“ياهو إنت ولك”: حملة التنمّر التي
عزلت مهدي وقتلته… معنوياً

من وقت إلى آخر، تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي صور وأسماء لضحايا حملات التنمر الإلكتروني في العراق، التي تسبب أذية كبيرة تدفع الضحية إلى العزلة الاجتماعية والانهيار النفسي وأحياناً الانتحار.

تلاحق عدسات المتنمرين مهدي صالح (65 سنة) أينما حلّ، بعدما حوّل مقطع مصور من ثوان معدودة، حياته إلى جحيم كما يقول، يعيش وضعاً نفسياً صعباً إثر حفلات الاستهزاء والتنمر المتواصلة، إذ يتداول كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي المقطع للضحك والسخرية والإساءة!

بدأت مأساة مهدي، بعدما صوره شخص ونشر المقطع على مواقع التواصل ليسجل انتشاراً كبيراً، وفي الفيديو يسأل صالح متطفلاً يصوره، طالباً منه التعريف عن نفسه بلهجته الجنوبية: «ياهو إنت ولك»، هذه العبارة قلبت حياة الرجل رأساً على عقب ودفعته إلى العزلة والابتعاد من الناس.

أكثر من 84 في المئة من العراقيين يؤمنون بأن ظاهرة التنمر تمثل مشكلة حقيقية تواجه مجتمعهم.

عزلة مهدي!

صالح فقد معظم أفراد أسرته خلال العقدين الماضيين، يعيش حالياً في محافظة ميسان العراقية، ويواجه التنمر والحياة وحيداً، إذ يعمل حمالاً في بغداد والنجف ويتنقل بين المحافظات ليعيل نفسه مما يجنيه من هذه المهنة الشاقة، التي لجأ إليها بسبب العوز والفقر. بحرقة وحسرة وألم وبكاء لا يتوقف يتحدث قائلاً إن الاعتداء عليه بدأ لفظياً ووصل إلى الضرب والاستهزاء «يضربوني بالطابوق في الشوارع ولا أعرف الأسباب» يقول مهدي وهو يجهش بالبكاء، ويضيف: «في مقبرة النجف كنت أزور قبور أفراد أسرتي، صورني أحد الشباب من داخل سيارته وكنت لا أراه بسبب ضعف بصري، وقلت له: يا هو إنت ولك».

تلك العبارة التي كان يسأل بها مهدي شخصاً استوقفه عند جسر النجف وانتهك خصوصيته، عن هويته، كانت كفيلة بأن تدمر الشاب نفسياً، وتلزمه العزلة في بيت أحد معارفه، هرباً من المضايقات اليومية التي لا تتوقف. عاد مهدي من المقبرة وكل من يشاهده يقول له «ولك إنت ياهو» مع الكثير من الضحك والسخرية.

ما حجم الظاهرة؟

لا إحصاءات رسمية عن عدد ضحايا التنمر في العراق، غير أن مراكز الأبحاث والدراسات تؤشر على تنامي ظاهرة التنمر اللفظي والجسدي بشكل مقلق، إذ تبلغ في بعض المحافظات أكثر من 15 في المئة وفي مدن أخرى تتجاوز 25 في المئة، ويمنع الخجل والأعراف الاجتماعية، كثيرين من الإبلاغ عما يتعرضون له، وإذا ما أخذنا ذلك في الاعتبار فإن النسبة قد تقفز إلى أعلى من ذلك بكثير، في المقابل تشير بعض البحوث إلى أن أكثر من 84 في المئة من العراقيين يؤمنون بأن الظاهرة تمثل مشكلة حقيقية تواجه مجتمعهم، إذ يتعرض نساء وأطفال كثر يومياً للتنمر حتى في مؤسسات الدولة والمدارس والجامعات، وفي المجتمع كله، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتعليم الإلكتروني، بل حتى داخل الأسرة.

إقرأوا أيضاً:

أشكال التنمر الإلكتروني

تتنوع أشكال التنمر الإلكتروني بدءاً من تعليقات غير لائقة أو مهينة على صورة خاصة، أو مقطع مصور منشور على الإنترنت ويتم تداوله بين أوساط المجتمع بدافع السخرية، أو التطفل على خصوصيات الآخرين من خلال تصويرهم من دون علمهم ونشر المقاطع، أو التلاعب في صور وتعديلها لتبدو حقيقية من أجل الإساءة إليهم، التنمر في العراق امتد حتى إلى من يعمل في السياسة، إذ بات سلاحاً من السهل اللجوء إليه لمن يعارض أو يختلف مع شخص آخر بالرأي.

وأيًّا كانت أشكاله فإن التنمر يعد إهانة للكرامة الإنسانية على أسس تمييزية، وقد تحولت صفحات التواصل الاجتماعي في العراق إلى ساحة لتوجيه الإساءات العدوانية إلى ذوي الحاجات الخاصة أو الذين يعانون من مرض أو نقص ما.

قانونياً لا يزال العراق بحاجة إلى تحديث مدونته العقابية والتي تفتقر إلى توصيف الكثير من الجرائم التي انتشرت حديثاً، إذ يعتمد القانونيون في مرات كثيرة على الاجتهاد الشخصي في التعامل مع التنمر الإلكتروني في اعتباره يندرج ضمن قانون العقوبات العراقي الذي صدر عام 1969، حيث تندرج جريمة التنمر تارة ضمن جرائم القذف والسب وطوراً ضمن جرائم النشر، لكن واقع  الحال يفرض ضرورة ملحة، هي تعديل القانون أو إضافة مواد تحد من التنمر الإلكتروني، الظاهرة التي أخذت تتضاعف في العراق، من دون رادع، وأحدثت تأثيرات بالغة، لا يمكن تجاوزها بسهولة في المجتمع.

من وقت إلى آخر، تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي صور وأسماء لضحايا حملات التنمر الإلكتروني في العراق، التي تسبب أذية كبيرة تدفع الضحية إلى العزلة الاجتماعية والانهيار النفسي وأحياناً الانتحار. وحكاية مهدي واحدة من تلك المآسي الصامتة في المجتمع العراقي، فالضاحكون من صورة خاصة أو فيديو لشخص ما، لا يخطر في بالهم أن تلك الضحكات بالفعل قاتلة…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني