جودت سعيد وفرص “اللاعنف” في سوريا

اللاعنف الذي كرس الراحل جودت سعيد جهده لتأصيله إسلامياً، يظل بلا أفق، طالما أن هناك ترفعاً عن التعامل مع الصراع الأهلي وتحولات الجماعات.

في نعيه الداعية جودت سعيد، نسب البرلماني الإسلامي السابق محمد حبش، نفسه إلى الراحل، فكتب “أستاذي ومعلمي جودت سعيد في ذمة الله. أصدق من رأيت في حياتي، وأرقى قدوة يمكن أن يختارها الإنسان في هذا العالم المتلاطم بالأهواء”. وبصرف النظر، إن كان، في كلام حبش، ادّعاء وزعماً ومبالغة، إلا أن صلة ما ترتسم بينه وبين الراحل. وتلك الصلة، تتمثل في تبني خطاب إسلامي يحاول مخاصمة النزعة الراديكالية التي تتبناها الجماعات العنفية، وتجد فيها خلاصاً وحلاً لمشكلات المسلمين ومعاناتهم، علماً أن سعيد وحبش يختلفان، في حساسية التنبه لاستثمار الأنظمة الاستبدادية في أفكارهما.

فسعيد، كرّس معظم كتاباته لـ”تفكيك خطاب الجماعات الجهادية”، بحسب ما قال أحد الباحثين المطلعين على مؤلفاته، كما خصص كتاباً للرد على، عمل سيد قطب “معالم في الطريق”،  مشدداً على رفض العنف، انطلاقاً من منظور ديني، واستناداً إلى قرائن وتأويلات من داخل الإسلام نفسه. بمعنى أن جهده، في ما يخص مسألة العنف معزول عن شروط أخرى، سياسية واجتماعية وعصبية، ويهتم بالنص الديني وبوجوه تاريخية. والعزل هذا، مردّه، بالدرجة الأولى، إلى تحكم النظام السياسي، وتأثيره في الخطابات الدينية، سواء كانت تغذية للإسلام الرسمي الزاهد بالسلطة، أو تغذية الإسلام الرديكالي الموظف لضرب المشروع الأميركي في العراق وخلق فوضى في لبنان. كتابات سعيد نفسها، تحمل بذرة عزلها، فهي نسجت بديناميكيات من داخل الدين، وخارج أي شرط يؤمن بيئة لتطويرها، بدليل أن تأثير الراحل وأفكاره، كان لا يذكر خلال الحرب الأهلية، والعنف المتبادل بين الأطراف.

والأرجح أن سعيد لم يؤثر في الأوساط السنية التي خاطبها بمؤلفاته، لأنه، ركز على مستوى واحد، متعلق بالتأويلات الدينية، وأهمل تحول الجماعة السنية، أو جزء منها، إلى طائفة ينشط سلوكها كأقلية مهددة، بدون أن ينعكس ذلك في الوعي والتنظير السياسي. الإهمال هنا ينسحب على بقية الجماعات ومسببات عنفها. العنف السوري، مرتبط بالانقسام الأهلي، والنصوص تعمل ضمن هذا الحيز، وتغذيه وتمده بالحجج. والنظام نفسه يعمل ضمن هذا الحيز، والجهاديون أيضاً. “داعش”، و”النصرة” انتعشا في بيئة الانقسام الأهلي، وتأويلهما النصوص هدفه “الشرعية”.

علاج الانقسام الأهلي، المدخل الأنسب لتخفيف العنف، عبر نقل الصراعات من المتاريس إلى المؤسسات، وإضعاف الانتماءات الصلبة للجماعات، وتذويبها في مصالح، هذا الطرح يبدو مستحيلاً في وضعنا الحالي، لا بل خيالياً، لكن طرحه ضروري، لمنح مسألة اللاعنف، مرجعية مدنية حديثة، تقضي بتفويض العنف للدولة وأدواتها، لا انتظار تأويل ديني والخلط بين أفكار الراحل سعيد، ومفاهيم مثل المقاومة السلمية، والنضال المدني، إذ إن هذه المفاهيم، تتعلق بالإضراب والعصيان المدني، وأدوات أخرى، كلها نتاج الحداثة السياسية، وتنتمي إلى قاموس آخر، وسياق تاريخي مختلف. 

لكن ما المانع، أن يتم التنظير للاعنف من داخل الدين، فيتطور لاحقاً إلى التسليم بما هو مدني وحديث؟  

صعوبة ذلك تتمثل في كون هذا السعي، غير مقرون بثورة صناعية أو انتشار الطباعة وتوسع الرأسمالية وتغيرات كبرى، على ما حصل في أوروبا، بل هو مقرون بنظام استبدادي يغلق الفضاء العام، ما يجعل هذا السعي بلا حاصل، ويصبح عرضة لتحكم الجهة الأكثر قوة أي السلطة الحاكمة. صحيح أن سعيد حرص على عدم تقديم خدمات مجانية للنظام، وتنبه لاستفادة الأخير من أفكاره، وحسم موقفه سريعاً من الثورة مع انتقادات تتعلق بالعنف. لكن إشهار شخص مثل محمد حبش تتلمذه، على يد سعيد، يشير إلى أن هكذا نوعية من الأفكار يمكن أن تكون فضفاضة، طالما أن طرحها يهمل الربط مع أي أوضاع سياسية أو اجتماعية.

إقرأوا أيضاً:

فإضافة إلى رفض العنف، يمكن تبنّي موقف إسلامي متقدم من المرأة ومن التعليم والاختلاط والحداثة، لتتشكل مجموعة من الأفكار الجذابة، ويصبح من يتبناها “متنوراً” و”معتدلاً” و”حضارياً”، في حين أن هذا الخطاب، منفصل عما هو موضوعي في واقعنا، ونسيجه وبناه وتراكيبه، إذ إن تطوير نظرة إيجابية للمرأة مثلاً انطلاقاً من تأويل ديني، سيظل ضمن أحاديث الصالونات البحثية والأكاديمية، فيما الواقع، تسيره ديناميكيات مختلفة، تضاعف معاناة النساء.

عند اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، تصدر حبش، شاشات الفضائيات للدفاع عن النظام السوري، ما يشكل حالياً مفارقة كثيفة الدلالات، إذ إن إسلامياً، ينسب أفكاره لجودت سعيد “داعية اللاعنف”، يدافع عن متهم بجريمة عنف، بهذا الحجم. خطاب حبش، المخاتل ليس بعيداً من خطاب سعيد الصادق، جذر واحد لكليهما يتمثل بالتأويلات الإيجابية للدين، وفيما يتحصن الثاني من لعبة استفادة السلطة، يقدم الأول خدماته، مع تنويع بطبيعة السلطة المراد خدمتها.

بالنتيجة، فإن اللاعنف الذي كرس الراحل جودت سعيد جهده لتأصيله إسلامياً، يظل بلا أفق، طالما أن هناك ترفعاً عن التعامل مع الصراع الأهلي وتحولات الجماعات. كذلك فإن فرص ربط هذا الجهد بمرجعيات مدنية تؤمّن السلام عبر مؤسسات حديثة، ليس متاحة حالياً، وهذا الانسداد، لن ينتج، على الأرجح، سوى “تلميذ” مثل محمد حبش، تحظى منشوراته الفيسبوكية حول “الاعتدال” بإعجاب المتحسرين على خسارة جودت سعيد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني