fbpx

بين الولايات المتّحدة وإيران… اقتصاد لبنان ينأى بنفسه؟

في العادة، يكون النأي بالنفس في السياسة أسهل منه في الاقتصاد، إذ إن الضريبة التي قد يدفعها لبنان جرّاء الصدام بين دول داعمة له، ستكون باهظة الأكلاف، فلبنان لطالما كان الحلقة الأضعف في المعادلات الدولية. والنأي بالنفس سياسياً لا يحقّق دائماً الفائدة المرجوّة، وإغضاب أميركا وحلفائها هذه المرّة قد تكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الاقتصاد المحلي...

كثيرة هي المحاولات والمساعي لإبعاد لبنان من التجاذبات الإقليمية، إلا أن الاستحقاقات الدولية غالباً ما تبقيه على خط التوتر…

في العادة، يكون النأي بالنفس في السياسة أسهل منه في الاقتصاد، إذ إن الضريبة التي قد يدفعها لبنان جرّاء الصدام بين دول داعمة له، ستكون باهظة الأكلاف، فلبنان لطالما كان الحلقة الأضعف في المعادلات الدولية. والنأي بالنفس سياسياً لا يحقق دائماً الفائدة المرجوّة، وإغضاب أميركا وحلفائها هذه المرّة قد تكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الاقتصاد المحلي…

أعادت الإدارة الأميركية، فرض عقوبات اقتصادية من طرف واحد على الجمهورية الإسلامية، كانت رُفعت إثر توقيع الاتفاق النووي بين طهران والدول الست. السبب في عودة العقوبات كان التجارب الإيرانية على الصواريخ الباليستية التي أدّت إلى الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني لتستعيد واشنطن الحجّة القانونية التي تلزمها بفرض عقوبات على إيران وتحقيق غايتها بلجم نفوذ إيران في المنطقة، من خلال استهداف المعاملات المالية وموارد الدولة الأولية، إضافة إلى قدرة الجمهورية الإسلامية على شراء الدولار، وصناعات رئيسية تشمل السيارات والسجاد والمواد الغذائية المصنّعة وبرامج الكمبيوتر، إلى جانب تجارة الذهب والمعادن، والفحم… العقوبات الأميركية غير الدولية، دفعت بنحو 100 شركة عالمية إلى مغادرة السوق الإيرانية. ومن المرتقب أن تكون المرحلة الثانية من العقوبات التي سيبدأ تنفيذها في 5 تشرين الثاني/ أكتوبر المقبل، أشد تأثيراً، إذ تضغط الولايات المتحدة على سائر دول العالم للتوقّف عن شراء النفط الإيراني، على رغم تأكيد دول عدّة كالصين والهند وتركيا أنها غير مستعدّة لتلبية هذا الطلب الأميركي كلياً.

لبنانياً، يجمع المتابعون على أن المدخل الأساسي لأي تأثير في العلاقة الأميركية- اللبنانية، يبقى أسماء اللبنانيين المدرجة على لائحة العقوبات، بما أن أميركا تعتبر أن إيران و”حزب الله” جسم واحد، وبالتالي فإن الخطر على لبنان يبقى في أسماء هؤلاء الأشخاص. وبالدرجة الأولى يكون التأثير في لبنان، من خلال تأخير العمليات الاقتصادية والمصرفية، هذا ويمكن أن يشهد القطاع المالي تأثيراً لناحية تحويلات المغتربين من أميركا وحلفائها إلى ذويهم في لبنان.

“لم تتطوّر “العلاقات الاقتصادية اللبنانية – الإيرانية على نحو ملموس بين 2015- 2018، أي منذ الاتفاق النووي مع إيران، إنما استمرت العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية ضعيفة بشكل لافت”

ويرى عضو “جمعيّة مصارف لبنان” جورج أبو صالح أن “العلاقة المالية لم تتغيّر بين لبنان وإيران عمّا كانت عليه خلال فترة ما قبل رفع الحظر الدولي عن الجمهورية الإسلامية، وبالتالي فإن المصارف اللبنانية لم تتعامل قطّ مع إيران بسبب العقوبات المالية التي كانت مفروضة عليها. وبما أن النظام المصرفي اللبناني يطبّق الأعراف المتّفق عليها دولياً، فليس هنالك أي علاقة مالية أو مصرفية تربط لبنان بإيران لذلك ليس هناك أي انعكاس على لبنان جرّاء هذه العقوبات”.

عندما وقّعت الولايات المُتحدة الأميركية الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، ورُفعت كل العقوبات الدولية أقلّه قانونياً عن إيران، وترافق ذلك مع آفاق جديدة رُسمت مع عودة إيران إلى المجتمع الدولي، ما دفع بوفد من رجال أعمال لبنانيين إلى زيارة إيران للبحث مع المسؤولين الإيرانيين في أطر تعاون استثماري وتجاري، تمثل بوضع خطط للاستثمارات اللبنانية في إيران، والاستثمارات الإيرانية في لبنان، إضافة إلى التبادل التجاري بين البلدين، والاستفادة من الخبرات الإيرانية في مجال الكهرباء وغيرها من القطاعات الصناعية. غير أن هذه المبادرة بقيت فردية ولم تنتقل إلى المصارف اللبنانية التي فضّلت التريّث والترقّب حتى موعد رفع العقوبات بشكل تام عن النظام المالي الإيراني”، لأن العقوبات بقيت قائمة على النظام المالي العالمي تجاه الجمهورية الإسلامية.

إقرأ أيضاً: كيف ستنعكس العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني؟

إذاً، لم تتطوّر “العلاقات الاقتصادية اللبنانية-الإيرانية على نحو ملموس بين 2015- 2018، أي منذ الاتفاق النووي مع إيران، إنما استمرت العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية ضعيفة بشكل لافت. هذا وتشير معظم الدراسات الاقتصادية إلى غياب شبه تام للعلاقات الاقتصادية، إذ إن التبادل التجاري بين البلدين لم يتجاوز سقف 250 مليون دولار خلال الأعوام الستة الممتدة بين 2013 و2018.

وبحسب الأرقام الصادرة عن Economina ، فإن حجم الصادرات اللبنانية إلى إيران بلغ نحو 4 ملايين دولار فقط عام 2013، و3 ملايين عام 2014، ليصل إلى نحو 11 مليون دولار عام 2015، ويبلغ ذروته عام 2016 بقيمة ناهزت 17 مليون دولار، قبل أن يعود ويتراجع إلى 15 مليون دولار عام 2017، أما في النصف الأول من العام الجاري فلم تتخطّ قيمة الصادرات إلى إيران 3 ملايين دولار.

في المقابل، فإن الصادرات اللبنانية إلى الولايات المتحدة الأميركية بلغت خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 32 مليون دولار، أي أن معدّل قيمة الواردات بين الفترة الممتدة من عام 2013 لغاية اليوم، يبلغ ما يقارب 70 مليون دولار.

أما الواردات إلى لبنان من الولايات المتحدة فهي بمعدّل مليار ونصف دولار في الفترة عينها، فيما الواردات الإيرانية إلى لبنان لم تتعدّ 60 مليون دولار .

تبيّن الأرقام الصادرة عن وزارة السياحة اللبنانية أن عدد السياح الإيرانيين إلى لبنان لم يتخطّ 20 ألف زائر سنوياً، خلال السنوات الخمس الماضية.

لكن، على عكس الأرقام والمؤشرات، وعلى رغم أن العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية اللبنانية-الإيرانية لم تتطوّر منذ الاتفاق ​النووي​، تقول أوساط مصرفية: “لقد أصبحنا على شفير الانهيار وما يؤكّد حصول هذا السيناريو عاجلاً أم آجلاً، هو تعميم مصرف لبنان الأخير حول “دولرة” القروض المصرفية المدعومة بالليرة اللبنانية وإعادة جدولتها. وما هذه الخطوة إلا لحماية المصارف من أزمة باتت محتّمة. ويعود السبب في ذلك إلى غياب جزء كبير من الاستثمارات الإيرانية المخصّصة لبيروت في الأعوام القليلة الماضية”.

وتضيف الأوساط: “من المعروف أن إيران لطالما استثمرت في لبنان وسوريا واليمن، لكنها في السنوات الثلاث الأخيرة، قلّصت من استثماراتها في لبنان اقتصادياً. ليس هناك من أرقام مؤكدة، ولكن الترجيحات تشير إلى أن إيران تستثمر ما يقارب 7 مليارات دولار سنوياً في سوريا وهذه المبالغ قد خسرها لبنان. لذا فإن حجم التداول بالدولار قد تأثر سلباً منذ ما قبل العقوبات الأميركية، وهذا الأمر قد أثّر على الليرة اللبنانية”.

غالباً ما يكون السكوت علامة رضا عن موقف معيّن، إلا أنه في حالة لبنان هذه يشكّل علامة رضوخ سياسي واستراتيجي لواقع مفروض من “الأقوى”. ربما كان من الأفضل للبنان ألا تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران، وإن اتّسمت علاقته معها بالخجل، ولكن الأكيد أن لبنان سيكون من الدول المتأثرة من انهيار إيران وان كان ذلك بنسب متفاوتة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
قال مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة الاميركية إن تحقيقاً بشأن ارتكابات الشركة قد تأجل خوفاً من إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وعندما فشلت محاولات إقناع الإمارات بالعمل بمفردها ضد “كالوتي”، جرى تعليق التحقيق.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني