“سيتزن لاب” في مواجهة مجموعة NSO:
المعهد الكندي الصغير يطيح بـ”مرتزقة برامج التجسس” في إسرائيل

يناير 28, 2022
ليست المرة الأولى التي تتورط فيها مجموعة "إن إس أو" بقضية من هذا النوع. فقد ساعد برنامجها التجسسي "بيغاسوس" عشرات الحكومات في البلدان التي تفتقر إلى أعراف الحكم الديموقراطية ومكَّنها من مراقبة الصحافيين والمعارضين.

في أحد أيام آب/ أغسطس 2016، تلقى الناشط الحقوقي أحمد منصور رسالتين نصيتين على جهاز آيفون الخاص به. طلبت منه الرسائل فتح الروابط المرفقة للكشف عن “أسرار جديدة” حول تعذيب المعتقلين في السجون. سبق أن تعرض منصور، المقيم في الإمارات العربية المتحدة والحائز جائزة “مارتن إينالز” المرموقة للمدافعين عن حقوق الإنسان في 2015، لِهجومين ببرامج تجسس، فقرر توخي الحذر هذه المرة. 

وبدلاً من فتح تلك الروابط، تواصل منصور مع “سيتزن لاب”، وهو معهد متعدد التخصصات تابع لجامعة تورنتو، يركز على البحث والتطوير في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وحقوق الإنسان، بحسب ما جاء في الموقع الإلكتروني الخاص بالمعهد. فتح الخبراء في المعهد الروابط على هاتف آيفون خاص بالمختبر، وتتبعوا مساراتها الرقمية. ليتضح أن شكوك منصور كانت في محلها. فقد قادت الروابط الخبراء إلى برنامج التجسس”بيغاسوس” الذي طورته مجموعة “إن إس أو” الإسرائيلية. وجد برنامج التجسس المتطور ثغرات غير معروفة في البرنامج التشغيلي للهاتف ومنح الجهة المسؤولة عن الهجوم- يشتبه أنها حكومة المملكة العربية السعودية- إمكانية ولوج شبه كاملة لبيانات ومحتويات وصور موجودة في الجهاز المستهدف مع القدرة على تفعيل الكاميرا والميكروفون من بُعد.

هذه ليست المرة الأولى التي تتورط فيها مجموعة “إن إس أو” بقضية من هذا النوع. فقد ساعد برنامجها التجسسي “بيغاسوس” عشرات الحكومات في البلدان التي تفتقر إلى أعراف الحكم الديموقراطية ومكَّنها من مراقبة الصحافيين والمعارضين وغيرهم. وليست المرة الأولى أيضاً التي يكتشف فيها مختبر “سيتزن لاب” برنامجاً تجسسياً كهذا. ليتضح أن الشركة الإسرائيلية لديها منافس لا يقل تطوراً أو مثابرةً عنها: عبارة عن معهد أبحاث صغير في تورنتو، دأب على فك خيوط لغز صناعة الهجمات السيبرانية التجسسية في إسرائيل واحداً بعد الآخر. 

بين عامي 2016 و2018، فحص المعهد هواتف مئات الصحافيين والعلماء والمعارضين ومكتشفي الفساد في 45 دولة على الأقل. وعثر على برنامج “بيغاسوس” المُطور من قِبل مجموعة “إن إس أو” في الأجهزة. وعام 2018، نُشرت نتائج ذلك التحقيق في تقرير جاء فيه أن “ما لا يقل عن ست دول لها تاريخ سابق في استخدام البرامج التجسسية لاستهداف المجتمع المدني قد أجرت عمليات كبيرة مستعينةً ببرنامج بيغاسوس”. شكَّلت نتائج تحقيق مختبر “سيتزن لاب” الركيزة الأساسية لقرار واشنطن في الخريف الماضي بوضع مجموعة “إن إس أو” على القائمة السوداء للشركات التي تعتبر أن أنشطتها تضر بمصلحة الولايات المتحدة الوطنية. لتتحول “إن إس أو” بين عشية وضحاها من شركة ناجحة إلى شركة يُتوقع انهيارها على نطاق واسع.

وكتب رونالد ديبرت، مؤسس ومدير معهد “سيتزن لاب”، في كتابه “إعادة الأوضاع لما كانت عليه: استعادة المجتمع المدني للإنترنت” (Reset: Reclaiming the Internet for Civil Society): “عندما كانت السعودية تستخدم برنامج التجسس إسرائيلي الصنع لمراقبة المنشقين في الخارج، كنا نحن أيضاً نراقبها”.

مضيفاً أن “فريق “سيتزن لاب” بقيادة الباحثين بيل ماركزاك وجون سكوت رايلتون، بدأ في استخدام مزيج من أساليب مراقبة الشبكة المحسنة نوعاً ما لتسجيل البيانات الأساسية لشركة “إن إس أو”، وكان لدينا (دون علم الشركة أو عملائها) معلومات لحظية عن عدد الأجهزة التي تم استهدافها على مستوى العالم، وكذلك الجهات الحكومية التي يحتمل أنها تقف وراء هذه الهجمات”. 

ترتبط إحدى أكثر الحالات مدعاة للقلق التي وثقها مختبر “سيتزن لاب” بالصحافي المكسيكي خافيير فالديز كارديناس، الذي كان يحقق في قضايا تتعلق بعصابات المخدرات والجريمة المنظمة في البلاد. فقد اكتشف الباحثون أن هواتف زملاء فالديز وأيضاً هاتف زوجته، تحتوي على رسائل تبدو عادية لكنها تتضمن روابط مخفية لتثبيت برنامج “بيغاسوس” التجسسي، الذي أتاح إمكانية تحديد مواقعهم الفعلية وجمع معلومات عن محادثاتهم معه. في أيار/ مايو 2017، أطلق عضو في عصابة تهريب مخدرات النيران على فالديز – الصحافي الحائز جوائز عالمية- وأرداه قتيلاً.

اكتشف “سيتزن لاب” أيضاً وجود صلة بين مجموعة “إن إس أو” والقضية الشهيرة الخاصة بمقتل الصحافي والمعارض السعودي جمال خاشقجي. وقد قُتل الصحافي في جريدة “ذي واشنطن بوست” بطريقة وحشية في السفارة السعودية في إسطنبول عام 2018. لاحقاً، اكتشفت تحقيقات المعهد الكندي أن عمر عبد العزيز، وهو معارض للنظام السعودي مقيم في كندا كان على تواصل مع خاشقجي خلال الأيام التي سبقت مقتله، وقع ضحيةً لبرنامج “بيغاسوس”.

وبالطبع، نفت “إن إس أو” ادعاءات تورط برنامجها في تعقب خاشقجي. قال رونالد ديبرت، أستاذ العلوم السياسية في مدرسة مونك للشؤون الدولية والسياسات العامة في جامعة تورنتو، لصحيفة “هآرتس”؛ “أوصلنا نتائج أبحاثنا للمديرين التنفيذيين لمجموعة “إن إس أو” أكثر من مرة عبر السنين. لكن المجموعة وملاكها تهربوا على الدوام من الإجابة عن هذه الأسئلة، ولم يتطرقوا بشكل مباشر للأدلة التي تثبت حدوث انتهاكات، واختاروا بدلاً من ذلك الطعن في سمعة الباحثين الذين اكتشفوا تلك الانتهاكات”، مضيفاً أن هذه “ما هي إلا حالة من الحالات الكثيرة التي أنكرت فيها الشركة الحقائق المثبتة. إنكارهم المستمر لهذا الكم الهائل من الأدلة الجنائية عبثي ويسيء بلا شك لمئات الضحايا الذين تأثرت حياتهم بسبب الأنظمة السلطوية والاستبدادية التي تستخدم برنامج بيغاسوس”.

إقرأوا أيضاً:

كيف بدأ الأمر؟

يعود الظهور الأول لمعهد “سيتزن لاب” إلى التسعينات، عندما كانت مجموعة أسطورية من القراصنة الإلكترونيين المعروفين باسم “طائفة البقرة الميتة” Cult of the Dead Cow، تباشر عملها بالفعل. يوضح الصحافي جوزيف مين، في كتابه “طائفة البقرة الميتة: كيف يمكن لمجموعة القرصنة الأصلية ذائعة الصيت أن تنقذ العالم” (Cult of the Dead Cow: How the Original Hacking Supergroup Might Just Save the World)، أن المجموعة ليست طائفة ولا علاقة لها بالأبقار. بل إنها في واقع الأمر المؤسسة الأميريكية الأقدم والأكثر تأثيراً في هذا المجال، وهي واحدة من المجموعات القليلة التي ظلت تمارس عملها إلى الآن. وقال مين في مقابلة افتراضية عبر برنامج “زووم” من منزله في مدينة سان فرانسيسكو، إن المجموعات الأخرى إما حُلت أو أُلقي القبض على أعضائها. وقال إن أعضاء المجموعة كانوا بمثابة رافعي راية “ثقافة الهاكر” أو “القرصنة الأخلاقية”، وهم من صاغوا مصطلح “هاكتفيزم” (hacktivism) أو “المقاومة الإلكترونية”، الذي يشير إلى اختراق أجهزة الحاسوب والشبكات الحاسوبية لخدمة أهداف سياسية أخلاقية.

تأسست المجموعة في تكساس عام 1984، لكن أحد أعضائها البارزين كان كندياً يُدعى ليرد براون، الذي يحتل مكانة رائدة في استخدام القرصنة باعتبارها أداة سياسية. أما عن ديبرت، فقد انضم إلى هيئة التدريس في مدرسة مونك للشؤون الدولية والسياسات العامة في جامعة تورنتو عام 1996. وأخبره طالب يُدعى نارت فيلينوف عن أنشطة براون وعرفهما ببعض.

يستعيد مين الذكريات قائلاً: “تحدث الرجلان مطولاً عن التحديات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والتجارية التي تعيق حرية الإنترنت، وعن ضرورة الحصول على معلومات مفصلة عمّا يحدث داخل المُسيّرات والمُحوّلات في الأماكن الخطرة. واتفقا على أن النموذج التمويلي لمشروع كهذا ينبغي أن يتمتع بالشفافية وألا تشوبه شائبة، حتى لا يُتهم بأنه تابع لأيّ هيئة استخباراتية أو حكومية. وينبغي أن يكون المشروع قادراً على إتاحة المعلومات للباحثين والصحافيين والعامة، حتى تمكن ممارسة الضغط على الحكومات المتورطة، وكذلك الشركات التي وفرت أدوات التجسس والمراقبة لها”.

اعتقد ديبرت أن جامعته ستكون مضيفاً مثالياً لمثل هذا الكيان البحثي، لأن هذا سيسمح بتلقي تمويل حكومي وسيضمن استقلالية هذا الكيان أيضاً. إضافة إلى ذلك، سيستفيد فريق العمل من خبرات خبراء الحاسوب والأمن السيبراني والباحثين في مجال العلوم السياسية وغيره من المجالات. لذا، وبعد الحصول على إذن الجامعة ومنحة أولية من “مؤسسة فورد”، بدأ العمل في معهد “سيتزن لاب” عام 2001.

ويتابع ديبرت: “أولاً: يتطلب تناول الموضوع من منظور أكاديمي تحديد أولويات البحث القائم على الأدلة باستخدام منهجيات دقيقة تخضع لمراجعة أقران شاملة؛ وقد كان هذا على رأس أولوياتنا. يخضع كل مكون من مكونات منهجيتنا لمراجعة دقيقة، ونحن ملزمون باتباع بروتوكولات أخلاقيات البحث الصارمة. هذا النوع من الرقابة الإلزامية يعزز الجودة الشاملة ودقة وعمق أبحاثنا. ثانياً: طورت التخصصات الأكاديمية -لا سيما التخصصات التقنية، مثل علوم الحاسوب والهندسة- أدوات وتقنيات متطورة لتتبع واستكشاف الشبكة العنكبوتية ومنظومتنا الرقمية. وبعدما بحثت طويلاً في “التجسس الحكومي” أدركت أن أجهزة أمن الدولة كانت تستحوذ- من وراء الكواليس- على هذه الأدوات والتقنيات لأهداف الأمن القومي والاستخبارات، ولم أجد أي سبب يمنع استخدامها أيضاً لمحاسبتها، أي استخدام التقنيات نفسها لمراقبة المراقبين”.

في ما يتعلق بدور مؤسسات التعليم العالي، يلاحظ ديبرت: “لقد قلت في كثير من الأحيان إن الشبكة العنكبوتية خرجت من رحم الجامعة، والآن بعدما أصبحت تمثل تهديداً في جميع أنحاء العالم، أعتقد أن الباحثين الجامعيين ملزمون بكشف التهديدات التي تواجه انفتاح وأمن هذه الشبكة”. ويرى ديبرت أنه “على جميع الباحثين الجامعيين- وبخاصة الأساتذة- أن يأخذوا على محمل الجد المهمة الأساسية للجامعة: إجراء بحث نزيه يفيد الصالح العام، وألا يمنعهم خوفهم من السلطة من قول الحقيقة”.

يمارس “سيتزن لاب” أنشطته من داخل مبنى حجري فاخر في قلب حرم الجامعة المخطط بإتقان في وسط تورونتو. تشغل مكاتبها المؤمَّنة الطبقة العلوية والبرج الدائري بالمبنى، الذي بُني في الأصل عام 1909 ليكون مركزاً لمراقبة الأرصاد الجوية. يضم طاقم المختبر 20 موظفاً وعدداً من الطلاب الباحثين وأصحاب الزمالة الذين يركزون على مشاريع محددة تتعلق بمجالات تخصصهم. تمتد أعمار موظفي المختبر بين طلاب المرحلة الجامعية الأولى حتى كبار الباحثين في الخمسينات من العمر.

تحدي السلطة

لدى ديبرت تاريخ في التشكيك في السلطة يعود إلى طفولته؛ فقد ولد عام 1964 ونشأ في حي فقير في شرق فانكوفر، بظروف معيشية صعبة للغاية. ثم أُرسل إلى مدرسة كاثوليكية، وهناك غالباً ما كان يتحدى رجال الدين بأسئلته الوجودية. وقال في مقابلة عام 2009: “اعتقدت أن كل هذا مجرد هراء”، وللترفيه عن نفسه، اقتحم الكنائس والتهم خبز عيد الشكر.

اليوم ديبرت هو شخص بالغ ومسؤول، وكان يختار كلماته بعناية وحكمة أثناء المقابلات، فهو مهذب وليس عدوانياً، وهو النمط المناسب للشخصية الكندية. ومع ذلك، يبدو أن أولئك الذين يعملون تحت قيادته يستمتعون أكثر بألعاب التجسس التي يبحثون فيها.

كان بيل ماركزاك وجون سكوت رايلتون جزءاً من فريق “سيتزن لاب”، الذي كشف عن برنامج “بيغاسوس” عام 2018، وقد وصفا- بروح الدعابة وبكثير من العاطفة- ألعاب القط والفأر التي تتطور أحياناً بينهم وبين الشركات المصنعة للبرامج الضارة. يبدو أنه من الصعب ألا تنغمس في الإثارة واندفاع الأدرينالين الذي يأتي مع ألعاب التجسس التي تطلق مباشرة.

خلال الأعوام العشرين الماضية، نشر “سيتزن لاب” نحو 150 تقريراً، كان الكثير منها في الصفحة الأولى من الأخبار في الصحف المرموقة في جميع أنحاء العالم وكذلك في المجلات المتخصصة التي تخضع نشراتها لمراجعة الأقران. من هنا، شق “سيتزن لاب” طريقه ليصبح واحداً من معاهد البحوث الرائدة التي تؤثر في حرية التعبير عبر الإنترنت، من خلال الجمع بين المنهجيات المشتقة من مجالات العلوم السياسية والقانون وعلوم الحاسب. يمكن النظر إلى المجموعة على أنها تعمل في منتصف المسافة بين البيانات الضخمة والأخ الأكبر.

جاء أول عرض مؤثر للمعهد في آذار/ مارس 2009، وأصبح معروفاً للجمهور بعد تقرير نُشر في الصفحة الأولى من صحيفة “نيويورك تايمز” بعنوان: “نظام تجسس واسع ينهب أجهزة الحاسوب في 103 دولة“. بدأ المقال بالإحالة إلى تورنتو مكاناً لهذا الكشف المؤثر، وكانت افتتاحيته مثيرة للغاية: “كشف باحثون كنديون عن عملية تجسس إلكترونية واسعة النطاق تسللت إلى أجهزة الحاسوب وسرقت وثائق من مئات المكاتب الحكومية والخاصة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مكاتب الدالاي لاما… وقال الباحثون إن الأجهزة التي تتحكم بهذا النظام جميعها تقريباً في الصين، لكنهم لا يستطيعون الجزم بتورط الحكومة الصينية”.

كان ديبرت هو الذي قرر إشراك “تايمز” في التحقيق، والذي أطلق عليه اسم Ghostnet. لقد فعل ذلك ليس بسبب التغطية التي قدمتها أهم صحيفة في العالم، وحسب، بل فعله كنوع من التحوط إذا حاولت الحكومة الكندية منع نشر التقرير. واتضح أن حدسه كان في محله؛ فقد تبين أن المخابرات الكندية كانت على علم بشبكة التجسس التي تتخذ من الصين مقراً لها، واستغلتها في الواقع لأغراضها الخاصة.

عام 2008، بدأ “سيتزن لاب” جمع المعلومات حول البرامج الضارة المثبتة في أجهزة الحاسوب الخاصة بالمنظمات التبتية المناهضة للحكومة الصينية. تضمنت أنشطة التجسس- التي قادتها مجموعات داخل الصين- استخدام برامج تجسس ورسائل بريد إلكتروني مزيفة تهدف إلى حث المستلمين على فتحها، لاختراق أجهزتهم. أدرك “سيتزن لاب” أن المنظمات التبتية- بما في ذلك الدالاي لاما- كانت تحت المراقبة.

توصل نارت فيلينوف إلى كيفية عمل أنشطة التجسس هذه عندما نجح في جذب المتسللين لاختراق حاسوبه. وفي الفيلم الوثائقي الصادر عام 2017 Black Code، يصف لحظة الاختراق في التحقيق: “نراقب هذه المجموعات لفترات طويلة من الزمن. وأنت تنتظر نوعاً ما حتى يقعوا في خطأ واحد. وعندما يفعلون ذلك، تكون الفرصة سانحة أمامنا لاستغلاله. في بعض الأحيان، يستغرق الأمر وقتاً طويلاً. فيمكن أن تراقب مجموعة لمدة عام ولا تصل لشيء. ثم يوماً ما يستخدمون خادماً لا يغلقونه وتكون كل البيانات موجودة هناك”.

يوضح ديبرت في الفيلم: “كان نارت يبحث هنا وهناك محاولاً معرفة المخترِق المسؤول عن اختراق مكتب الدالاي لاما. فظهرت له سلسلة مكونة من 22 أو 24 حرفاً (لم يستطع فهم معناها). ثم في مرة من المرات نسخها ولصقها في محرك بحث “غوغل”، فظهر موقع ويب مكتوب بحروف صينية، فضغط عليه”. ويضيف فيلنوف: “لدهشتي، كانت هذه هي الصفحة الفعلية التي استخدمها المهاجمون للتفاعل مع الأنظمة المخترَقة.” وأوضح ديبرت: “أنشأوا موقعاً على شبكة الإنترنت حيث بإمكانهم مراقبة ضحاياهم، لكنهم لم يحموه بكلمة مرور. لذلك كان هذا بمثابة نافذة تطل على كل ما كانوا يفعلونه”.

اكتشف فيلنوف أن وسائل الهجوم كانت عالمية وتمتد إلى ما هو أبعد من مراقبة الجماعات التبتية. وخلص الباحثون إلى أن نحو 30 في المئة من جميع أجهزة الحاسوب المخترقة كانت أهدافاً “عالية القيمة” مثل وكالات الأنباء ومكاتب الناتو ومنظمات حقوق الإنسان والسفارات. بعد ذلك، اكتشفت “جوجل” أنها كانت مستهدفة أيضاً، وهذا الكشف أدى إلى توقف نشاطها في الصين.

كشفت ثلاثة تقارير إضافية صادرة عن “سيتزن لاب” في العام الماضي وحده عن استخدام برنامج تجسس طورته مجموعة “إن إس أو” يطلق عليه اسم هجوم النقر الصفري (zero click). وصف بيل ماركزاك قبل فترة كيف تعمل خاصية “النقر الصفري” على قناة Frankie-Tech، على “يوتيوب” قائلاً: “تخيل للحظة أن لديك هاتف آيفون… بالنسبة إليك الهاتف مغلق، وأنت لا تفعل شيئاً به… وأنت مطمئن بأن جميع بياناتك آمنة على الهاتف. لكن في غضون دقائق برغم أنك لا ترى أي شيء على الشاشة، ولم يحدث شيء يلفت الانتباه، فجأة يتمكن شخص آخر على بعد آلاف الأميال من الوصول إلى هاتفك بالكامل، وتمكنه رؤية صورك ورسائلك الخاصة، بل ويمكنه تشغيل الميكروفون والكاميرا للتجسس على نشاطك في محيط هاتفك”.

وأضاف: “بالتالي كان هذا مكمن الضعف. ويُعرَف باسم القابلية للإصابة عن طريق “النقر الصفري”، لأنه لا يحتاج من أجل تنشيط هذا البرنامج التجسسي على هاتفك إلى أن تقوم بأي إجراء بصفتك مالك الهاتف، ولا ترى أيضاً أيّ شيء مختلف. فليست هناك نوافذ منبثقة لتضغط عليها، ولا روابط أو مرفقات؛ وليس هناك تطبيقات لإعدادها. فالبرنامج التجسسي خفيّ تماماً أمام المستهدَف”. ويشير ماركزاك إلى أن برنامج التجسس يتم تثبيته “بناء على ثغرة أو نقطة ضعف في برنامج “آي مسج” (iMessage) التابع لشركة “أبل”.

وإذا كان قبل بضع سنوات بإمكان ضحية القرصنة المحتمل أن يقرّر ما إذا كان سينقر على رابط مشبوه أم لا، فإن تلك القدرة على الاختراق من خلال النقر الصفري اليوم تتيح إمكانات هائلة أمام مَن يمتلكونها. وفي مثل تلك الظروف، فإن التكاليف الفلكية للحصول على برامج التجسس هذه تعني أن استخدامها يقتصر على الدول ذات السيادة.

ولكن إذا لم تكن هناك علامة على الإصابة في جهاز آيفون أو الحاسوب، كيف بإمكان المرء أن يعرف أن هناك برنامجاً ضاراً تم تثبيته؟ وللإجابة عن هذه المعضلة، فإن فريق “سيتزن لاب” في اتصال مستمر مع شبكة كبيرة من الأفراد والمنظمات الذين من المحتمل أن يكونوا مستهدَفين؛ ونسبة كبيرة من الضحايا المحتملين هم نشطاء حقوقيين وصحفيين ومنشقين من الشرق الأوسط وأماكن أخرى. ويمكن لـ”سيتزن لاب” فحص هواتفهم من وقت لآخر، والبحث عن علامات على وجود برامج ضارة. في بعض الحالات، حتى الفعل غير العادي الذي يشمل نقل البيانات من هاتف ما إلى السحابة هو فعل كافٍ لإثارة الشك في أن الهاتف قد تم اختراقه.

ليست مجموعة “إن إس أو” هي شركة الرقميات الإسرائيلية الوحيدة التي تقلَّص نشاطها نتيجة لأنشطة وفعاليات “سيتزن لاب”. فقد كشف تقرير مشترك أعدّه المعهد و”مركز مايكروسوفت لاستخبارات التهديدات”، أخيراً، عن أفعال شركة “كانديرو” (Candiru)، وهي شركة هجمات رقمية مقرها تل أبيب. فقد استطاع باحثو “سيتزن لاب” الحصول على نسخة من برنامج ضار تنتجه شركة “كانديرو، واسمه “لسان الشيطان” (Devil’s Tongue)، تم تثبيته على حاسوب ناشط سياسي في أوروبا الغربية. وبعد ذلك أفادوا بأنهم “حدّدوا وعرفوا أكثر من 750 موقعاً مرتبطاً بالبنية التحتية لبرامج التجسس التابعة لشركة “كانديرو”، وأضافوا “لقد عثرنا على كثير من المواقع التي تستخدمها كانديرو تتنكّر في صورة منظمات مناصرة، مثل منظمة العفو الدولية وحركة (حياة السود مهمة)”.

من جانب آخر، أفادت شركة “مايكروسوفت” بنجاحها في تحديد موقع “ما لا يقل عن 100 من ضحايا كانديرو في فلسطين وإسرائيل وإيران ولبنان واليمن وإسبانيا والمملكة المتحدة وتركيا وأرمينيا وسنغافورة. ومن بين الضحايا مدافعون عن حقوق الإنسان ومعارضون منشقون وصحافيون ونشطاء وسياسيون”.

إقرأوا أيضاً:

القط والفأر

وهكذا، حقق “سيتزن لاب” عدداً كبيراً من الانتصارات التي تتفاوت مستويات أهميتها، ولكن هل يمكنه كسب الحرب؟ يعتقد ديبرت أنه لكي نفهم كيف وصلنا إلى الوضع الإشكالي الحالي، فمن الضروري التركيز على نموذج الأعمال الأساسي الذي يحكم اليوم الشركات العالمية الكبرى. وبحسب البروفيسور ديبرت، فإن أفضل مَن عبَّر عن وجهة النظر هذه هي شوشانا زوبوف، الأستاذة المتقاعدة في مجال إدارة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال، في كتابها الصادر عام 2019 بعنوان “عصر رأسمالية المراقبة” (The Age of Surveillance Capitalism). فالفكرة الأساسية عند زوبوف هي أنه، بغض النظر عن كيفية تقديم الشركات منتجاتها وخدماتها، هناك في الواقع اهتمام إلى حد كبير بتحقيق هدف وحيد يتمثّل في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عنّا؛ بمعنى أنها تحصد تلك المعلومات حين نستخدم منتجاتها وخدماتها، ثم تبيع تلك المعلومات للمُعلِنين والعملاء التجاريين والحكومات أيضاً.

وقد خلق هذا الوضع، بدوره، فرصة واسعة النطاق لإساءة استخدام البيانات. ويعدّ الربيع العربي مثالاً ممتازاً على ذلك. فقبل عقد واحد فقط، ساعدت شبكات التواصل الاجتماعي معارضي النظام على إشعال نار المقاومة في كثير من الدول العربية. وشاهد الجميع، بدهشة، كيف رضخ لسلطة الشعب طغاةٌ استبدّوا لفترات طويلة. ولكن في الوقت نفسه، زُرعت بذور عمليات مختلفة تماماً (مدمِّرة).

وكتب البروفيسور ديبرت في كتابه “في حين أن معظم وسائل الإعلام الغربية وعالم صناع السياسات كانوا يرسمون مثل هذه (القوة الشعبية والاستنتاجات)، كان المستبدون وهم يشاهدون تطور الأحداث يسألون أنفسهم سؤالاً مختلفاً تماماً، ألا وهو كيف يمكننا منع وقوع شيء من هذا القبيل مرة أخرى؟ لم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأوا هم وأجهزتهم الأمنية في إدراك مدى فائدة اتصال خصومهم وتشبيكهم وتواصلهم عبر الإنترنت، وكم هو مناسب لهم أن يروا مَن هم أصدقاؤهم وأفراد أسرهم، وكم هو سهل تتبع تحركاتهم لرؤية كيفية تخطيطهم وتقدمهم في أثناء تطوره”.

ومع قيام قوى اقتصادية هائلة ببناء “رأسمالية المراقبة”، ووجود أدوات تجسسية معقدة في أيدي أنظمة ظلامية تستغل تلك الأدوات في إسكات المعارضة؛ كيف للقوى الديموقراطية أن تنتصر في هذا الصراع؟ يقول ديبرت إنه وجد في التطورات التي وقعت في الشهور الأخيرة حافزاً ودافعاً.

وقال في تصريح لصحيفة “هآرتس”، “يمكننا أن نرى زخماً يتراكم حول تطبيق القيود على هذا السوق. فعلى سبيل المثال، كان لقيام وزارة التجارة الأميركية بوضع مجموعة (إن إس أو) وشركة (كانديرو) وغيرهما من شركات المراقبة الخاصة على (قائمة الكيانات)، التي حدّدتها هي، تأثير فوري على الجدوى المالية لتلك الشركات. فهذا الإجراء التقييدي البسيط له صدى واسع النطاق في أنحاء العالم، وسيجعل المستثمرين وغيرهم يفكرون مرتين حول الارتباط بشركة لديها مثل هذه العلامة السوداء”.

وتقول إيفا غالبرين، مديرة الأمن السيبراني في “مؤسسة الحدود الإلكترونية”، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل في مجال الحقوق الرقمية ومقرها سان فرانسيسكو؛ وهي شخصية بارزة في المجال، إن من الصعب معرفة موقعنا في “لعبة القط والفأر المستمرة” هذه، لأن التهديدات تتغيّر طوال الوقت. وأضافت أن “أحد الأمور التي أصبحت واضحة هي أن مجرد سد أي ثقوب لا يكفي؛ بل عليك اتخاذ إجراء بشأن السياسات العامة. والمؤسف، على وجه الخصوص، أن كثيراً من هذه الشركات يقع مقرها في إسرائيل، التي لديها القدرة على إيقافها، ولكنها اختارت عدم القيام بذلك”.

كما أن ديبرت أيضاً محبط من الحكومة الإسرائيلية؛ ويغتنم فرصة هذا الحوار لإيصال رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، فيقول إن “شركات برمجيات التجسس التي يقودها مرتزقة تتسبب في أضرار على مستوى عالمي. ونتيجة عدم مراقبتها وردعها، أصبحت في نهاية المطاف تمثّل أزمة كبرى للمجتمع المدني العالمي والديموقراطية الليبرالية نفسها. لذا فجميع الحكومات بحاجة إلى بناء ضمانات قانونية وتنظيمية قوية لمنع هذه الأضرار، بما في ذلك قوانين مراقبة الصادرات التي تضمن عدم قيام الشركات العاملة في إطار ولاياتها القضائية ببيع أدوات المراقبة القوية هذه إلى الحكومات التي ستسيء استخدامها”.

يشعر الصحافي جوزيف مين باضطراب شديد، ويعتقد أننا سنستمر في سماع المزيد من القصص مستقبلاً عن الحروب السيبرانية الهجومية. ويشير إلى أن “مجموعة إن إس أو” هي الطفل المدلل في هذا المجال، لكن “هناك الكثير من المنافسين والكثير من الشركات التي لا نعرف حتى أسماءها”. ويضيف أن هناك قدراً كبيراً من المال الذي ينفق في هذا المجال، والبلدان المهتمة بهذه التكنولوجيا لديها ميزانيات غير محدودة. ويواصل القول إن “الحكومة الإسرائيلية قد تعمل مع السعوديين، أو قد تستفيد من قدرات مجموعة “إن إس أو”. (وقد أفاد تقرير لـ”سيتزن لاب” في تشرين الثاني/ نوفمبر بأنه تم العثور على برنامج “بيغاسوس” الخبيث في هواتف نشطاء حقوقيين فلسطينيين في الضفة الغربية). ومن المؤكد أن وزارة الدفاع الإسرائيلية لها تأثير هائل في هذا الصدد”.

ويشير مين إلى أنه حتى لو منعت الولايات المتحدة هذه الشركات من العمل في إسرائيل، فإنها “ستُنشئ، ببساطة، متجراً في مكان آخر. فهو سهل النقل للغاية”. وعلى هذا النحو، فإنه يحذر من أن إنفاذ هذه الإجراءات يكاد يكون مستحيلاً، “ولا أرى ذلك يحدث”.

وقد تجلَّى هذا بوضوح في ما كشفه “سيتزن لاب”، إذ يتّضح أنه في غياب خطوات دولية لممارسة الحماية أو الرقابة على الصادرات الحكومية، سيواصل مورِّدو برامج التجسس بيع منتجاتهم للعملاء من الحكومات، التي ستسيء استخدامها. وفي غضون ذلك، يأمل ديبرت أن يستمر نموذج “سيتزن لاب” في إلهام الأكاديميين حول العالم، وأن يستمر المجال الجديد، أي مجال البحث متعدد التخصصات في المسؤولية الرقمية، الذي يُشكّل معهده جزءاً منه، في الازدهار والانتشار.

ويقول “إذا ظل سيتزن لاب جزءاً من هذا المجتمع بعد 10 سنوات أو 20 سنة من الآن، سأشعر بمزيد من الفخر بما أنجزته أنا وزملائي حتى الآن”.

ولديه بالفعل جميع الأسباب الممكنة ليفخر بأنشطته.

هذا المقال مترجم عن Haaretz.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني