“الجديد” vs “حزب الله”: ضريبة صنع الأساطير

إن" فشة خلق" داليا أحمد ليست في مآلها الآني الذي وجد فيه لبنانيون كثر تعبيراً عن يأس يعتري دواخلهم فتضامنوا معها، ولا في الهجاء الخارج من "ضيق" أخلاقي انساق إليه جمهور "حزب الله"، لكنه درس لقناة "الجديد" أولاً عن ضريبة صنع الأساطير، وهذه ليست وظيفة الإعلام.

تمثل قناة “الجديد” التلفزيونية (نيو تي في) المحطة الإعلامية المرئية اللبنانية الأكثر جدلاً وربما حضوراً في الحياة السياسية وفي حياة المشاهد اللبناني، وهو ما جعلها عرضة لعقاب سلطوي حيناً، وشعبي أحياناً على ما هو حاصل راهناً مع جمهور التنظيمين الشيعيين “حزب الله” و”حركة أمل”.

 عام 1997، أقفلت “الجديد” بقرار من مجلس الوزراء على خلفية حلقة عن المملكة العربية السعودية. كان الرئيس الراحل رفيق الحريري وراء القرار الذي عمَّق الخصومة بينه وبين القناة مذ باشر الطرفان ظهورهما في حياة اللبنانيين، الأول كسياسي ثم رئيساً للحكومة، والقناة كمنبر إعلامي مرئي باشر بثه عام 1992، وفي تزامن لا مكان فيه للمصادفة على الأرجح.

15 عاماً من الخصومة بين “الجديد” ورفيق الحريري كمشروع سياسي واقتصادي، لم يُنهِ فصولها إلا لحظة اغتيال الرجل التي لا تتسع غالباً إلا لمحاسن الموتى وقد كابدت القناة وهي تطوي “أرشيفاً” هائلاً عن مساوئ الرجل الذي احتل المساحة الإعلامية الأكبر على شاشتها.

بالتزامن مع تلك الخصومة، شهدنا ودَّاً معقوداً بين القناة و”حزب الله” فرضه انحيازها إلى محور”المقاومة” و”حزب الله” في متنه. وهذا الود وفر للحزب من خلالها رافداً لمعارضته الحريرية السياسية، بما هي امتداد إقليمي ودولي للمحور الذي يناهض الحزب على ما كان يرى. لكن رؤية كهذه بدت ملتبسة بين علاقة الحريري بالغرب والنظام السعودي من جهة، وموقعه في محور الممانعة وعلى رأسه النظام السوري، وقد شكل الحريري غالباً، ومن موقعه في “ترويكا ” الحكم آنذاك، القابلية التي أفضت إلى وصاية سورية خالصة على لبنان، وبصمت عربي ودولي. 

   اللحظة الوجدانية بين الحريري و”الجديد”، والتي فرضها اغتياله، سرعان ما بددتها المحكمة الدولية لاحقاً. ومع بروز مؤشرات عن علاقة “حزب الله” والنظام السوري بالاغتيال، انحازت القناة إلى رؤية الحزب في مواجهة مضامين ما يصدر عن تلك  المحكمة، ودفعت كرمى خياط ابنة مالك القناة ثمن هذه المواجهة بتهمة ازدرائها لها، فيما تكفلت البرامج الاستقصائية في القناة بإسعاف “حزب الله” بتهفيت الكثير من القرائن التي ساقتها الهيئة الاتهامية ضده.

   المفارقة أن لقناة “الجديد” مساهمة وازنة في صناعة “قدسية” نصرالله، الذي تتنكب راهناً ضريبة “تمسحته” في مجاز لغوي هو ديدنها الدائم في مديحه. 

ما سبق هو حيز معلن عن موقع “الجديد” من “حزب الله”، والذي يشهد راهناً تشظياً معلناً على خلفية برنامج شعبي ساخر اسمه “فشة خلق”، والذي تضمنت حلقته الأخيرة نعتاً للطبقة السياسية اللبنانية بالتماسيح، وأُرفِق النعت بصورة لساسة لبنانيين بينهم أمين عام “حزب الله”.

لكن موضوع الاشتباك الكلامي بين “الجديد” وجمهور الحزب ليس جديداً. في نيسان/ أبريل 2015، كان الاشتباك الأول بين القناة وهذا الجمهور، وعلى خلفية مقدمة النشرة الإخبارية التي انتقدت الأمين العام لـ”حزب الله” من باب الحرب في اليمن.

“إذا كان دفاع سعد الحريري عن سعوديته مفروغاً منه، فإن ظهور الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله تعتليه الانفعالية، وهو أيضاً لا تبرير له سوى تقديم المنطق الإيراني”، جاء في تلك المقدِّمة. حينها فتحت تلك الإدانة أول اشتباك معلن بين القناة وجمهور الحزب الذي تصدره نجل أمينه العام  عبر هاشتاغ “دكانة الجديد”، والذي صار وسماً على ألسنة بيئة الحزب كلما مسَت القناة بأمينه العام.

   المفارقة أن لقناة “الجديد” مساهمة وازنة في صناعة “قدسية” نصرالله، الذي تتنكب راهناً ضريبة “تمسحته” في مجاز لغوي هو ديدنها الدائم في مديحه. 

“إلى هذا الصباط تحديداً نظرتُ، هذا الذي قال فيه ناس المقاومة فدا غبرة صباط السيد”، تقول مديرة البرامج السياسية في القناة مريم البسام، والتي حظيت بأول مقابلة مع أمين عام الحزب بعد حرب تموز/ يوليو 2006. وهذا قول يفضي بالضرورة إلى أننا أمام حالة وجدانية خارج العقل، ويفضي أي كلام ناتج عن تلك الحالة إلى تكثيف الصورة النمطية لنصرالله في بيئته، وهي نزعة وجدانية ليست بالتأكيد وليدة “الرهبة” التي فرضتها لحظة لقائها بنصرالله على ما روت حينها، لكنها سياق من “التقديس” اللغوي المسبوك ببديع اللغة الذي تُخرجه على المشاهدين بعد كل إطلالة له، والتي لم تكن مقدمة “حرب اليمن” التي أسست لأهاجي عام 2015 من صنائعها بالمناسبة.

  بين عام 2015 والراهن، وفي السياسة تحديداً، هناك أكثر من اشتباك كلامي بين “حزب الله” و”الجديد”، لكنه ينتهي بعودة الأخيرة إلى “بيت الطاعة” الذي اختارته منذ تسعينات القرن الماضي. وأغلب الظن أننا أمام مشاغبة إعلامية أتقنتها قناة تبحث في الكثير من برامجها عن “السكوب”، وآخره “فشة خلق” مع حزب وحده راهناً يصنع “سكوب” بعد ضمور الحريرية باغتيال مؤسسها، وبخواء أحزاب وقوى سياسية يكاد يتلاشى حضورها في الإعلام لولا وجودها على ضفاف “حزب الله” معارضةً أو موالاة.

  والحال، فإن” فشة خلق” داليا أحمد ليست في مآلها الآني الذي وجد فيه لبنانيون كثر تعبيراً عن يأس يعتري دواخلهم فتضامنوا معها، ولا في الهجاء الخارج من “ضيق” أخلاقي انساق إليه جمهور “حزب الله”، لكنه درس لقناة “الجديد” أولاً عن ضريبة صنع الأساطير، وهذه ليست وظيفة الإعلام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني