“عاونونا بسكاتكم”: حرية التعبير والصحافة
في تونس مُحاصرة بقرار جمهوري

"حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ".

وجه والي تونس (محافظ منطقة تونس) كمال الفقي الذي عيّنه رئيس الجمهورية قيس سعيد رسالة واضحة إلى الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية والمدنية التي تظاهرت في 14 كانون الثاني/ يناير في شارع الحبيب بورقيبة، ضدّ قرارات سعيد. الرسالة مفادها “عاونونا بسكاتكم” أي “أعينونا بصمتكم”، فالفقي استكثر على هؤلاء حق التظاهر احتفالاً بذكرى رحيل الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وتحدياً لقرارات سعيد الأخيرة وبخاصة مسألة استبدال تاريخ الثورة، وقال الفقي في حديث إذاعي: “أين كان هؤلاء قبل هذا التاريخ… هؤلاء صاروا من الماضي ونحن أبناء اليوم”.

وعبارة “أعينونا بصمتكم” تأتي استكمالاً لمسار التضييق المستمر، فلا يخفى على أحد  أنه منذ إعلان قرارات 25 تموز/ يوليو الماضي وما تلاها من تدابير استثنائية، يشهد واقع حرية التعبير والصحافة في تونس تدهوراً بالغاً وبات مهدداً قولاً وفعلاً. وكان بيان “النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” رصد 20 اعتداء جسدياً ولفظياً على صحافيين يوم 14 كانون الثاني، أثناء تغطية التظاهرات.

صحافيون ومصورون تونسيون وأجانب تعرضوا للضرب والدفع والركل وافتكاك الهواتف والاطلاع على محتوياتها من قبل رجال الشرطة، وتم توقيف البعض.

مراسل جريدة “ليبراسيون” الفرنسية كان واحداً من هؤلاء، وكتبت الصحيفة على موقعها الإلكتروني “عندما كان يُغطّي مظاهرة مناهضة للرئيس قيس سعيّد، أمس، تعرّض مراسلنا ماتيو غالتيي لضرب عنيف على أيدي عدد من أفراد الشرطة، وتُدين إدارة الصحيفة بشدّة هذا الهجوم”.

أما “منظمة المادة 19” البريطانية المعنية بحرية التعبير، فأصدرت بياناً ندّدت فيه بالاعتداءات التي طاولت الصحافيين والمتظاهرين واعتبرتها “مؤشراً إضافياً إلى النزعة الاستبدادية للسلطة القائمة في تونس”.

“الاتحاد الدولي للصحافيين” الذي يضمُّ أكثر من 160 نقابة صحافية حول العالم وأكثر من 600 ألف صحافي وصحافية، أدانَ الاعتداء البوليسي على الصحافيين وحمَّل رئيس الجمهورية مسؤولية الانتهاكات الحاصلة.

وبالنيابة عن عشرات منظمات المجتمع المدني، طالب رئيس “النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” محمد ياسين جلاصي في مؤتمر صحافي، رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالاعتذار عن الانتهاكات والاعتداءات على الصحافيين والمتظاهرين خلال يوم الاحتجاج، والإفراج الفوري عن المتظاهرين الموقوفين.

حرية الصحافة… تهديد وجودي؟

لطفي حجي مدير مكتب شبكة “الجزيرة” في تونس يتحدث بمرارة لـ”درج” عن إغلاق مكتب المؤسسة منذ 25 تموز الماضي تاريخ الإعلان عن القرارات الاستثنائية لقيس سعيد. يقول: “نشارفُ على بلوغ الشهر السادس منذُ إغلاق مقرنا وإخراجنا منه بقوة البوليس، والسلطات التونسية لا تعلنُ حتى الآن عن السبب لا شفوياً ولا كتابياً، برغم وساطات عدة من نقابة الصحافيين”.

يبدو حجي متأكداً من أن هناك استهدافاً ممنهجاً لحرية الصحافة في تونس من رأس السلطة، فـ”الجزيرة” لم ترتكب أي أخطاء مهنية تضعها تحت طائلة عقاب “هيئة الاتصال السمعي البصري”، أو أي تجاوز إداري تحاسبُ عليه قضائياً كمؤسسة. هذا الصمت والتجاهل تجاه مطالب الحق في العودة إلى العمل  والتضييق على صحافيي ومصوري الجزيرة من أجل إزاحتهم عن الميدان، يعتبره حجي تهديداً حقيقياً لوجود صحافة حرة تنقل الرأي والرأي الأخر على حد تعبيره، وتتجاوز “الجزيرة” كمؤسسة لتطاول جميع الصحافيين، نظراً إلى استمرار الاعتداءات عليهم.

ويرى حجي أن هناك تعتيماً حكومياً على حق النفاذ الى المعلومة ليس على “الجزيرة”، فحسب بل على كل الصحافيين عبر نشر بلاغات خشبية في الصفحات الرسمية التابعة لرئاسة الجمهورية والوزارات ورفض التفاعل مع طلبات المقابلات الصحافية والتصريحات.

“في الماضي كنا نستطيع على الاقل التواصل مع مكاتب الإعلام والاتصال لاستيضاح المعلومة أو دحض الإشاعات، هذا الأمر اليوم أصبح شبه مستحيل وهو ما فاقم عمق أزمة حرية الصحافة ومكافحة الأخبار الزائفة وصعَّب مسار نشر المعلومات الدقيقة”، يضيف. 

إقرأوا أيضاً:

منية العرفاوي، وهي صحافية في جريدة “الصباح” المصادرة من صهر المخلوع زين العابدين بن علي، تتفق مع حجي في الرأي القائل بأن السياسة الاتصالية لحكومة نجلاء بودن التي عيّنها قيس سعيد، هي سياسة تعتيمية بامتياز تنتهك حقوقاً دستورية تعهد سعيّد أكثر من مرة بعدم المساس بها،  كحرية التعبير والصحافة والإعلام وحق النفاذ الى المعلومة. 

العرفاوي تشكك بالأداء الاتصالي لحكومة بودن المنبثقة عن الأمر الرئاسي عدد 117 في 22 أيلول/ سبتمبر 2021 والذي يمنح قيس سعيد صلاحيات واسعة في تسييرها والتحكم في إدارة شؤونها.

تقول لـ”درج”:”هناك سياسة مفروضة بالقوة على الصحافيين. نحن نُمنع من إجراء حوار أو طرح أسئلة وحتى حضور ندوات صحافية، وقد رصدنا تمييزاً حتى في اختيار وسائل الإعلام والصحافيين.

نحن نقف أمام قرار بأحادية المعلومة فاقدين كل أدواتنا المهنية: السؤال، المحاججة، الاستفسار المواجهة، كل هذا وأكثر نعيشه اليوم في عهد قيس سعيد”.

لا تخفي العرفاوي التهديد الحقيقي الذي تشعر به كصحافية في تونس، “فالمهنة ما زالت تواجه هشاشة خطيرة وتُسير بمراسيم لا بقوانين، خصوصاً المرسومين 115 و116 الصادرين عام 2011 إبان الثورة عن الرئيس الموقت وقتها فؤاد المبزع، وبإمكان رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد إصدار مراسيم اخرى تنسفها تماماً، وتكون غير قابلة للطعن لدى المحكمة الإدارية، كما جاء في الأمر الرئاسي عدد 117 المؤرخ في 22 أيلول”.

تضيف العرفاوي : “حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”. وانتقدت أداء التلفزيون الرسمي معتبرة أنه أصبح أداة في يد رئاسة الجمهورية لترويج خطاب السلطة ومشروع سعيد، بعيداً من احترام التعددية في الرأي.

الجلاصي نقيب الصحافيين كان أيضاً انتقد قبيل التظاهرات أداء القناة الوطنية الأولى “التلفزيون الرسمي”، معتبراً أنها منبر غير حر يبث وجهة نظر السلطة وحسب، وقال في حوار إذاعي إن هناك قراراً سياسياً رسمياً بمنع ظهور الأحزاب والشخصيات المعارضة في التلفزيون الرسمي عدا تلك المساندة له.

الإجماع المهني والحقوقي على أن قيس سعيد رئيس الجمهورية هو المسؤول الأول عن تردي واقع حرية التعبير والصحافة في تونس، برغم المراتب المتقدمة التي أحرزتها في تصنيفات كبرى المنظمات الحقوقية العاملة في هذا المجال خلال السنوات الماضية، يجعلنا نفكر بمستقبل الحريات الصحافية، وإن كنا فعلاً في خضم نسخة منقّحة عن ديكتاتورية اعتقدنا أننا تخلّصنا منها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني