كم جريمة يمكن أن يُتهم بها السيسي؟

مقاربة الرئيس، محيرة، بقدر ما هي صادمة، فما تكشفه عن نمط التفكير المسيطر مفزع خاصة إذا نُظر إليها في ضوء تصريحات متكررة له "الفلوس أهم حاجة في الدنيا"، فهو يضع جدارا فاصلا وقطعيا بين المشاكل والهموم الاقتصادية والاجتماعية، وبين قضايا حقوق الإنسان.

هناك اتهام واضح لا يحتاج إلى شرح؛ فالمقطع المصور متاح للجميع تحت هذا العنوان: مستعد أعمل انتخابات كل سنة.. الرئيس السيسي: لو الناس في مصر مش عايزاني.. امشي على طول”

كلام السيسي أتى في سياق منتدى شباب العالم الذي عقد في مصر مؤخراً.

النصوص الدستورية قاطعة؛ فالمادة 140 تنص على أنه “يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات”، أما النص القانوني فهو المادة 86 مكرر من قانون العقوبات المصري، وبموجبها يكون الرئيس عبد الفتاح السيسي متهما بارتكاب جريمة “تعطيل أحكام الدستور”، وعقوبتها؛ في حال تم توجيه الاتهام والمحاكمة، السجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات.

المادة المذكورة من قانون العقوبات تعاقب كل من روّج بالقول أو الكتابة أو بأية طريقة أخرى لتعطيل أحكام الدستور، وهو الفعل الذي قام به السيسي علانية، وعلى الهواء مباشرة، في جلسة من جلسات مؤتمر الشباب، والتي حضرها عدد من الصحفيين والإعلاميين الأجانب، في مدينة شرم الشيخ، قبل أيام.

الاتهام الثاني يحتاج بحث، وهو المتعلق بتكاليف الانتخابات الرئاسية، وهو بلا شك متضمنا في الاتهام بتعطيل الدستور.

الاتهام الثالث يحتاج خبرة قانونية عميقة، لتفسير مسألة الـ 50 مليار دولار كي “يُخلي” الرئيس سراح المصريين للتظاهر، لكن يمكن تقديم المساعدة لمن سيذهب في هذا الاتجاه، فعليه أن يبحث في مواد الباب الخامس من قانون العقوبات المصري، أي القبض على الناس وحبسهم بدون وجه حق، فالرئيس السيسي كان أقرب لمن يطلب “فدية” كي يسمح للمصريين بالتظاهر، هكذا بدت تعبيرات وجوه الصحفيين والإعلاميين الأجانب وهم يصغون مندهشين لمضيفهم، الذي أسرف ببذخ بدعوته هذا العدد الهائل من 190 دولة.

بقى من المسائل الدستورية والقانونية ضرورة تذكر أن السلطتين التنفيذية والتشريعية تتقاعسان عن سن قانون إجراءات التحقيق ومحاكمة الرئيس، الذي نصت عليها المادة 159 من الدستور. 

الجوانب السياسية من المسألة لا حصر لها. فعلى سبيل الجدل سيُفترض أن الرئيس كان يقدم مسألة التظاهر وتداول السلطة والانتخابات في إطار أوسع وهو علاقات مصر بعدد من حكومات دول العالم التي تحرص في اتصالاتها الرسمية مع المسئولين المصريين على إبداء ملاحظات في هذه القضايا، ضمن غيرها، وأنه أراد بعث رسالة للجميع مفادها: أدفعوا أولا، فلو أن عددا من دول العالم قدم الـ 50 مليار دولار كي يسمح الرئيس للمصريين بالتظاهر، فما الذي هو على استعداد لفعله لو قدمت أكثر؟، ألا يبدو الرئيس وكأنه يعرض البلد والمواطنين في مزاد علني؟

لا يداخل الشك أي مستمع أن الرئيس يتصرف على أنه هو الدولة، بكل أجهزتها ومؤسساتها، وأنه لا شيء بعيد عن إرادته، فإن الصورة التي يقدمها للعالم تمثل إهانة بالغة لكل مصري، إذ يرى الرئيس يعرض “السيادة” في مزاد، وإذ يقول: ادفعوا ثمن حرية المصريين”، الواقع أن التوصيف المناسب لا يُعثر عليه إلا في زمن العبودية الصرفة.

يكرر الرئيس التأكيد أنه يتحدث جديا، وعلى سبيل الجدية: هب يا سيادة الرئيس أن الـ 50 مليار دولار أصبحت بيدك، فماذا ستفعل إذا لم يخرج المصريين للتظاهر؟، جديا، ماذا ستفعل؟

مقاربة الرئيس، محيرة، بقدر ما هي صادمة، لكنها ليست أبدا في مجال التندر والهزل، فما تكشفه عن نمط التفكير المسيطر على الرئيس مفزع، خاصة إذا نُظر إليها في ضوء تصريحات متكررة له “الفلوس أهم حاجة في الدنيا“، فهو يضع جدارا فاصلا وقطعيا بين المشاكل والهموم الاقتصادية والاجتماعية التي تمثل تحديا حقيقيا وكبيرا في مصر، وبين قضايا حقوق الإنسان، وبهذا يصبح من منظوره أن تلبية أحدها لا بد أن يمنع الآخرى، ولهذا فإن من يقول “الحرية أهم من أي شيء آخر” يصبح في نظره عدوا، أو على الأقل عائقا أمام ما يراه مشروعا لبناء دولة جديدة. 

يظهر السيسي في تقديره المالي مهموما بمطلق الأموال، غير معني كثيرا كيف تأتي أو ماذا سيقدم مقابلها، فإذا كانت انتخابات الرئاسة في أي بلد هي من صميم أعمال السيادة التي لا تقبل المساومة، فإن عرض الرئيس يعزز بذور الشك في كل سياساته، من تيران وصنافير إلى اتفاقيات الغاز إلى سد النهضة. ويجعل من الطبيعي السؤال: ماذا قدمت مقابل المنح والمعونات التي قدمتها دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؟، وغيرها بالطبع.

وإذ لا يداخل الشك أي مستمع أن الرئيس يتصرف على أنه هو الدولة، بكل أجهزتها ومؤسساتها، وأنه لا شيء بعيد عن إرادته، فإن الصورة التي يقدمها للعالم تمثل إهانة بالغة لكل مصري، إذ يرى الرئيس يعرض “السيادة” في مزاد، وإذ يقول: ادفعوا ثمن حرية المصريين”، الواقع أن التوصيف المناسب لا يُعثر عليه إلا في زمن العبودية الصرفة.

وبصورة إجمالية، ولا مبالغة فيها، فإن الدقائق الخمس التي تحدث فيها الرئيس السيسي عن الانتخابات الرئاسية وحق التظاهر، وأيا ما كانت طرق تأويلها، تؤكد أن البناء الدستوري والقانوني المصري لا قيمة له عند الرئيس، والأكثر تأكيدا أن لا قيمة للمصريين جميعا بالنسبة له، إذ ينظر إليهم على إنهم قاصرون عن إدراك طبيعة الحياة الحديثة بكل متطلباتها، وتعقيدها، أو أنهم؛ في أحسن الفروض، لم يصلوا بعد، أو حتى يستحقوا، أن يكونوا مثل غيرهم من شعوب العالم متمتعين بحقوقهم الأساسية كافة، دون مفاضلة بين حق وآخر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني