عين “جوية” على سجن “الصناعة”:
من المستفيد من “تحرير” داعش؟

يظهر بوضوح السور الكبير الذي بُني حول السجن، بدعم وتنفيذ من القوات البريطانية. كما تظهر الكثير من الاجراءات الأمنية اللوجستية على أطرافه، خصوصاً الأسلاك الشائكة والكاميرات. لكن هذه الإجراءات اثبتت انها ضعيفة وبلا جدوى، بعد اقتحام مسلّحي "داعش" السجن، وتحرير مئات السجناء.

يأتي الخبر العاجل على نحو غامض، لكنه يسترعي اهتمام الجميع: سماع دوي انفجار كبير في الحسكة. هنا، في أربيل، عاصمة إقليم كردستان- العراق، عاد اسم “داعش” ليتردد كثيراً على الألسن في الأيام القليلة الماضية، بعدما قامت مجموعة مسلحة من التنظيم العائد إلى المشهد، باقتحام سجن “الصناعة” في منطقة الحسكة، وتحرير مئات السجناء من عناصر التنظيم، وأسر مجموعة من الحراس الأكراد من “قوات سوريا الديموقراطية”. 

على إثر هذا الخبر، شاعت معلومات، مصدرها تسجيلات صوتية انتشرت عبر “واتساب” بين صحافيين ونشطاء عراقيين وأكراد، عن توجّه العناصر الفارّين إلى سنجار. كثيرون أخذوا هذه التسجيلات على محمل الجدّ هذه المرة، وإن كانت الإمكانية اللوجستية لوصول عناصر “داعش” إلى سنجار صعبة، مع انتشار الجيش العراقي وقوات “قسد” وبقية القوات الكردية على الحدود بين سوريا والعراق في تلك المنطقة. 

لكن دخول هذه العناصر إلى العراق ليس مستحيلاً مع حدود شاسعة فالتة، خصوصاً في المناطق الصحراوية، أو في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات تابعة لـ”الحشد الشعبي”، لا تمتلك غطاء جوياً ولا طائرات استطلاع ولا إمكانية مراقبة جيدة للحؤول دون عبور عناصر التنظيم في اتجاه الأراضي العراقية. ولا يبدو أن ضعف امكانية الحشد وحده ما قد يسمح بعبور كهذا، بل أيضاً يتداول صحافيون عراقيون إمكانية وجود مصلحة لدى الحشد في إعادة إحياء وحش “داعش”، الذي كان المسوّغ الأساسي لخلق “الحشد الشعبي” وتشريعه عبر الفتوى الشهيرة للمرجع الشيعي علي السيستاني. فالحشد مني بهزيمة كبيرة في الانتخابات النيابية العراقية الأخيرة، ويبدو أن ظهور “داعش” قد يشكل فرصة لإنقاذه من المأزق الانتخابي والشعبي الذي وقع فيه.

في خضمّ هذه الأخبار المتواترة من خلف الحدود، كان لـ”درج” الحظ بلقاء أحد الصحافيين العراقيين الذين زاروا سجن “الصناعة” في الحسكة عام 2019، بعد أخذ موافقات من “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد). كان السجن في وقتها عبارة عن 8 مبان كانت عبارة عن مدرسة مهنية (صناعية) كبيرة. معظم السجناء كانوا من العراقيين والسوريين، مع جنسيات عربية أخرى منها مصرية وتونسية ولبنانية وسودانية وجزائرية، فضلاً عن مقاتلين من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وقد حشر الجميع في مكان مكتظ. وأكثرية من هم في السجن الذي يضم حوالى خمسة آلاف سجين (بينهم عدد قليل من الأطفال)، كانوا من المستسلمين في معارك باغوز، آخر معاقل التنظيم التي سقطت عام 2017 على يد قوات قسد. ويقول الصحافي العراقي، الذي تابع عن قرب أحوال السجن فضلاً عن وضع مخيم الهول، الذي يضم نساء وأطفال “داعش”، إن عدد سجناء عناصر “داعش” في تلك المنطقة يصل إلى عشرة آلاف سجين موزعين على أكثر من سجن تحت حراسة قوات “قسد”، وأكبر هذه السجون هو سجن “الصناعة” في الحسكة. 

كان التحالف الدولي والولايات المتحدة يقدمون مساعدات مالية ولوجستية إلى قوات “قسد” لإدارة السجن والسيطرة عليه أمنياً. لكن هذه المساعدات لم تكن كافية، برأي الصحافي العراقي، الذي رأى بأم العين الحال المزرية للسجن المكتظ، والذي يبدو لمن يزوره كقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. ولم توفر “قوات سوريا الديموقراطية” مناسبة إلا وأعلنت فيها عن حاجتها إلى الدعم المالي واللوجستي لإبقاء السيطرة قائمة على السجن، فضلاً عن مطالبات بضرورة إجراء محاكمات لإقفال الملفات، وتسليم السجناء إلى الدول التي ينتمون إليها. 

وفي حين أن الولايات المتحدة استردّت السجناء الذين يحملون جنسيتها، فضلاً عن عائلاتهم الموجودة في مخيم “الهول”، ونقلتهم إلى أراضيها، لم تحذ دول أوروبية حذوها، وتبدو هذه الدول متنصلة من المسؤولية عن هذا الملف المعقّد، خصوصاً في ما خص المحاكمات، التي قد تنتج عنها أحكام بالإعدام لا تتوافق مع معايير هذه الدول وقوانينها، أو تنتج عنها أحكام بالسجن المؤبد، وهو ما يحتاج إلى تمويل كبير لتأمين السجن والتكاليف والتدابير الأمنية اللازمة.  

إقرأوا أيضاً:

في صور جوية، أطلعنا عليها الزميل العراقي، التقطها بنفسه من طائرة تابعة لقوات قسد، يظهر بوضوح السور الكبير الذي بُني حول السجن، بدعم وتنفيذ من القوات البريطانية. كما تظهر الكثير من الاجراءات الأمنية اللوجستية على أطرافه، خصوصاً الأسلاك الشائكة والكاميرات. لكن هذه الإجراءات اثبتت انها ضعيفة وبلا جدوى، بعد اقتحام مسلّحي “داعش” السجن، وتحرير مئات السجناء. ويقدّر زميلنا العراقي ان يكون ما يقارب من 2500 سجين ممن عاينهم عن قرب في السجن قادرين على القتال، بمعنى أن حالتهم البدنية والصحية تسمح بذلك، فيما لاحظ وجود العشرات في قسم الاستشفاء، وهؤلاء كانوا يعانون من إصابات وأمراض وإعاقات دائمة، تمنع معظمهم من العودة إلى القتال إذا أرادوا ذلك. 

يرى كثيرون أن “قسد” قد تستفيد مما حدث في سجن “الصناعة” لإثبات ما كانت تنادي به دائماً من ضرورة دعمها بالمال والسلاح واللوجستيات لضمان السيطرة على السجون التي تضم عناصر التنظيم الإرهابي، وبالتالي الضغط من أجل الحصول على دعم إضافي، ولفت الأنظار إلى قضية أدار العالم لها ظهره منذ الإعلان عن الانتصار على “داعش” عام 2017. 

ما يقلق زميلنا العراقي هو تأثير عملية الفرار من السجن على الوضع في مخيم الهول، لأن معظم المسجونين الفارين من عناصر “داعش”، لديهم عائلات في المخيم، الذي يشكّل معضلة أخرى لقوات “قسد” من جهة، وللتحالف الدولي والولايات المتحدة من جهة ثانية. 

كانت قوات “قسد” تشير بشكل دوري من خلال تقارير شهرية، إلى “مواصلة خلايا داعش نشاطها داخل مخيم الهول عبر تنفيذ مزيد من عمليات القتل بحق القاطنين الذين يبتعدون من أفكار التنظيم المتشددة”، لكن التحالف الدولي ومعه الولايات المتحدة والحكومة العراقية المركزية، لم يعملوا على حلّ هذه المعضلة، وتفكيك القنبلة الثانية المعدّة للتفجير، بعد انفجار “قنبلة” سجن “الصناعة” وخروج مئات العناصر من “داعش” إلى الحرية، التي تعني في ما تعنيه، سجن الجميع في قلق أمني شديد، يعيد إلى الأذهان سنوات من رعب الإرهاب الداعشي الذي ظن العراقيون والعالم أنهم تخلصوا منه. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني