fbpx

المتحرّشون في شوارع القاهرة… ومناهضوهم في السجون

حاولت الفتاة معصوبة الرأس مراوغة الصبية بعد ما نالها منهم من تحرّش وهجوم لفظي ونظرات مزعجة تلاحقها. تسلّلت بخفّة شديدة إلى مترو الأنفاق القريب. لعلّها شعرت بانتصار رمزي بعد كبح جماحهم على طريقتها، فيما بقي الثلاثة ينتظرون "فريسة" أخرى... أمّا الحقوقيّون المدافعون عن مثيلاتها فهم إمّا في السجون أو مُسكّتون

“القاهرة أخطر المدن العالمية بالنسبة إلى النساء”

في الثالثة عصراً بتوقيت القاهرة، كان المشهد كالآتي:

3 شبّان لا يتجاوز أكبرهم السادسة عشرة، يطاردون فتاة عشرينية أعلى كوبري قصر النيل، القريب من ميدان التحرير، قلب القاهرة، وسط مشاركة سلبية من الوجوه المطلّة من العربات الخاصة والنقل العام، التي تقلّ موظفي القاهرة إلى منازلهم.

حاولت الفتاة معصوبة الرأس مراوغة الصبية بعد ما نالها منهم تحرّش وهجوم لفظي ونظرات مزعجة تلاحقها. أرادت تحاشي احتمالات أن يتطوّر الأمر إلى ملامسة. تسلّلت بخفّة شديدة إلى مترو الأنفاق القريب. لعلّها شعرت بانتصار رمزي بعد كبح جماحهم على طريقتها، فيما بقي الثلاثة ينتظرون “فريسة” أخرى.

كان هذا في محيط التحرير المدجّج بالمتحرّشين الصغار، أما على بعد 14 كيلومتراً، تمكث الحقوقية أمل فتحي، خلف قضبان سجن طره، جنوب القاهرة، حيث تدفع ثمن انتقادها أداء الحكومة في عدم توفير الحماية لنساء مصر والتقاعس عن ردع المتحرّشين.

أمل فتحي

مرّ شهران على احتجاز أمل، العاملة في مجال حقوق الإنسان منذ سنوات، بدعوى الإساءة لأجهزة الدولة وأحد المصارف التي تحمل اسم مصر، على خلفيّة بثّها فيديو انتقدت فيه البيروقراطية وانتشار التحرّش بشكل فجّ في أماكن مختلفة ومن أشخاص منوط بهم توفير الحماية للنساء.

وخلال الفيديو، روت أمل وقائع تعرّضها للتحرّش اللفظي من قبل سائق التاكسي وشرطي يقضي خدمته في مصرف حكومي، مستخدمة ألفاظاً اعتبرتها السلطات القضائية “نابية ومهينة بحق الدولة”، خصوصاً أنها أخصّت جهاز الشرطة ضمن وصلة سبابها، كون أحد أفراده شارك في عملية التحرش، وهو ما عرّضها لانتقادات، قادتها إلى الاحتجاز بتهمة الإساءة إلى الدولة المصرية.

حالة أمل فتحي تعكس حالة الردّة على حقوق النساء في مصر. صحيح أنه تمّ إقرار تشريعات من شأنها معاقبة من يقدم على التحرّش، كفرض عقوبة الحبس ستة أشهر إضافة إلى الغرامة المالية على كل من يتعرّض للغير في مكان عام أو خاص، إلا أن هذه التشريعات لم تتقدّم كثيراً على مستوى التطبيق الميداني.

وهنا لا تنفصل تجربة أمل عن السياق العام، فما زالت القاهرة تُصنّف كأخطر مدينة على النساء، وفقاً لدراسة نشرتها “مؤسسة تومسون رويترز” عام 2017 عن أوضاع النساء في المدن الكبيرة التي يزيد عدد سكّانها عن عشرة ملايين نسمة، وجاء فيها أن القاهرة أخطر المدن العالمية بالنسبة إلى النساء.

وبحسب الدراسة، لا تستطيع السيّدات العيش في القاهرة من دون مواجهة خطر العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاعتداءات الجنسية والتحرّشات، كما أنهن لسن محميّات من الممارسات التي يمكن أن تكون ضارّة مثل الختان والزواج المبكر أو القسري والإجهاض بسبب جنس الجنين وهو ما يعرف بوأد البنات.

“خفت دور العاملين في ملف العنف الجنسي بعد أن أسندت الحكومة إدارة هذا الملف إلى المجلس القومي للمرأة “الحكومي” وإدارات مكافحة العنف ضد المرأة في وزارة الداخليّة”

الدولة من جانبها لا تعترف بهذه الأرقام، وتتبنّى استراتيجية ثابتة منذ عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، بالتكتّم على السلبيات أمام الرأي العام الدولي، وهو منهجها أيضاً في التعامل مع ملف التحرش كما تقول عزة سليمان، رئيسة “مؤسسة قضايا المرأة المصرية” لـ”درج”.

إذ لا يصحّ أن يتردّد في الإعلام الغربي أن نساء مصر يُغتصبن في الشوارع، كما قالت مايا مرسي رئيسة “المجلس القومي للمرأة”، في معرض تعليقها على دراسة “رويترز”.

الردّة على مكتسبات المرأة المصرية التي رافقت صحوة التيار المدني بعد ثورة 25 يناير، لم تبدأ البارحة، كما يعتقد البعض، فخطوات تأميم ملفّ العنف ضد المرأة بدأت فعلياً عام 2014، حين بدأت وزارة الداخلية وضع يديها على هذا الملف، تمهيداً لغلق منابعه.

حتى عام 2012، لم يكن للحكومة دور حقيقي في إدارة هذا الملف، حتى استحدثت إدارة متابعة جرائم العنف ضد المرأة التابعة لقطاع حقوق الإنسان في وزارة الداخلية، لإثبات حقّها في مراقبة قضايا المرأة.

يقول الناشط الحقوقي فتحي فريد، مؤسّس “مبادرة أمان لمناهضة العنف الجنسي”، إن الدولة بدأت تنتبّه إلى هذا الملف بعد توثيق منظمات المجتمع المدني حالات العنف ضد المرأة، فأسّست إدارة شرطية مهتمّة بالعنف الجنسي، اعتمد عملها خلال الفترة الأولى على بيانات تلك المنظمات وجهدها، كما شاركت في ورش عمل لفهم طبيعة هذا الملف.

في العام التالي، تمّ انشاء إدارة مكافحة العنف ضد المرأة، التي كان يرأسها اللواء إيهاب مخلوف، بهدف تعزيز حضور الدولة في المجتمع النسوي. لكن مخلوف لم يكن محنّكاً بدرجة كافية لكسب ود النشطاء، فخرج بتصريح صادم أثناء عيد الَأضحى عام 2014 ينصح فيه الفتيات بعدم ارتداء الملابس الصارخة التي تثير حماسة الشباب.

يعلّق فريد في حديثه مع “درج”: “تصريحات المسؤولين تعبّر عن وجهة نظر الدولة في أن الفتيات هنّ سبب انتشار التحرّش في الشوارع المصرية، ما يعني ترسيخ ثقافة لوم الضحية من دون البحث عن الأسباب الحقيقية لانتشار التحرّش”.

حتى هذه الفترة لم تكن الشرطة أحكمت قبضتها الحديدية كاملة على الشارع خلال مواسم انتشار حوادث التحرّش، المرتبطة في أذهان المصريين بالأعياد والمناسبات الاجتماعية، فنشطاء المبادرات الميدانية اعتادوا المشاركة في سلاسل بالميادين العامة وأمام السينمات لحماية الفتيات وتقديم الدعم النفسي والقانوني لهن.

لكن هذه الصلاحيّات تم سحبها ووقع انقلاب خشن في العلاقة بين الشرطة المصرية والنشطاء المناهضين للتحرّش، إذ قرّرت منع إصدار أي تصريحات للنزول عام 2015، لتحتكر الشرطة المساحة الميدانية وحدها بعد أن ظلت تراقب المشهد من دون تدخّل.

“تمارس الدولة ضغوطاً على منظمات المجتمع المدني للتحقيق في مصادر تمويلها، بما فيها المراكز النسوية التي ساهمت في خلق حراك نسوي مؤثر منذ ثورة 25 يناير، ومن بينها مركز “نظرة للدراسات النسوية””

يعود فريد، الذي يشارك في حملات توعية ضد العنف الجنسي وأحد الذين مُنعوا من العمل الميداني بعد قرار وزارة الداخلية، للحديث: “مبادرات مثل “(شفت) تحرّش”، وخريطة تحرّش لها نشاط واضح في الشارع منذ ثورة يناير وخصوصاً في المناسبات بالتوعية والكتائب الميدانية التي رفعت الأذى عن كثير من الفتيات وتصدّت للمتحرّشين، وكانت تحظى بثقة عالية من المجتمع الدولي من خلال توثيق أعمال العنف ضد المرأة وجهودهم البحثية في ظل الصمت الرسمي من الدولة في هذه الفترة”.

ويفسّر فريد معاداة الدولة لمناهضي التحرش في هذه الفترة بقوله: “المراكز والمبادرات اكتسبت شرعية من الحضور المحلي اللافت واهتمام المجتمع الدولي فعكس ذلك تقاعس الدولة، وما حدث من صدام بين الشرطة والنشطاء الميدانيين دلالة واضحة على أن الدولة تحارب مناهضي العنف الجنسي”.

من هنا، خفت لاحقاً دور العاملين في ملف العنف الجنسي بعد أن أسندت الحكومة إدارة هذا الملف إلى المجلس القومي للمرأة “الحكومي” وإدارات مكافحة العنف ضد المرأة في وزارة الداخلية، حيث لم يعد مسموحاً لأحد الحديث بجرأة عن وجود قصور تخدش صورة الدولة أمام الرأي العام.

“الناس كانت توسمت خيراً بعد تشديد العقوبات على مرتكبي جريمة التحرّش في 2014، بعد الاعتداء الوحشي على فتاة في ميدان التحرير، لكن في النهاية الخطاب الإعلامي غير مشجّع ومحرّض في بعض الأوقات على الفتيات المصريات، كما أن النساء يتجاهلن مقاضاة المتحرّشين في أوقات كثيرة، أو بالأحرى لا يمتلكن ثقافة معاقبة المتحرّش”، كما تقول عزة سليمان التي تتحدّث بأسف عن تبخّر آمالها بإعادة ضبط قضايا المرأة.

“ملف العنف الجنسي في قبضة يدها ولا يُسمح لأحد التحدّث عنه”

في شباط/ فبراير 2016، دفعت الحكومة بمايا مرسي، كوجه جديد على رأس المجلس القومي للمرأة، لكنها لم تحرز تقدّماً حقيقياً يصبّ في مصلحة المجتمع المدني المهموم بقضايا المرأة، بل لم يختلف خطابها كثيراً عن خطاب لواءات الداخلية.

تقول سليمان: “المجلس القومي للمرأة يتبنى استراتجية لمناهضة العنف ضد المرأة منذ قدوم مايا مرسي، لكنه لم يجلس مع أحد ولم يستمع لنا كمراكز نسوية ولم يكشف عن أي أرقام في سبيل إنجاز الاستراتيجية”.

أمّا فريد، فيرى أن مايا مجرّد مدافعة عن صورة الدولة وتتجاهل أي دراسات وبيانات توضح حجم العنف الجنسي ضد نساء مصر، فهي تؤكّد في مناسبات مختلفة أن جرائم التحرش الجنسي تلاشت بدعوى قلة عدد البلاغات، كما أن الرئيس عبدالفتاح السيسي نفى وجود عنف جنسي ضد نساء مصر، مشدّداً على أن كل التقارير التي تحدّثت عن ذلك غير صحيحة.

ويستدل فريد بالدراسة التي أعدّتها هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في مصر بالتعاون مع المركز القومي للتخطيط، في نيسان/ أبريل 2013، لتقر بأن 99.3 في المئة من إجمالي النساء والفتيات في مصر تعرّضن للتحرش الجنسي ولو لمرة واحدة على الأقل، وكذلك مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي الصادر في أيار/ مايو 2016 بعنوان “مصر 2015″، الذي يفيد بأن نسبة التحرّش الجنسي فى المواصلات العامة والمجال العام بلغت 17 في المئة فقط.

جاء ذلك في الوقت الذي تمارس فيه الدولة ضغوطاً على منظمات المجتمع المدني للتحقيق في مصادر تمويلها، بما فيها المراكز النسوية التي ساهمت في خلق حراك نسوي مؤثر منذ ثورة 25 يناير، ومن بينها مركز “نظرة للدراسات النسوية”، بعد إدراج مؤسِّسته مزن حسن على قوائم الممنوعين من السفر، لطلبها في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات.

ومزن ناشطة بارزة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، أسّست مركزها الحالي في 2007، وتعتبر أول مصرية تفوز بجائزة “رايت لايفليهود” المعروفة باسم جائزة نوبل البديلة، التي تُمنح لأشخاص قدموا إسهاماً متميزاً في مجالات حقوق الإنسان والسلام والديموقراطية والقانون والصحة.

وتشير سليمان إلى أن التضييق الواقع على المجتمع المدني يضرّ بالأساس بحقوق المرأة وبالمراكز المهتمة بها، فهذه المراكز لعبت دوراً كبيراً في استقلال المرأة منذ بداية الألفية الثالثة.

هذه الإرهاصات قادت إلى مشهد التعامل القاسي وغير المبرّر مع فيديو أمل فتحي، وتجارب أخرى تحدث يومياً في الشوارع المصرية، مثل فتاة التجمّع التي صوّرت محاولات التحرّش اللفظي التي تعرّضت لها في وضح النهار، وسط صمت حكومي لافت.

“توجّه الدولة الحالي هو أن ملف العنف الجنسي في قبضة يدها ولا يسمح لأحد التحدث عنه، استناداً إلى ثقافتها الراسخة هي التعايش مع جرائم العنف ضد المرأة كواقع ثابت تربى عليه المصريون”، يختم فتحي فريد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هبة أبوطه – صحافية أردنية
“كل شي عنا عيب. عيب تطلقي في المجتمعي القروي، عيب تشتكي على زوجك بالذات إذا كان ابن عمك وعيب ما بعرف إيش. لازم الوحدة تاخد قرارها قبل ما تضيع حياتها وحياة أطفالها. أنا مش بس حياتي ضاعت كمان حياة أطفالي ضاعت…”.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني