كيف نعيد الاعتبار للسردية الفلسطينية في وعي الغرب؟

مهم جداً أن نمتلك إطار رؤية يستند إلى مسألة الحق في الوجود للشعب الفلسطيني، بدون الدخول في إشكاليات الحل المستقبلي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بقدر التركيز على مسألة أن الشعب الفلسطيني له سردية قد تم تغييبها ولا بد من استعادتها والتركيز عليها.

قد يبدو السؤال ساذجاً، بعد عقود طويلة على اندلاع الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن لو أمعنا النظر في التغييرات الثقافية والسياسية الحاصلة داخل المجتمعات الأوروبية وفي أميركا أيضاً، فلسوف نتلمس تشكّل منظور جديد، سياسي- ثقافي قائم على ضرورة تأسيس وعي أخلاقي لمأساة الشعب الفلسطيني، وعي بات يسمي الأشياء بأسمائها. أليست حرية بنا الاستفادة من المناخ  الثقافي والإعلامي الجديد في أوروبا وأميركا والذي بدأ يتحدث عن إسرائيل ويستخدم مصطلحات من قبيل: التطهير العرقي؛ سرقة الأرض؛ التمييز العنصري؛ مقاطعة البضائع الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات، وغيرها. 

كيف تمكن إعادة الاعتبار للسردية التاريخية للشعب الفلسطيني في وعي الغرب، حتى يتم استحضارها في وجدانهم؟ 

أعتقد أن هذه مهمة كبيرة، ولا تمكن الاستهانة بها، فالموضوع يحمل الكثير من التعقيد والإشكاليات التاريخية، ناهيك بضرورة تقديم إجابات مستقبلية لكيفية حل الصراع، على أن تؤخذ في الاعتبار الحالة الوجودية للإسرائيليين وأيضاً للفلسطينيين أينما كانوا.

أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتركز مضمون الرسالة الإعلامية الموجهة للغرب على تأكيد وحدة القضية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني في كل مكان واحد، ومصيره واحد، وأن تحمل الرسائل الموجهة للغرب بعداً مركزياً يشدد على السردية التاريخية للشعب الفلسطيني، وأن له مصيراً واحداً، وأن للتاريخ حقيقة واحدة لا حقيقتين.

ويبدو مهماً أن تحمل أي سردية أو رسالة إعلامية رسالة مفادها أن فلسطين هي قضية شعب تعرض لاستعمار استيطاني إجلائي إحلالي… هذه واقعة تاريخية مسلم بها بالنسبة إلينا، لكنها  ليست واضحة للآخر/ الغرب، كما يظن البعض. 

مهم جداً أن نعي أن وضوح القضية الفلسطينية وعدالتها وأخلاقياتها بحاجة إلى جهد ومثابرة كبيرين، لكي تصبح كذلك في وعي الآخر/ الغرب. الوضوح دون عمل لا معنى له، وبالتالي لا جدوى يرتجى من الأيديولوجيا أو الوعي المستقيم إن صح التعبير. 

كيف يمكننا أن نعيد المكانة لسردية الشعب الفلسطينية لتكون قضية العالم أجمع ومنه الغرب، بدل أن تكون مسألة سياسية بحتة، أي مجرد صراع سياسي قائم على الاختلاف والخلاف حول الحدود وما شكلّته النكبة الثانية أي ما سمي عربياً بنكسة حزيران 1967.

المفتاح بقدر ما هو بسيط، لكنه بالغ التعقيد. المفتاح هو حق الفلسطينيين في الوجود، والوجود لا يتحقق إلا بالانتماء إلى الأرض، وتحقيق الانتماء يتحقق بإقرار حق العودة، حتى وإن كانت مستحيلة التحقق راهناً.  ولن يكون ثمة حل منطقي للقضية الفلسطينية، إذا لم تعالج القضايا بشموليتها ولا أقول حلاً عادلاً، فلن يتحقق العدل أياً كانت الحلول المطروحة. 

لا بد من ملاحظة أن الغرب لا ينظر إلى قضية الشعب الفلسطيني على أنها قضية شعب طُرد من أرضه، بل باعتبارها مسألة صراع أو خلاف أو نزاع حول حدود متنازع عليها مع إسرائيل؛ الكيان الذي تأسس على أنقاض المجتمع الفلسطيني بعيد نكبة فلسطين عام 1948. 

ولا ننسى أن “منظمة التحرير الفلسطينية” هي التي دخلت في مفاوضات مع إسرائيل، ونقلت قضية فلسطين من كونها قضية إلى كونها مسألة سياسية.

فوق هذا وذاك، ونتيجة الصراع الفلسطيني- الفلسطيني، بات المشهد الفلسطيني أمام سلطتين متصارعتين على السلطة، واحدة في أجزاء من الضفة الغربية، والثانية في قطاع غزة، والسلطتان خاضعتان للسيطرة الإسرائيلية، الأولى عبر التنسيق والتعاون الأمني، والثانية محاصرة براً وجواً وبحراً، وتوهم نفسها أنها تمتلك سلطة، من دون أن تكون لها سيادة بالمعنيين القانوني- السياسي، والوجودي- المادي.

إذاً ما الحل؟ لا أحد يملك رؤية للحل، لكنني أعتقد أننا إذا انطلقنا من وحدانية الشعب والأرض والقضية، فإننا سنجد روابط ومسارات يمكن أن نوجه من خلالها رسالتنا إلى الغرب، وأن يكون خطابنا واضحاً كالشمس، بسيطاً كالماء.

مهم جداً أن نمتلك إطار رؤية يستند إلى مسألة الحق في الوجود للشعب الفلسطيني، بدون الدخول في إشكاليات الحل المستقبلي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بقدر التركيز على مسألة أن الشعب الفلسطيني له سردية قد تم تغييبها ولا بد من استعادتها والتركيز عليها. 

ففي أراضي الـ48، ينشط الفلسطينيون ضد التمييز العنصري، ويناضلون ضد سياسة الأبرتهايد الإسرائيلي، وفي أراضي الـ67  يتركز المسار السياسي على التخلص من الاحتلال. أما لدى فلسطينيي الشتات واللجوء، فإن مفتاح الحل يكمن في طرح شعار العودة، والمثابرة عليه. 

من جانب آخر، علينا أن نأخذ في الاعتبار الخصوصية القطرية لكل دولة أوروبية، إذ لا يجوز أن نتعاطى مع الغرب على أنه كتلة واحدة، فلكل دولة  توجهات مختلفة إزاء القضية الفلسطينية.

إقرأوا أيضاً:

ثمة إشكالية سياسية تواجهنا حين نريد التوجه إلى الشعوب الأوروبية،  وهي أن الجاليات العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً، لا تمتلك بنية مؤسساتية واضحة المعالم، كما أنها لم تستطع أن تبلور خطاباً متجانساً، بل تعيش حالة من التشظي المستنسخ من تجارب المقاومة الفلسطينية. وليس خافياً على أحد أن معظم المواقع الإعلامية الفلسطينية يتبع لهذا التنظيم أو ذاك.

قد يرى البعض أن خطاباً أوروبياً ينتشر في الأوساط الأكاديمية الأوروبية ويدعو  إلى إحياء طرح إقامة دولة واحدة علمانية ديموقراطية، باعتباره الحل الأمثل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. ربما يشكل هذا الطرح مستقبلاً مدخلاً لمقاربات سياسية لحل الصراع، لكن من المهم التعامل مع الطروحات والمواقف الصادرة عن أكاديميين ومثقفين أوروبيين، حتى لو كانت نخبوية، بجدية واهتمام شديدين، مع تأكيد أن هذا الطرح لا يستقيم  إلا على أنقاض الصهيونية الأبارتهايد الإسرائيلي، وليس معهما. 

المهم في هذه المرحلة تعزيز مسألة التضامن الأوروبي الشعبي مع فلسطين والفلسطينيين باعتبار أنه تم توصيف إسرائيل للمرة الأولى على أنها دولة أبارتهيد عنصري (بالعودة إلى تقريري “هيومان رايتس ويتش”، و”تقرير بتسليم”).

الانطلاق من كون إسرائيل دولة عنصرية هو المدخل لاستعادة الاهتمام والتركيز على القضية الفلسطينية، لا سيما أنها القضية الوحيدة في العالم التي لم ينل شعبها الحرية والاستقلال والحق في العودة. 

وأعتقد أن دور الشباب الفلسطيني هو أساس أي تحرك نحو الغرب، فهم محركو الثورات وهم  الطاقات التي تمتلك  مفتاح التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة وتستطيع فهم العقلية الأوروبية والمزاج الأوروبي وبالتالي  يمكن أن تحدث تغييراً في وجهة نظر الغرب، إزاء فلسطين والفلسطينيين، هم وحدهم وليست الأطر السياسية الفلسطينية المهترئة.

وليست قضية الشيخ جراح بعيدة من البال، وهي كان محركها الشباب في كل بقاع الأرض من أوروبا إلى الأميركتين، وصولاً إلى القدس وحيفا ورام الله وغزة، واستطاع هؤلاء إيصال الحقيقة للعالم بأسرع وأبلغ وسيلة، وظهرت للعالم أجمع حقيقة أن ما يحصل في حي الشيخ جراح هو تطهير عرقي بامتياز. 

وسائل التواصل الاجتماعي لها دور بالغ الأهمية اليوم في استعادة السردية الفلسطينية، إذ نستطيع عبر هذه الوسائل أن ننقل السردية الفلسطينية من دون رقيب أو رئيس تحرير، أو مقص أو “فلتر”…

كما أنه من المهم دراسة الأبعاد الاجتماعية  والقانونية لمسألة معاداة السامية، لأن إسرائيل ومن يدعمها إعلامياً وسياسياً، يوجهون تهمة معاداة السامية لأي شخص أو جهة تنتقد السياسات الإسرائيلية.

التنسيق مع BDS (حركة مناصرة لحقوق للفلسطينيين تدعو إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها) مهم، وكذلك  التعاون مع الأحزاب الاشتراكية والليبرالية، وأن تكون الخطوات مدروسة مع منظمات مدنية مجتمعية أوروبية. 

تنتشر حملات وشبكات وجمعيات فلسطينية في بلدان أوروبية عدة، لكن المطلوب هو التعاون ما دام الهدف واحداً، كل من موقعه يساعد في إطار التضامن، حتى الاعتراف بسرديته المغيبة. 

لا بد من وجود منهجية عمل دائمة لا مجرد خطوات وقتية تحرّكها ردود الفعل على أحداث سياسية. العمل الدائم والدؤوب، وإن كان بسيطاً ومتواضعاً، إلا أنه يمكن أن يحقق نتائج مهمة على المدى البعيد. العمل الدائم هو بمثابة الغراء لتماسك الجهات التي تعمل مع بعضها بعضاً، سعياً لاستعادة السردية الفلسطينية وتثبيت حضورها شعبياً وسياسياً في الوعي الغربي. دون أن نعي أن وضوح القضية الفلسطينية وأخلاقياتها بحاجة إلى جهد ومثابرة كبيرين، لكي تصبح كذلك في وعي الآخر/ الغرب، سيبقى عملنا بلا معنى، فلا مجال لإعادة إحياء السردية الفلسطينية في وعي الغرب من دون أن نعيد وبشكل بنيوي ومنهجي، تشكيل عقلنا السياسي المتشكل على تقديس التجارب لا نقضها، فبقدر امتلاكنا عقلاً ناقداً، نستطيع تثبيت سرديتنا المغيبة في وعينا، وفي وعي الآخر، أياً كان هذا الآخر، أوروبياً، أميركياً وحتى إسرائيلياً. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني