غابات البطاريات التالفة في غزة…
سموم قاتلة تهدد الأهالي والبيئة

" لازمت المنزل جراء إصابتي بتسمم دموي نتيجة ترسبات عالية في الدم لمادة الرصاص، والتي أتت أعلى من المعدل الطبي بأربعة أضعاف، وأصبحت اليوم أعاني من خلل في الجهاز العصبي".

بين أكوام هائلة من البطاريات التالفة المكدسة وسط محلات الخردة ومجامع ورش البطاريات في قطاع غزة، تتسلل مخاطر صحية تلاحق العاملين في هذه المهنة والمحيطين بهم، إضافة إلى مخاطر بيئية جراء احتواء البطاريات على مجموعة من المواد الثقيلة السامة التي تهدد المياه الجوفية والتربة.

أحمد الشيخ أحمد (37 سنة)، أحد العاملين في هذا المجال منذ سبعة أعوام، يقول: “خسرت صحتي في تدوير البطاريات وتجميعها داخل مجامع مغلقة وسط منطقة سكنية مكتظة في مدينة خان يونس جنوب القطاع. مهمتنا تقضي بتفريغ المواد الموجودة داخل البطاريات والعمل على صهر ألواح الرصاص. انتهى بي المطاف مصاباً بتسمم دموي، ومنعني الأطباء من الاستمرار في عملي”. ويتابع: “أنجبت زوجتي ثلاثة أبناء جميعهم كانوا مصابين بخلل عقلي وتشوهات خلقية وتوفوا جميعهم بعد 8 شهور من الولادة”.

فريد الحلو، الذي يعمل أيضاً في البطاريات، أصيب  بوعكات صحية على مدار عام ونصف العام، “في النهاية لازمت المنزل جراء إصابتي بتسمم دموي نتيجة ترسبات عالية في الدم لمادة الرصاص، والتي أتت أعلى من المعدل الطبي بأربعة أضعاف، وأصبحت اليوم أعاني من خلل في الجهاز العصبي”.

“استمرار التعامل مع البطاريات التالفة بهذا الشكل، سواء التخلص منها أو صيانتها وإعادة تدويرها، سيخلق مزيداً من المشكلات الكبيرة والخطيرة، التي تهدد حياة السكان بشكل عام وخصوصاً العاملين في هذا المجال”

مخاطر فتاكة

تعددت الأصوات المطالبة بالتعامل بجدية مع مسألة قيام النباشين وأصحاب محلات الخردة بتجميع البطاريات وتدويرها، بأساليب بعيدة كل البعد من معايير السلامة والمحاذير العلمية والبيئية. 

“منظمة الصحة العالمية” كانت حذرت في تقرير من خطورة مادة الرصاص التي تعد المكون الرئيسي للبطاريات، والتي تدرج ضمن المواد عالية السمية التي تلحق ضرراً صحياً بالغاً، إذ تشير تقديرات “معهد القياسات والتقييم في المجال الصحي” إلى أن التعرض للرصاص تسبب عام 2019 بـ900 ألف حالة وفاة في العالم، نتيجة الآثار طويلة الأجل على الصحة. وتحملت البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل العبء الأكبر.

الدكتور حسن طموس، أستاذ علم الكيمياء في جامعة الأزهر في غزة، يشير إلى أن البطاريات تحتوي على مجموعة واسعة من المواد الثقيلة والتي تتمثل في الرصاص، ثاني أعلى المواد الثقيلة سمية، والزئبق والكادميوم وحمض الكبريتيك، وهي عناصر ثقيلة عالية السمية، “وتحدث الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة في حال الاستنشاق أو من خلال الملامسة باليد، إذ تدخل جسم الإنسان وتتوزع على الجهاز العصبي وتتركز في الدماغ والأخطر في الدم. وأثبتت منظمة الصحة العالمية أن الرصاص من مسببات السرطان وبخاصة سرطان الدم والرئتين”.

ويوضح الدكتور طموس أن عمليات جمع البطاريات المستعملة تتم بطرائق عشوائية وبشكل غير آمن ومخالف للمعايير البيئية المنصوص عليها في اتفاقية بازل لعام 2002 والخاصة بالتخلص من النفايات الخطرة منها البطاريات، من مراحل تجميعها بوساطة مختصين في مناطق بعيدة من التمركز السكاني، وصولاً إلى إتمام عملية المعالجة الآمنة لها.

الدكتور محمد أبو ندى رئيس قسم الأعصاب في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي التخصصي للأطفال، يرى أن “طريقة التعامل الراهنة مع البطاريات تحمل مخاوف صحية وخيمة على سلامة الإنسان، جراء المخاطر التي يخلفها الرصاص، “فإنه يحدث خللاً في نمو عقل الأطفال، ما يصيب الجهاز العصبي بشكل مباشر ويؤدي ذلك إلى مرض تشنج الجهاز العصبي (التخلف)، ما قد يؤدي إلى الوفاة”.

وأظهرت إحصاءات ارتفاع معدل استيراد البطاريات وفق بيانات وزارة الاقتصاد الوطني في غزة، إذ سجل إدخال 10 ألف بطارية خلال عام 2015، و11 ألف بطارية عام 2016، ليرتفع الرقم إلى 26 ألفاً، في كل من الأعوام 2018 و2019 و2020. إضافة إلى تزايد الكميات المستوردة من مستلزمات تجديد البطاريات إذ تم إدخال 73 طناً خلال عام 2015، و107 أطنان عام 2016، و150 طناً عام 2020. 

إقرأوا أيضاً:

مخاطر بيئية 

“مركز الميزان لحقوق الإنسان” حذر خلال ورقة حقائق، من “المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن التخلص من البطاريات وإعادة تدويرها في قطاع غزة”، ورأى أن “استمرار التعامل مع البطاريات التالفة بهذا الشكل، سواء التخلص منها أو صيانتها وإعادة تدويرها، سيخلق مزيداً من المشكلات الكبيرة والخطيرة، التي تهدد حياة السكان بشكل عام وخصوصاً العاملين في هذا المجال… كما أن الضرر الناجم عن عمليات التخلص وإعادة تدوير البطاريات لا يمكن حصره في حال انتشاره في الهواء أو تسربه إلى التربة، ولا يمكن التنبؤ بحجم الضرر الذي سيطاول خزان المياه الجوفية أو المزروعات على أنواعها، لا سيما الخضروات منها”.

مدير دائرة النفايات الصلبة والخطرة في سلطة جودة البيئة، محمد مصلح، يشير إلى أن الأخطر من ورش تدوير البطاريات والتي لا إحصاءات دقيقة حول عددها المقدر بـ50 ورشة في القطاع، هو قربها من التجمعات السكنية، ما يعرض المواطنين بشكل مباشر لتسرب الغازات السامة.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬

ويوضح مصلح، أن “البطاريات التالفة تحتوي على مادة الرصاص والزئبق، ولهما مخاطر بيئية على التربة ومخزون المياه الجوفي”، فتسرب غرام واحد من الزئبق إلى المياه الجوفية يلوث مليون لتر منها، لذلك إلقاء تلك البطاريات في مكبات النفايات الصلبة خطر جداً وكذلك تجميعها وسط مناطق زراعية وسكنية.

ينص قانون البيئة الفلسطيني رقم (7) لسنة 1999 في المادة (7) على أن “تقوم الوزارة (سلطة جودة البيئة) بالتنسيق مع الجهات المختصة بوضع خطة شاملة لإدارة النفايات الصلبة على المستوى الوطني، بما في ذلك تحديد أساليب ومواقع للتخلص منها، والإشراف على تنفيذ هذه الخطة من قبل الهيئات المحلية”. كما نصت المادة (11) على أنه “لا يجوز لأي شخص أن يقوم بتصنيع أو تخزين أو توزيع أو استعمال أو معالجة أو التخلص من أية مواد أو نفايات خطرة سائلة كانت أو صلبة أو غازية والمحددة من الجهة المختصة إلا وفقاً للأنظمة والتعليمات التي تحددها الوزارة بالتنسيق مع الجهات المختصة”. ​ 


الاحتلال يمنع تصديرها 

إبراهيم بركة صاحب محل خردة، يقول “خلال 15 عاماً من الحصار كانت هناك آمال بتصدير البطاريات التالفة التي نقوم بتجميعها بعد شرائها من النباشين، ونعمل على نقلها إلى وسط منطقة زراعية. لتبلغ الكمية المكدسة داخل مجمعي 2000 طن، ولكن لوحظ أن المواد التي داخل البطاريات يتم تسربها إلى التربة جراء تلف الجدار البلاستيكي أثناء عملية تحميلها ونقلها، فيما لا نملك حيلة للتعامل مع الظروف التي فُرضت علينا بالتزامن مع إهمال الجهات الحكومية تقديم النصائح والمساعدة لتفادي هذه المخاطر التي تهدد صحتنا وصحة الآخرين”. 

ويضيف: “السلطات الإسرائيلية تمنع تصدير البطاريات بذرائع عدة، آخرها كانت رفضها نقل مواد خطرة ملوثة من غزة إلى إسرائيل. أدى ذلك إلى تزايد الكميات المكدسة بالتزامن مع اعتماد المواطنين على هذه البطاريات للإنارة في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي، وقد يبلغ سعر طن البطاريات التالفة لدى الجانب المصري 1100 دولار والجانب الإسرائيلي 800 دولار”. ويفيد إحصاء صادر عن وزارة الاقتصاد بأن معدل البطاريات التالفة في غزة بلغ 30 ألف طن.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني