. نحاول طرد الإرث الطائفي والنمطي من أحاديثنا وأحكامنا لكن من دون جدوى، سرعان ما اتضح لي أن كثراً من المنتسبين لا تزال تربطهم بمجتمعاتهم حبال لا يقوون عليها، كأيديولوجيات متجذرة، علاقات عمل أو واجبات عائلية.

المركز ليس قبة تقينا من التنميط إنما ساحة انصهار ومواجهة لأحكامنا المسبقة ولا نستطيع أن نضمن الفوز للمنطق. هذه الأحزاب الجديدة، بعكس الأحزاب الأبوية السابقة، تعجز عن محاكاة غرائزنا أو ترويضها. تخاطبنا بلغة الأرقام والوقائع، تحت شعارات اقتصادية باردة ومملة، كان هجرها أهلنا طوعاً وسط نيران الحرب. أضف إلى ذلك بيروقراطية مفرطة ولقاءات “زوم” طويلة أشبه ببئر بلا قاع. العمل الحزبي رتيب وممل، ليس سلسلة انتصارات وملاحم كما قصها علي والدي: إنه التزام يومي من دون توقعات، وتصالح مع فكرة الفشل والتقدم البطيء.

لم يكن من السهل على القبلية الدفينة داخلي أن ترضخ لروتين الحزب. وقد لاحظت أن الملل كان يسكنه أيضاً، كلانا نفد صبرنا، الأزمات تتعاقب علينا بسرعة والقلق يوقد غرائزنا، لا شعارات أقوى من تعطشنا لصيف طويل. بعيداً من كل ذلك، قررنا هو وأنا، أن نسرق القبل وراء رفوف الخردة، على الدرج، في السيارة، وأن نسكب القهوة على جدران “الشرقية” وننثر الأوراق في “الغربية”. أشعلنا ناراً هائجة واحتمينا من برد الاقتصاد والسياسة، غذيناها بالموسيقى والشاطئ والسهر، ولكن عندما اشتد الحب، سرعان ما التف بحبل بيئته وانسحب. عندما زار منزل والدي في الضاحية، ارتاب من القرآن على المنضدة وأصر على أنني “سأتدين” في المستقبل. عندما زرت منزل والديه في الشمال، قلصني إلى “شيعية من الضاحية” في مسعى ساذج لكسر الجليد باللجوء إلى النكت النمطية. أخيراً، اتصل بي في صباح ماطر وأشار إلى اختلاف خلفياتنا وعائلاتنا، جردني من حقيقتي، مما أنا عليه بالفعل، أسقط علي مخاوفه وصنفني خطراً على حياته الرتيبة… ثم أغلق الخط.

انتهى الصيف، ضاق المركز، زاد التقنين الكهربائي قسوة، وغزا البرد المدينة. غياب الحب والكهرباء، كلاهما من نتائج المراوحة وتجنب المواجهة مع أنفسنا وعائلاتنا ومجتمعاتنا والسلطة. لهما نهاية حتمية واحدة، سياسات عشوائية لا تترك لنا سوى مشاعر مشتتة، ونصف ساعة من المياه الساخنة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني