بين يومين عالميين للحجاب… أحدهما للبسه والثاني لخلعه

إذا كنا نبحث عن يوم عالمي يجمع المتناقضات، فلن نجد أفضل من اليوم العالمي للحجاب. فهو يدعي السعي إلى ترسيخ التسامح الديني، لكن عبر ترويج الحجاب الذي يعتبر أحد رموز التشدد والتطرف الديني.

من بين الأيام العالمية، صار لدينا يوم عالمي لارتداء الحجاب وهو يوم الأول من شباط/ فبراير من كل عام. وفي المقابل، كانت حملة “يوم بلا حجاب” اختارت، 1 شباط أيضاً، لتسليط الضوء على معاناة النساء، وطالبت ضحايا التحجيب القسري مشاركة قصصهن وفيديواتهن، من أجل لفت الانتباه العالمي لخطأ الاحتفال بيوم عالمي للحجاب.

غرابة اليوم (يوم لارتداء الحجاب) ليست في عنوانه فقط، بل في الهدف المرجو منه. فهدفه ليس الدفاع عن حق المرأة المسلمة في لبس الحجاب اختيارياً وحسب، بل يتعدى ذلك إلى مطالبة النساء من كل الأديان بلبس الحجاب في اليوم ذاته لمعرفة أهمية الحجاب وإيجابياته.

وقد أثارت النزعة التبشيرية الواضحة لليوم انتقادات كثير بين الحقوقيات المسلمات واتهامات لمنظميه بترويج أجندة الإسلام السياسي وتكريس الصورة الدونية للمرأة المسلمة.

جاء اليوم العالمي للحجاب وسط صراع سياسي شهده الغرب بين اليمين واليسار حول سياسات الهجرة، ما جعل الاحتفاء بالرموز الإسلامية من الأدوات السياسية التي صار الليبراليون يوظفونها في حملاتهم الانتخابية ضد اليمين، وكان أن تبنت أحزاب وبرلمانات غربية متسامحة مع سياسات الهجرة، اليوم العالمي للحجاب وأدخلته في أجندة صراعها السياسي.

كما تحول الحجاب إلى أحد جوانب الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين في العالم الإسلامي، ها هو يصبح إحدى أدوات الصراع السياسي بين المحافظين والليبراليين والديموقراطيين والجمهوريين في الغرب.

وإذا كنا نبحث عن يوم عالمي يجمع المتناقضات، فلن نجد أفضل من اليوم العالمي للحجاب. فهو يدعي السعي إلى ترسيخ التسامح الديني، لكن عبر ترويج الحجاب الذي يعتبر أحد رموز التشدد والتطرف الديني.

وهو يدعي مناصرته حرية المرأة، لكن عبر ترويج أحد أسوأ رموز قمع المرأة ودونيتها ومعاداتها، وهو الحجاب.

أحد أسوأ رموز قمع المرأة ودونيتها ومعاداتها، وهو الحجاب.

وهو يطالب نساء الأديان الأخرى بلبس الحجاب تضامناً، لكنه لا يطالب بحق ملايين النساء المسلمات بخلع الحجاب لو أردن ذلك.

وهو يرى أن الحجاب خيار شخصي، لكن في الوقت نفسه يرى أن الحجاب فرض ديني لا نقاش فيه ورمز لهوية المرأة المسلمة، تفقد هويتها لو خلعته. وبين الاختيار الشخصي والإلزام الديني والحتمية الهوياتية، تسقط رسالة اليوم العالمي للحجاب في المتناقضات.

ليس الحجاب قطعة من القماش فقط، ولا تمكن مقارنته بالجينز أو “الكاب” أو أي قطعة ملابس محايدة.

الحجاب رمز لقيم متعددة.

إنه رمز للالتزام الديني الشخصي. ورمز للمرأة كموضوع جنسي (فتنة، اغراء، شهوة) وعورة يجب أن تغطى كيلا تثير الرغبة، وهذه هي الفكرة الرئيسية من وراء الحجاب. المرأة قنبلة جنسية متحركة من وجهة نظر الحجاب، ولا حل لتجنبها إلا تغطيتها.

وهو أيضاً رمز سياسي (الصحوة الإسلامية، صعود الإسلام السياسي، عودة الحجاب ورفض الحداثة)، ورمز للسلطة والخضوع (خضوع المرأة لسلطة الرجل لأن التغطية هي في أصلها تغطية لجسد المرأة من عيون الرجل).

كما أنه رمز طائفي، فمن خلال شكل الحجاب تستطيع تحديد إذا ما كانت التي ترتديه سنية أو شيعية، متدينة او مجرد مقلدة وخاضعة لإملاءات المجتمع.

والحجاب رمز طبقي، فحجاب الغنيات يختلف عن حجاب الفقيرات، وقد نرى في بعض المجتمعات أن النساء الميسورات يرتدين الحجاب أكثر من الطبقات الأخرى، والجارية معفية من الحجاب عكس الحرة الملزمة به بحسب التراث الديني.

وإلى جانب هذه الرموز صار الحجاب في الغرب رمزاً “عرقياً” للمرأة المسلمة، ومن أدوات الصراع السياسي بين الليبراليين والمحافظين. 

لكن الخطيئة الأكبر التي يرتكبها الغرب اليوم في حق الحجاب هو تحويله إلى رمز للهوية وبهذا يصبح هدف تحجيب المرأة المسلمة في الغرب هو توجيه رسائل متعددة هي “أنا امرأة مسلمة لا تقترب مني، لا تحاول أن تجعل مني صديقتك، لا تجلس بجانبي في المترو، لا تدعني لحفلة مختلطة، ولا تتعامل معي كما تتعامل مع أي امرأة أخرى”. بهذا التحويل الدلالي الخطير للحجاب يتحول حجاب المسلمة في الغرب إلى قوقعة تعزل المسلمة عن محطيها العام سواء في المدرسة أو العمل أو الحي، ويصبح عزل المرأة المسلمة والتعامل معها كطفلة مذعورة من كل ما حولها نوعاً من “التمييز الإيجابي” واحترام الهوية. 

ليس الحجاب، كما تم تطويره اليوم، مجرد قطعة قماش، إنه سلاح ملغوم للتحكم في عقل المرأة وجسدها وحريتها. 

هناك فكرة إشكالية يريد البعض نشرها وهي أن ارتداء الحجاب “حرية شخصية”. وهذه فكرة متناقضة مع نفسها. فمن ترتدي الحجاب إما ترتديه لأنه واجب ديني من وجهة نظرها، وهي هنا مجبرة على لبسه شاءت أم أبت. أو أنها ترتديه لأنه إرغام مجتمعي، وهي هنا مجبرة على ارتدائه رغماً عن أنفها.

بل إن التي تتجرأ على خلع الحجاب قد تتعرض لأبشع أنواع التنكيل التي تصل إلى حد إحراق الوجه بالأسيد.

وبرغم أنه ظهر استجابة لحاجات بعض النساء المسلمات المحجبات في المجتمعات الغربية، إلا أن تحوله إلى يوم عالمي طرح إشكالية أكبر وهي أن هناك 600 مليون امرأة مسلمة يعشن في دول إسلامية تحرمهن حق ارتداء الزي الملائم لهن وتفرض عليهن ارتداء الحجاب. 

وإلى جانب التعاليم الدينية، هناك منظومة عادات وتقاليد تجعل “تحجيب” النساء ومعاقبة المتمردات بالقوة من أبرز مهمات الذكور ومن أهم معالم الذكورة والحفاظ على قيم المجتمع، ما يجعل الحجاب رمزاً بطريركياً صارخاً وقوة رمزية لاستمرار دونية المرأة وجنسنتها (النظر إليها كموضوع إغراء جنسي) وعزلها عن الحياة العامة.

وعندما يكون هناك “يوم عالمي لارتداء الحجاب” فنحن هنا أمام احتفالية برمز من رموز اضطهاد المرأة والتمييز ضدها.

صحيح أن بعض المحجبات في الغرب قد تعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب، لكن هذا لا يمكن حله عبر الاحتفال برمز الاضطهاد وسببه.

معظم الرجال والنساء المطالبين “بحرية” ارتداء الحجاب يرفضون رفضاً تاماً السماح لبناتهم بخلع الحجاب، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن الحجاب ليس اختياراً شخصياً حتى الآن. فالفتاة المسلمة تنشأ من صغرها على أنها ملعونة إذا خلعت الحجاب، وأنها ستذهب إلى النار لو قصرت فيه، وأنها فتنة وقنبلة جنسية يجب أن تستتر، وبذلك يكون ارتداء الحجاب نتيجة لغسيل دماغ وتعذيب نفسي طويل وممنهج، ومن اللاإنسانية أن نطلب من ضحية هذا العنف النفسي الممنهج الوقوف أمام الكاميرا لتتحدث عن قناعتها الشخصية بارتداء الحجاب.

المرأة التي ترتدي الحجاب في الغرب تكون في الحقيقة قد تعرضت لاضطهاد مزدوج، اضطهاد الدين والأسرة التي أجبرتها على لبس الحجاب، واضطهاد المتطرفين الذين عنفوها بسبب لبس الحجاب.

والاحتفال بيوم عالمي للحجاب لا يقل في سوئه عن الاحتفال بيوم عالمي لختان الصغيرات أو زواج الأطفال أو ضرب النساء… فكل هذه الممارسات لن تعدم من يدافع عنها باعتبارها حريات شخصية حتى من النساء أنفسهن.

نتيجة هذه الإشكاليات التي طرحها “اليوم العالمي للحجاب”، ظهرت احتفالية مضادة لخلع الحجاب وعرض معاناة النساء مع التحجيب القسري والعنف ضد كل فتاة خلعت الحجاب. وتحاول الاحتفالية تفكيك أوهام الحجاب كاختيار شخصي التي حاولت ترويجها بعض الأوساط النسوية والليبرالية في الغرب. وعرض نماذج واقعية لمسلمات خلعن الحجاب بعد معاناة طويلة وعنف ممنهج من قبل العائلة والمجتمع.

لا أطالب هنا بيوم عالمي للبس الحجاب ولا لخلعه. من حق كل من أرادت ارتداء الحجاب أو خلعه أن تفعل ما تشاء، لكن بعد أن يكون قرارها فردياً وحراً. وهذا لن يتم إلا بتحرير الحجاب من الإلزام الديني والعنف المجتمعي وتحويله من فريضة دينية إلى خيار شخصي. وعندما يتم ذلك ستختفي قضية الحجاب من النقاش العام وسيصبح ارتداؤه فعلاً حرية شخصية، مثل ارتداء “جينز” أو “كاب” أو “تي شيرت”.

ولو كانت هناك حاجة ليوم عالمي فليكن يوماً عالمياً لحق المرأة المسلمة في ارتداء ما يناسب ذوقها واختياراتها، وليكن يوماً عالمياً تجتمع فيه النساء المسلمات في كل عواصم الدول الإسلامية والعربية والغربية، لترتدي كل امرأة ما تريد وتخلع ما ترفضه، ساعتها فقط سيكون لهذا اليوم قيمة بعيداً من التوظيف السياسي والديني لجسد المرأة المسلمة في صراعات الشرق والغرب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني