هذا ليس مأتم لقمان… هذا مأتمنا

مقتل لقمان سليم، لم يقتل سؤاله الأوسع والأعمق، وسؤال جيلنا المترامي أشلاء بين اليمن، والعراق، وسوريا ولبنان: أي لياقة إنسانية تعدنا بها الممانعة ورجالهم هم المسيطرون الفعليون اليوم على مفاصل مجتمعاتنا؟

أقف أمام ضريح لقمان سليم. حديقته الخضراء في وسط الصلصال الرمادي للضاحية، تضج بالحياة. أصحاب وأصدقاء ورجال دين، وفنانون، ومستشرقون، وغرباء، وسفراء، وصحافيون. مزيج بيروت المتوتر، “المفشكل”، المتناقض كله هنا. السماء عالية اليوم، واضحة، نقية، والشمس ساطعة متوهجة. نحن لم نأتِ إلى مأتمه قال لي صديق، نحن هنا في مأتمنا.  

كيف وصلنا إلى هنا، أسأل نفسي؟ من المسؤول؟

أشعر وكأن لقمان سأل هذا السؤال من قبل في حديقته هنا. وكأنه بطل في فيلم “الأميرة موناكو” للمخرج الياباني مايازاكي! يخرج بطل لقتال وحش ضار، يجد أنه ضحية. الوحش ضحية، لوحش آخر. يغامر البطل في رحلة طويلة لاكتشاف مسبب الأسباب كلها، الخطيئة الأولى، الجريمة الأصل. هدفه شفاء المرضى ونفسه، خوفاً من أن يتحول هو أيضاً إلى وحش آخر. 

ولكن سلسلة العذابات التاريخية التي شكلت الواقع تتشابك في رأسي مثل مجرى الأحداث في الزمن، مثل تاريخنا. خيارات خاطئة متتالية، تتبعها ارتدادات أعنف، في سلسلة لا تنتهي من الأفعال وردود الفعل. هل هو النظام اللبناني المغلق على طائفيته، الذي انفجر في وجهنا جميعا؟ من أطلق الوحش؟ 

أم أنه النظام السوري الذي خصّب “حزب الله” في الداخل، في التقاء مصالح ما. كلا لا بد أنه العنف الأصلي، الأكثر كثافة، لا ريب أنه الاستعمار الذي ترك المشرق بخلل بنيوي، جرح نازف. يهاجمني ماركسي بحزم، الأحداث في الزمن ليست عبثية، فإن نظرت لا بد أن ترى أن الزمن يتدفق وفق آلية واضحة. كل هذا العذاب سببه طبيعة الرأسمالية. إنها هي التي سببت الاستعمار وبنيته المادية. ولكن لا استغلال بلا بنية فوقية، تؤبد الهيمنة وتؤطرها. علينا العودة إذاً إلى ذات ما، هناك، في الماضي، قبل صعود المارد من القمقم. نقرأ المعوذات، فتهدأ البحيرة: الحل هو الإسلام! لا، المعضلة هي الإسلام… والله أعلم! 

لا بد أنه الإلكترون الشقي في فيزياء الكم. يظهر السبب، للناظر، حيثما نظر. 

ولكن علينا أن نحيا أيضاً، ولكي نحيا، علينا أن ننزل من تعالي الفكر المجرد، إلى وحل الواقع. علينا أن ندخل في التفاصيل، حيث ينكسر النسق، وتبدو الحياة بفوضاها، خربشة أطفال لا تعترف بأشكال، أو صور. علينا أن ندخل في التجربة. ففي التجربة، يتشكل الفكر، فيشكلها معه، ومنها واليها، بتكرار أبدي تنشط الحياة، بين المفهوم واللامفهوم وبين الواقع والخيال. لقمان بهذا المعنى كان الاثنين، مغامراً في السياسة، وموّثقاً للوقائع. بيته ومؤسسته مساحة، كاملة، شاملة للبحث عن شقاوة الإلكترون الضائع، وعن إمكانية الفهم. فعندما نفهم، ونلتقي على المعنى، تفتح القجة، تتعانق البداية مع النهاية، تنكشف الغيوم ويهدأ الوحش/الالة. ربما! 

مقتل لقمان سليم، لم يقتل سؤاله الأوسع والأعمق، وسؤال جيلنا المترامي أشلاء بين اليمن، والعراق، وسوريا ولبنان: أي لياقة إنسانية تعدنا بها الممانعة ورجالهم هم المسيطرون الفعليون اليوم على مفاصل مجتمعاتنا؟ 

هل نحن أفراداً وشعوباً، نملك الحق بالبحث الحر، والتعبير السياسي، واكتشاف فضاءات أخرى، أم أن الحريات العامة هي أيضا جزء من مشروع غربي استعماري خبيث يختبئ في ثقافة حقوق الإنسان، وينسينا “ذاتنا الجمعية الأصلية”؟ ومن يحدد الأصل، وكيف؟ 

المطالبة باللياقة الإنسانية اليوم، تلك التي تحترم الحق بالاختلاف، والتعبير الحر، والعمل السياسي، وحتى القصاص ضمن حكم القانون، تنبع أولاً من الإيمان بقانون ما، بشريعة ما، تستوي فوق، وتكبح العنف المطلق، للمستبد المهيمن. اتفاق على قيمة إنسانية ببساطة “السلام عليكم”، لتفتح المجال لعقلنة الأشياء واحتوائها، ودحضها في الدماغ قبل أن تنفجر وحوشاً جارفة في مجتمعاتنا. أين القانون الناظم لاختلافاتنا المتعددة وأسئلتنا الغبية والذكية على السواء؟ يعيش لبنان والمشرق عموماً حالة من التوحش القصوى، كما يحلو لـ”داعش” أن يصفها، حالة “الأنتي- شريعة”: مجتمع خال من أي قانون، سوى بطش الأقوى والأعنف.

أين هي اللياقة الإنسانية في قتل شخص، أي شخص، واجه بالحجة وإعلاء الرأي، والنشر، والفيديو، ولماذا لا يتم دحض موقفه بالنقاش العلني؟ المشكلة أننا نرزح في مجتمع برزخي، هيولي، بلا دستور حقيقي أو شرعة ما. وحاملو الخطاب الممانع لا يعترفون بدستور أو قانون، خارج عن حالة تفكيكية، اعتراضية، “مقاومة”. فالممانعة كفعل متحرك دوماً ضد أحد ما، منطقها حالة طوارئ دائمة، وتعبئة أيديولوجية لحدودها القصوى. بهذا المعنى، الامبريالية تصبح إلهاً يخترق كل شيء، وعلى الممانعين، التصدي، أيضاً في كل مكان لحماية “الاستقلال الحقيقي” عن الغرب. ولكن من هم هؤلاء الممانعون، ومن نصبهم في منزلتهم الثورية هذه، كقضاة، وحماة، و”فانغارد”؟ 

قتل لقمان سليم بخمس طلقات نارية، أربع منها في الرأس، وواحدة في الظهر. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني