العملة تفقد ربع قيمتها والأفغانيون يواجهون الجوع

"عندما يرى كبار رجال الأعمال الباكستانيون أن عملتهم تنخفض، فإنهم يحاولون شراء الدولار؛ وفي أفغانستان، لا توجد قواعد. إنهم يشترون من أفغانستان ويهربون الدولارات إلى باكستان".

فقدت العملة الأفغانية نحو ربع قيمتها منذ استيلاء “طالبان” على السلطة، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي رمت بملايين الأشخاص، في دولة تعتمد على الاستيراد، في مواجهة المجاعة.

انخفض سعر العملة الأفغانية إلى 105 أفغانيات مقابل الدولار الواحد، بعدما كانت 80 أفغانياً قبل عودة الجماعة الإسلامية المتشددة في آب/ أغسطس، ما يجعلها من بين أسوأ العملات أداءً في العالم خلال الأشهر الستة الماضية. وتأتي في المرتبة الثانية بعد تركيا، حيث تضررت الليرة بسبب سياسات رجب أردوغان الاقتصادية غير التقليدية.

في أفغانستان، أدى انسحاب الولايات المتحدة والقوى المتحالفة معها إلى قطع التمويل الذي شكَّل 80 في المئة من ميزانية الحكومة، وتجميد أكثر من 9 مليارات دولار من احتياطيات البنك المركزي، وفرض عقوبات أصابت النظام المالي بالشلل. ومن ثمَّ، لم تتمكن المصارف من العمل كما يجب، ولم تُدفَع رواتب العاملين في القطاع العام مثل الأطباء والمعلمين.

أدى ضعف “الأفغاني”، العملة المحلية، إلى إذكاء ما تعتبره وكالات الإغاثة الدولية أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ما رفع أسعار السلع الأساسية إلى قيمة تتجاوز  إمكانات الأفغان اليائسين. وقد تسبب الشتاء القارس في تفاقم أزمة الغذاء، لذا يواجه أكثر من نصف السكان انعدام الأمن الغذائي.

محمد فريد، بائع فواكه مجعد الشعر في كابول، يحقق مبيعات قليلة جداً لدرجة أن عمله المتواضع يخسر. وبدأت معروضاته من التفاح الذهبي والأحمر تفسد ببطء، إذ لم يبع شيئاً منذ أيام.

وقال: “أفغانستان تعيش فوضى”، مضيفاً أنه كان يمكن أن تكون نهاية الصراع نهاية سعيدة لولا الانهيار الاقتصادي؛ “لقد أردت أن ينتهي الصراع بطريقة مختلفة، تؤمن لنا عملاً ودخلاً”.

خلال 20 عاماً من احتلال الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي منذ عام 2001، أصبح الاقتصاد الأفغاني معتمداً على المساعدات الخارجية والدولار. وكان الدولار ينقل جواً إلى البلاد، واستطاع بنك “دا أفغانستان”- البنك المركزي- إجراء مزادات منتظمة لدعم الأفغاني.

تعني العقوبات الاقتصادية أن الأفغان والشركات والمؤسسات العامة معزولون عن المدخرات والعملاء في الخارج والمانحين الدوليين، ما يفاقم ما يتوقعه صندوق النقد الدولي من انكماش اقتصادي بنسبة 30 في المئة.

وكانت أعلنت الأمم المتحدة والولايات المتحدة عن إعفاءات للسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد، لكن المنتقدين يرون أن العقوبات تأتي على عامة الأفغان وليس على “طالبان” تحديداً.

من جهة أخرى، رأى غرايم سميث، كبير المستشارين في “مجموعة الأزمات الدولية”، وهي مؤسسة فكرية، إن “الاختناق الاقتصادي الذي يفرضه الغرب هو الذي يخلق الحاجة إلى المساعدة الإنسانية. ووجود بنك مركزي هو متطلب أساسي لاقتصاد الدولة الحديث. أسهل شيء هو السماح لبنك دا أفغانستان بتأدية مهماته”.

قال شاه محرابي، أستاذ الاقتصاد في كلية مونتغمري بولاية ماريلاند، وعضو مجلس إدارة بنك “دا أفغانستان”، إن الولايات المتحدة يجب أن تسمح بتحويلات تبلغ نحو 150 مليون دولار شهرياً للسماح للبنك المركزي باستئناف مزادات العملة وتحقيق استقرار الأسعار؛ وتابع قائلاً: “لماذا لا نسمح لهذه العملية بتأسيس درجة معينة من الثقة في بنك دا أفغانستان، وهي مؤسسة استثمرنا فيها طيلة 20 عاماً؟ لماذا يصرون على المضي قدماً وتفكيك هذه المؤسسة؟”.

إقرأوا أيضاً:

تجد تجار العملات في كل مكان في كابول، يقتربون من إشارات المرور أو يتكدسون في الأسواق. وقال عدد منهم إن الدولارات تُهرّب من البلاد إلى باكستان، التي تضررت أيضاً من انخفاض حاد في قيمة العملة.

قال محمد ميرزاي (تاجر، 22 سنة) “عندما يرى كبار رجال الأعمال الباكستانيون أن عملتهم تنخفض، فإنهم يحاولون شراء الدولار؛ وفي أفغانستان، لا توجد قواعد. إنهم يشترون من أفغانستان ويهربون الدولارات إلى باكستان”.

قال محللون إن الأفغاني ربما يكون قد تدهور أكثر بالنظر إلى حجم الأزمة، لكن صعوبة الوصول إلى المدخرات عززت الطلب على السيولة.

في هذا السياق، أوضح تشارلي روبرتسون، الاقتصادي المقيم في لندن في “رينيسانس كابيتال”، وهو بنك استثماري، أنه في حالات أخرى من الانهيار الاقتصادي -مثل دول الاتحاد السوفييتي السابق أو زيمبابوي- لجأت البنوك المركزية إلى طباعة النقود لدفع فواتيرها.

لكن بنك “دا أفغانستان” اعتمد على الشركات الأجنبية لطباعة الفواتير، ويفتقر للتسهيلات اللازمة ليدير هذه العملية بنفسه. وتابع روبرتسون: “بالنسبة إلى دولة في وضع أفغانستان، من المدهش فعلاً أن يكون التراجع صغيراً للغاية”.

في حين أن الانهيار المحدود نسبياً للعملة قد ساعد في منع التضخم المفرط، فإن ارتفاع الأسعار لا يزال يجعل المواد الغذائية الحيوية باهظة الثمن، ما يزيد من خطر انتشار الجوع على نطاق واسع.

اشتكى حميد الله إبراهيم (تاجر عملة يبلغ من العمر 61 سنة) من ارتفاع أسعار الطحين والنفط بشكل حاد، وقال: “تدهور كل شيء”.

شارك في التغطية فضل من الله قزيزاي من كابول.

هذا المقال مترجم ft.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني