قَتلها بجرم الوقوف مع شاب…
من يحمي العراقيات من “الشرف” والعشيرة؟

ألا يشعر الجناة الذكور بالإرهاق من كره النساء؟ ألا يشعرون بالتعب من التحريض والتعنيف؟ بالطبع لا، ولن يفعلوا، طالما أن البيئة التي تحتضنهم تزرع في رأس كل رجل أنه محصن من العقاب، وأنه يستطيع فعل ما يحلو له لأنه "ذكر".

محمد العيساوي، وهو مؤثر اجتماعي على تطبيقي “تيك توك” و”يوتيوب”، يتناول في فيديواته النساء في أحيان كثيرة، متحدّثاً إليهن بطريقة غير لائقة ومهينة أحياناً. بعض متابعيه يجدونه “كوميدياً”، لكنه في الحقيقة ينتج نوعاً من السماجة الوقحة، فيرتدي مثلاً زيه العربي الرسمي، ويتغزل بالنساء اللواتي يتعمّد انتقادهن لخروجهن بمظاهر مخالفة للأعراف التي ينادي بها ويريد الحفاظ عليها. ووصل الأمر إلى إبقائه ابنته في المنزل ومنعها من الظهور مع الرجال، وبمجرد رؤيتها وهي تقف أمام الباب مع شاب غريب، قتلها بثلاث رصاصات “غاسلاً عار القبيلة”!

عمد اليوتيوبر العراقي، الذي يتابع قناته أكثر من 150 ألف شخص، غالبيتهم من المراهقين، إلى قتل ابنته بـ”دافع من الغيرة والشهامة”، بحسب المدافعين عن جريمته، لأنه “من البدهي والطبيعي”، في البيئة التي يسوق فيها فيديواته، أن يمارس الذكر سطوته وأن يكون وصياً على “نسائه” حتى القتل بدم بارد.

المفارقة المفزعة في القضية هي أن أحد أصدقاء والد الطفلة المغدورة والبالغة 14 سنة، يدعى حسين الشحماني، كان خرج بمقاطع فيديو يستنكر فيها الوضع العام وتردي الخدمات وسوء تعامل المواطنين مع بعضهم بعضاً وسيطرة العشائر، ساخراً منهم بكلمة “يجونك بالتفك” أي أن العشيرة ستهب لضربك بالعصا والرشاش بسبب قضايا سطحية، حتى أصبحت تعابيره “تريند” لا سيما للمواطن المسكين الذي يحلم بحياة كريمة. الشحماني نفسه خرج بفيديو يدافع فيه عن قاتل الطفلة شهد، قائلاً: “كانت لحظة عصبية، من لا يفعل ذلك وقت العصبية، إنه سوء فهم والرجل عشائري”. 

قال ذلك ببرودة أعصاب، وطلب من متابعيه التركيز على أمور مهمة كالخدمات والتعليم وعدم التطرق إلى شؤون عائلية وشخصية! 

والخشية الآن من أي يخرج الأب القاتل من السجن، بمساعدة محام خبيث وقاض فاسد، كما حصل مع عشرات من القتلة ومعنفي النساء الذين نجوا من المحاسبة برعاية قانونية ومجتمعية.

القتل وما بعده

شهد لم تقتل برصاص والدها فقط، إذ أكد اشخاص يقيمون في البصرة قريباً من منزل محمد العيساوي، أن الفتاة بعد وفاتها خضعت لفحص العذرية للتأكد من “شرفها”! وتكون بذلك قد قتلت مرتين، بل ثلاث مرات، إذا ما أضفنا ما فعله حسين الشحماني وأمثاله لتبرير الجريمة. 

وهنا لم تعد المشكلة محصورة بتخاذل السلطات عن محاسبة قتلة النساء ومعنفيهن لنصل إلى عمق أكثر تجذراً وهو الثقافة التي تغذي كراهية النساء والفتيات والتمييز ضدهن واعتبار قتلهن خياراً متاحاً لا يستدعي الكثير من الجلبة.

ألا يشعر الجناة الذكور بالإرهاق من كره النساء؟ ألا يشعرون بالتعب من التحريض والتعنيف؟ بالطبع لا، ولن يفعلوا، طالما أن البيئة التي تحتضنهم تزرع في رأس كل رجل أنه محصن من العقاب، وأنه يستطيع فعل ما يحلو له لأنه “ذكر”، وما على نساء منزله سوى طاعته وخدمته. كما يحظى القتلة باحتفاءات حقيقية لقيامهم بـ”تأديب” الفتيات وإنهاء حياتهن، دفاعاً عن “الشرف”. ويسجن هؤلاء في أحسن الأحوال لأشهر، قبل أن يخرجوا مجدداً على وقع الزغاريد والفرح.

إقرأوا أيضاً:

القانون سبب الخراب 

المحامي أحمد المولى يتحدث عن الأصول القانونية التي فرشت للقتلة سجاداً أحمر من دماء النساء: “جريمة القتل عقوبتها الإعدام في القانون العراقي، في حال وجود أحد الظروف المشددة والمنصوص عليها قانوناً ومنها القتل مع الإصرار أو إن كان المقتول من أقارب القاتل أو السجن المؤبد أو المؤقت في جريمة القتل العمد دون الظرف المشدد”. وبحسب المولى، فإن “معظم القوانين الوضعية منحت مرتكب جريمة القتل بدافع الشرف، ظرفاً قضائياً وعذراً مخففاً، باعتبار أن الجاني ارتكب  جريمته تحت ضغط نفسي كبير من المجتمع والعادات والتقاليد”.

ويرى المولى أن القانون العراقي سهّل العنف ضد النساء، وثبت ركائز الوحشية ضدهن، إذ منح صكوكاً لقتلهن، وجعلها “قانونية”، فأصبحت النساء أكثر هشاشة، ممنوعات من التنفس والحياة: “لا تستطيع النساء فعل شيء حيال هذه الفوضى، يتم تهديدهن بالقتل لأبسط الأمور، وذلك لعلم الذكور بأنهم سيبقون أحراراً”.

ويذكر أن قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 يتناول جريمة القتل أو العاهة المستديمة بدافع الشرف في المادة 409 والتي تنص على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو أحد محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها بوضع حميمي مع شخص آخر، وهذا ما يفعله كل من يقتل إحدى نساء عائلته، فحتى إن كانت المشكلة بينهما حول مسألة مالية مثلاً، سيبرر المجرم فعلته بأنه وجدها مع رجل آخر.

الشرطة تخشى العشيرة 

مديرة “مركز حقوق المرأة” في محافظة المثنى بتول الداغر، تؤكد أن النساء والناشطات اعتدن على الاستماع إلى عبارة “غسل العار والشرف”، بعدما امتلأت الادمغة بالجهل وقلة الوعي، مؤكدة مقتل بين 5 و10 فتيات في العراق شهرياً في قضايا “غسل العار”، من دون احتساب القصص الأخرى التي يتم تداولها، كقول إن الفتاة انتحرت، أو احترقت، أو تعرضت لحادث… 

تقول الداغر إن الشرطة في العراق تخاف من العشيرة: “من نناشد والدولة تساهم بقتلنا استناداً إلى القانون؟”.

لا إحصاءات دقيقة وموثوقة حول عدد ضحايا جرائم قتل النساء، بحسب الداغر، لسببين هما، خوف الشهود من الاعتراف للشرطة بسبب الملاحقة العشائرية التي ما زالت أقوى من القانون، إضافة إلى دفع الكثير من القتلة رشاوى لدوائر الطب العدلي لتزوير شهادة الوفاة وجعل الضحية منتحرة أو ضحية بحادث عرضي، مشيرة إلى أن “الجميع في هذه الحلقة الذكورية المفرغة متهم بالتستر على القتلة، والجميع هنا مشاريع قتلة موقوتين”.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني