الإعلام اللبناني… آخر دواء للبقاء تسليع الناس

تمثيل المظاهر الاجتماعية الغائبة من الأفلام والمسلسلات في البرامج التلفزيونية اللبنانية، ليس سوى ابتزاز لمتعطشي الشهرة من أقليات الهويات الاجتماعية وتعميماً للآخرين المنتمين للهويات ذاتها.

قدمت شركة Lucky Strike، في عشرينات القرن الماضي، “سجائر للنساء” لإضافتهن إلى فئتها المستهدفة، مستغلة الحركة النسوية التي انتشرت آنذاك في الولايات المتحدة. معتبرة تدخين المرأة أولى خطوات المساواة بين الجنسين بهدف زيادة مبيعاتها بنسبة 300 في المئة.

هذه الظاهرة امتدت وتشعبت في صلب استراتيجيات التسويق لجهة إدماج قضايا محقة في سياق الترويج لسلعة أو فكرة أو برنامج. 

يمكن بسهولة لمس هذه المقاربة في مروحة واسعة من برامج الحوار التلفزيوني اللبناني، لا سيما تلك المصنفة ثقافية أو اجتماعية. يزداد التحدي الذي يواجه استراتيجيات التسويق كون التلفزيون اللبناني يواجه أزمة محلية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وأخرى عالمية، ناتجة عن استبدال العلاقة مع البرامج التلفزيونية بتطبيقات البث المباشر فيضطر العاملون في إدارته إلى خلق توازن بين التقشف بدفع أجرة الضيوف من جهة وتقديم محتوى يجذب جمهور “الأونلاين” من جهة أخرى. 

برامج التلفزيون تعتمد على نسب المشاهدة، لتحديد سعر الإعلان، ما يفرض معادلة تسعير العمل الإعلامي. وينتج عن هذا التسليع استغاثة التلفزيونات بصغار “المشاهير” الذين شقوا طريق شهرتهم المتواضع عبر إثارة الجدل على مواقع التواصل. الجدل يضمن المشاهدات التي بدورها تضمن ارتفاع أسعار الإعلان. هكذا، تظهر برامج وتستمر أخرى كالفطريات مثل برنامج تمام بليق على قناة “الجديد”.

الشخصيات التي تتم استضافتها تشبه كثيراً محيطين بنا: نساء مطلقات أو خلعن الحجاب ورجال يرقصون و”حجات” يستخدمن مواقع التواصل للتعبير عن آرائهن… المفارقة الوحيدة هي طرحهم أنفسهم على مواقع التواصل في حقبة يمسي خلالها ما لا يعرض معدوماً، لتكون العلاقة بين العرض والقيمة مادية. يعرضون على شاشة التلفزيون كما يعرضون أنفسهم على مواقع التواصل: رأسمال مرئي يغني عن ديكور الاستوديو، لإضفاء عنصر الدهشة بأزيائهم غير الاعتيادية وينقذ ميزانية المحطة. كما تمسي بعض الشخصيات بشكلها الاعتيادي عنواناً جاذباً للجمهور وقادراً على التأثير فيهم.

ومن الأمثلة، برنامج رابعة الزيات “فوق الـ18” الذي يستقبل مؤثرين محليين يضعهم بمواجهة بعضهم بعضاً، ليقرروا من يستحق النجومية في ما بينهم تحت ذريعة “تمثيل شريحة من المجتمع”. 

تسلع هذه الشخصيات بالأجر الذي تتلقاه وفق ما تجرؤ على قوله وفعله وإعطائه من سكوبات. كما يمكن أن يسلع فناً لإدراجه تحت “غرائب المجتمع اللبناني” كإطلالة ملكة الجر زياد سبلاني، المعروف/ة بكوكب زحل، مع مالك مكتبي في “أحمر بالخط العريض” حيث تجاهل الإعلامي الفن المقدم ليطرح “أسئلة جدلية” عن تعريف زياد عن نفسه وعمله وجسده بهدف تقديم مادة دسمة جذابة لعموم الناس. ليرد زياد على حسابه الانستغرامي بعد عرض الحلقة: “حزت شهادتين وقدمت أكثر من مئة عرض من مسرح اعادة التمثيل وتسعين عرضاً كملكة جر وعملت مع فايس منذ 2019 فضلاً عن الجوائز والورشات التدريبية التي شاركت بها كي أُسأَل في برنامج عرض لـ14 موسماً، عما إذا كنت أقضي حاجتي في مرحاض الاناث أو الذكور”.

هكذا، تتحول هذه الشخصيات الاعتيادية في حياتنا اليومية إلى شخصيات مبتكرة في مسرحية تلفزيونية تستبعد الحقيقة من أحداثها مسخفة أهمية الاختلاف ووزنه. صانعة من صراعات المختلفين عن العادات والتقاليد محتوى لمجتمع افتراضي تطور إدارة المحطة شروط انتساب الجمهور إليه كقناة المنار التي تضع برنامجها الإعلامي وفق ما يستقطب البيئة الشيعية المحافظة بمظاهر عدة كاختيار النساء المحجبات حصراً مذيعات للبرامج. تكتسب الوسيلة الإعلامية امتياز صنع عالم مصغر عبر ممارستها السلطة من موقع قيادي باعتبارها محددة المحتوى الإعلامي. تملي على الناس أفكارها ليعتنقوها متجنبة أخذ دور استعلائي عبر محاولات فاشلة بإظهار وتمثيل الواقع، أو على الأقل الجزء المثير للجدل منه. 

إقرأوا أيضاً:

تتداخل الحياة اليومية مع ” الدراما الإعلامية” لينازع المشهد الواقع ويذوب التفريق بين ما هو ممثل وما هو منقول أي ما أضيف بغية إنتاج الحبكة وما حصل فعلاً. يتساوى المشهد بالواقع ليشمل حقيقة غير موجودة. وحين يعتمد الجمهور على التلفزيون كي يتعلم ما فاته من الواقع، يعيش واقعاً مزيفا تتعلب فيه جميع شخصيات حياته، التي ” يظهرها” التلفزيون بصناديق تسمى بما تمليه عليها المحطة عبر المذيع الذي ينقل نظرة الاستعلاء تجاه هذه الشخصيات إلى المشاهد. تشكل الإذاعة التلفزيونية المشاعر تجاه ضيوفها وتجزئ الأنشطة التي تمارسها ،”الشخصيات الجدلية” فتبنى نظرة خاطئة لما يدور في العالم الحقيقي. 

هيكلية البرنامج وضعت لتوهم المتلقي بأن الوسيلة الإعلامية تمارس دورها بتشكيل الثقافة وبث القيم وربط العدد الأكبر من المشاهدين المعلنين. لكن الحقيقة هي أن قطف مشاعر الضيوف لإنتاج الـscoop الذي بات هدفاً، وعجنها تحت وطأة انتهاك الخصوصية ليعجزوا عن السيطرة على تقديم أنفسهم أو حجب معلومات عنهم يسقط من العمل الإعلامي ليتماثل مع إعلان الدخان بحشر مشاعر الضيوف داخل وهج الشاشة. تطوقهم كاللفافة، تحرق كل خميس على مرأى من المشاهدين وتؤرشف ليتناقلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي مخلفة وراءها دخاناً يملأ الهواء الإعلامي. اليوم، بعد مضي أكثر من مئة عام على الإعلان، تستمر هذه الظاهرة القائمة على انتشال الناس والتسلق على معاركهم بغية تقديم محتوى يظن أنه قريب منهم لنقله صراعاتهم لكنه بالحقيقة يرمي إلى تكديس الأرباح كسائر المؤسسات التي تنتج سلعاً.

هذه البرامج تفشل بإنتاج محتوى أو نقل واقع أو رسم بسمة غير خبيثة على وجوه المشاهدين. تفشل بإحداث تغيير إيجابي أو تمثيل هذه الأقليات أو كسر تابوهات. 

هي تحول المادة الإعلامية إلى مادة إعلانية كإعلان الدخان، تقتات على إدمان المتلقين مشاعرهم الرافضة للآخر، خالقة تبريراً لهذا الرفض عبر وضع أشخاص مختلقين تحت ضغط الأضواء، ليفقدوا السيطرة على أنفسهم منتجين scoop لا يضاهى، وتحفيزاً نفسياً لدى المشاهد لإخفاقه بتنبؤ الأحداث المقبلة وافتقاده للصلة بالعالم الحقيقي إثر ثقته بالواقع الافتراضي أكثر من ثقته بالعالم الملموس. 

استغلال شركة السجائر للنضال النسوي للترويج للدخان أسفر عنه تمثيل النساء بالإعلانات وتطبيع التدخين لكن تمثيل المظاهر الاجتماعية الغائبة من الأفلام والمسلسلات في البرامج التلفزيونية اللبنانية، ليس سوى ابتزاز لمتعطشي الشهرة من أقليات الهويات الاجتماعية وتعميماً للآخرين المنتمين للهويات ذاتها، في سبيل تكديس أرباح الإعلانات واستمرار رواج المحطة التلفزيونية بين محطات تلفزيونية لبنانية وعربية أخرى، وربما، زيادة قدرتها التنافسية. 

تثبت هذه المحطات التلفزيونية قول رجل الأعمال الأميركي دايفيد سارنوف، “المنافسة تؤدي إلى أفضل المنتجات وأسوأ الأشخاص”. مما يستدعي أن نعيد ترتيب أولوياتنا كمجتمعات تتوهم “الثقافة” من هذه البرامج ونطرح أسئلة تتعلق بما نبتغيه من الإعلام: هل نريد صنع منتج أو بناء إنسان؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني