عودة “داعش”:
هل تجد بيئة حاضنة مجدداً في العراق؟

استراتيجية تنظيم "داعش" في الوقت الحاضر اختلفت عن السابق إذ لا يبدو أن التنظيم قادر على الإمساك بالأرض او السيطرة على المدن، بل هو يعمل على تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الأمنية والقرى والأرياف.

زادت في الفترة الأخيرة هجمات تنظيم “داعش” في مناطق شمال وشمال شرقي العراق، وهي مناطق لم تشهد استقراراً أمنياً منذ معارك التحرير، إذ يتخذ التنظيم الإرهابي من تلك المناطق الجبلية والوعرة والمفتوحة، مكاناً للانطلاق نحو أهدافه المحددة. وتستخدم القوات الأمنية العراقية، لغرض مطاردة عناصره، الغطاء الجوي، وعادة ما يتم استخدام عنصر المباغتة عبر معلومة استخبارية يتم الحصول عليها من خلال الاعترافات التي تنتزع من بعض القيادات او الأشخاص المتعاونين مع التنظيم.

هذه المعارك المتقطعة بدأت تشكل انعكاساً سلبياً على قاطني مناطق العظيم وغيرها القريبة من جبال حمرين وحتى الحدودية مع إيران والقريبة من سنجار وتلعفر، إذ يصفها الاهالي بـ”المكان العسكري غير المشجع على الاستقرار والعودة إلى الحياة الطبيعية”.

استيقظ عبد الله داود الخفاجي فجراً على نبأ مقتل ابنه الوحيد في منطقة العظيم، بعدما كان يحدثه قبل ساعات قليلة شاكياً له ضعف بصره وحاجته إليه، إلا ان عبد الله، الجندي في الجيش العراقي، كان يشعر على ما يبدو بدنو أجله، خصوصاً مع وجوده في منطقة يعرف خطرها جيداً. يقول والده انه سمع في صوته شيئاً من اليأس ومن التنبؤ بقرب الأجل. عبدالله الخفاجي كان واحداً من بين 11 جندياً قتلهم عناصر “داعش” في هجوم حاولوا صده لساعتين، ولم يحصلوا على أي دعم بري او جوي.

يبدو الخوف واضحاً على وجوه المواطنين في المناطق القريبة من مكان الهجوم، وقد عادت إلى الأذهان صور احتلال التنظيم ثلاث محافظات عام 2014، ما اضطر آلاف العراقيين إلى النزوح نحو أماكن يجدونها أكثر أماناً. 

زادت في الفترة الأخيرة هجمات تنظيم “داعش” في مناطق شمال وشمال شرقي العراق، وهي مناطق لم تشهد استقراراً أمنياً منذ معارك التحرير.

محمد عبد الله من سكان العظيم يرى أن المنطقة ومحيطها لم يشهدا أي نوع من الاستقرار منذ هزيمة “داعش”، وأصبح المكان أشبه بساحة معركة دائمة، مع حدوث هجمات متكررة ضد الجيش أو استهداف القرى وقتل سكانها ما دفع بالأهالي إلى حمل السلاح والتناوب على حراسة بيوتهم وبساتينهم وقراهم. لكن العبدالله سوف يشدّ الرحال إلى النزوح إذا استمر الأمر على ما هو عليه. 

عبد الله سلمان يرى أن القوات الأمنية الموجودة في المنطقة غير كافية من حيث العدد فضلاً عن عدم قيام عناصرها بدوريات تمشيط للمنطقة بشكل مستمر، وهو أمر لا يطمئن  سكان المناطق التي تشهد تعرض القوى الأمنية للاستهداف، فيما تعجز عن الردّ او الردع. 

أستاذ العلوم السياسية نجم طارش يشير إلى أن استراتيجية تنظيم “داعش” في الوقت الحاضر اختلفت عن السابق إذ لا يبدو أن التنظيم قادر على الإمساك بالأرض او السيطرة على المدن، بل هو يعمل على تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الأمنية والقرى والأرياف، حيث يعتاش الأهالي من الزراعة وتربية المواشي، وهذه الهجمات كافية لإشعار الجميع بالخوف وعدم الاستقرار. 

يرجّح طارش أن يعود سيناريو 2014 أي مشاهد النزوح إذا لم تجد القوى الأمنية حلولاً فعلية لهجمات التنظيم، وكذلك “محاربة الشائعات التي بدأت تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تحاول إثارة النعرات الطائفية أو خلخلة الوضع الأمني”. ويحمل طارش الخسائر إلى الفساد الذي ينخر القطاعات العسكرية، من خلال “بيع” بعض المناصب أو منح إجازات استراحة للجنود مقابل الأموال، ووصل الأمر ببعض القطاعات بحسب الطارش إلى بيع كميات الوقود والاطعمة الشحيحة المخصصة للجنود، الذين يعانون الأمرّين في مناطق الاشتباك مع “داعش”.

إقرأوا أيضاً:

رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي دعا في تغريدة إلى تسليح العشائر وسكان المناطق وتدريبهم، لصد هجمات “داعش” وملاحقة عناصره الفارين.

في المقابل، يجد الباحث نجم القصاب أن عودة سيناريو 2014 صعب جداً، نتيجة ما عاناه أبناء المناطق المحتلة من التنظيم وتجاربهم القاسية مع فترة حكمه المتشدد، وبالتالي لن يكون هناك بيئة آمنة للتنظيم في هذه المناطق، ويضع الهجمات الأخيرة في خانة “الخروق الأمنية التي قد تحدث حتى في أكثر الدول المستقرة أمنياً”.

رئيس “مركز بغداد للدراسات” مناف الموسوي يرى أن هذه الخروق تخدم سردية بعض الفصائل المسلحة التي تستخدمها للقول بضرورة وجودها لردع “داعش”، وذلك لتعويض الخسائر التي منيت بها في الانتخابات، فيما يدفع المواطن وحده الفاتورة.

الخبير الأمني فاضل أبو رغيف يلفت إلى أن أحداث محافظة ديالى تشتدعي إعادة النظر بالخطط الأمنية والاستخبارية والميدانية فضلاً عن نصب كاميرات حرارية، مشيراً إلى أن الهجمات التي شنها “داعش” ما بين عبوة ناسفة وسيارة مفخخة تجاوز عددها الـ1000 خلال العام الماضي 2021.

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع صوتية لأشخاص يدعون أنهم حصلوا على معلومات مؤكدة حول عودة قوة التنظيم بشكل أكبر وأنه سيشن هجمات أخرى على مناطق القيروان وسنجار والعظيم وغيرها من القرى.

هذه الصوتيات التي تم تناقلها أثارت الهلع في صفوف القوات الأمنية والمواطنين، واضطرت  وزير الدفاع العراقي جمعة عناد إلى الخروج بكلمة صوتية تفند المعلومات المتناقلة، واصفاً إياها بـ”الحرب النفسية”، مؤكداً أن قدرات تنظيم “داعش” الحالية لا تقارن بعام 2014، عازياً حادثة العظيم إلى تقصير أمني سيتم العمل على علاجه.

أكد عناد في بيانه الصوتي أن الخلايا النائمة لتنظيم “داعش” قليلة ومن دون تسليح وما يملكونه حقاً لا يتجاوز بندقية الرشاش والقناص وأن الحدود العراقية مع سوريا ممسوكة من قبل القوات الامنية.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني