جدل “أردنيات” مستمر:
إثارة هواجس التجنيس لتمرير تعديلات الدستور؟

يخشى البعض من أن إضافة عبارة "الأردنيات"في الدستور سيفتح الباب أمام تجنيس قرابة نصف مليون غير أردني من أزواج وأبناء أردنيات، لا يحق لهنّ قانونا نقل الجنسية لأفراد أسرهن، بخلاف الرجل المقترن بعربية أو أجنبية. 

“قضية واحدة في الأردن يتفق عليها التقدمي مع المحافظ، والإسلامي مع الليبرالي، والسلطة مع المعارضة؛ حقوق النساء!”.

كتبت المحامية والحقوقية الاردنية هالة عاهد تعليقاً على السجالات الحاصلة في الأردن في الآونة الاخيرة، إذ يختلف الخصوم في كل شيء، لكنهم يتفقون على عدم منح المرأة حقوقها.

ففي الأردن، لم يهدأ السجال احتجاجاً على تعديلات دستورية تعزّز صلاحيات الملك وتقفز فوق الولاية العامّة للحكومات المتآكلة أصلاً منذ عقود. وتستمر المماحكات والاحتكاكات السياسية التي انتقلت من “حلبة” مجلس النوّاب – التي وصفت بأنها “جلسة ملاكمة”- إلى منصّات التراشق الرقمي، في بلد تغيب الشفافية عن معظم وسائط إعلامه ويطارد شعبه قنوات العالم الافتراضي بحثاً عن الحقيقة. 

فبموازاة توسيع صلاحيات الملك، اشتد الخلاف في الآونة الأخيرة حول تعديل يقضي بإضافة مفردة “أردنيات” بعد “الأردنيين” إلى البند الثاني من الدستور؛ بحيث يصبح العنوان “حقوق الأردنيين والأردنيات وواجباتهم”.

قدح هذا المقترح شرارة تلاسن حاد بين رجال تشريع تحت أنظار نظيراتهن  ودهشتهن حيال الغضب من إلحاق المؤشر الجندري إلى النص الدستوري، بعد 70 سنة على ولادة دستور الملك طلال.  

لا يزال الأردنيون يناقشون بغضب وسخرية أحياناً ما تابعوه من نقاش  تحول إلى عراك بالأيدي وتبادل لكمات بين عدد من النواب بسبب عدم التوافق على إدراج كلمة “أردنيات”.

شبح “التجنيس”

المفارقة أن إدخال كلمة “أردنيات” لم يحصل بسبب قناعة مشتركة بضرورة معاملة النساء على قاعدة المساواة بوصفهن مواطنات لهن حق التعامل القانوني والدستوري بالمثل، فالخلاف أتى بين راغب بتعديلات “شكلية” وآخرين لا يريدون ما تستبطنه هذه الإضافة من إقرار واعتراف بحقوق النساء ومشاركتهن في الحياة العامة في الأردن.

تباين الموقف من مفردة الأردنيات بين من عدّها إضافة نوعية شكلية ومن شكّك بإقحامها في النص الدستوري لـ”غرض في نفس يعقوب”، مثل استتباعها بتعديل قانوني الجنسية والأحوال المدنية بهدف “شقلبة” المعادلة الديموغرافية في البلد. 

يخشى البعض من أن إضافة عبارة “الأردنيات” في الدستور سيفتح الباب أمام تجنيس قرابة نصف مليون غير أردني من أزواج وأبناء أردنيات، لا يحق لهنّ نقل الجنسية لأفراد أسرهن، بخلاف الرجل المقترن بعربية أو أجنبية. 

مرد هذا الخوف هو أن أغلبية الآباء في هذه الفئة هم فلسطينيون، ما سيؤثر في المعادلة الديموغرافية في بلد يشكّل الأردنيون من أصول فلسطينية قرابة نصف عدد سكانه المقدر بسبعة ملايين ونصف المليون نسمة.   

تضم المروحة الرافضة لادخال كلمة “أردنيات”، مجموعات ترى في هذه العبارة امتثال لأجندات فرضتها اتفاقية “سيداو” حول حقوق النساء حول العالم والجمعيات النسوية.

التصريحات الحكومية حاولت امتصاص الغضب والنقمة من خلال مواقف استيعابية على حساب حقوق النساء، كي لا تغضب القوى التقليدية من عشائر وأحزاب دينية.

على أن التطمينات الحكومية لم تفض إلى تهدئة الأزمة، برغم تبريرات حكومة بشر الخصاونة في مواجهة اتهامات نيابية وشعبية واسعة، تشكّك بأن إضافة “الأردنيات” إلى الدستور تستبطن مخطّطات للتجنيس من خلال تعديلات لاحقة ستطاول قوانين الأحوال المدنية كالميراث والطلاق والحضانة والحرّيات الشخصية.

وسائل إعلام بأسقف نقاش محدودة ومضبوطة، قفزت عن آراء جموع المحتجين على إشكالية التعديل، واكتفت بسرد الرواية الرسمية والآراء المؤيدة لها. فتكفّلت مواقع التواصل الاجتماعي بنقل التعليقات المعارضة، فضلاً عن اعتصامات وبيانات حزبية وعشائرية، هاجمت التعديلات بما فيها تعديل عنوان الفصل الثاني من الدستور، وحذّرت من استمرار الاستخفاف بإرادة الأردنيين.

ففي مركز محافظة البلقاء، أعلنت مجموعة “أحرار مدينة السلط”، تنفيذ اعتصامات مفتوحة ومتجولة، الخميس من كل أسبوع، رفضاً لتعديلات الدستور وبيع أراضي الوطن ومؤسساته، بينما تجمّع عشرات من أبناء مدينة الزرقاء في وقفة احتجاجية حملوا خلالها نعشاً يحاكي جنازة وهمية، كتب عليه الدستور الأردني.

التفاف على المساواة

التعديلات الدستورية نفخت تحت نيران غضبة شعبية، كانت خامدة بفعل وعود الإصلاحات وأحلام تحديث المنظومة السياسية، وتشكيل حكومات حزبية مستقبلاً. كما عمّقت الشعور باتساع الفجوة بين الجانبين الشعبي والرسمي في البلاد، فتناسلت الاعتراضات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع. وبرز مجدداً النقاش حول حقوق النساء في الأردن اللواتي يواجهن تمييزاً وعنفاً مجتمعياً وقانونيا متجذراً في ثقافة تقليدية وقانونية مجحفة.

الانتقادات الغاضبة دخلت هذه المرّة منعطفاً جديداً بانضمام بعض من طالب بتعديلات دستورية إلى جيوش المعترضين. ناشطات حقوقيات ممن طالبن على مدى سنوات بمساواة المرأة بالرجل دستورياً، رأين أن إضافة مفردة “أردنيات” إلى عنوان الفصل الثاني في الدستور يشكّل “ضحكاً على الذقون”.

الناشطة الحقوقية هالة عاهد تشكّك عبر “درج” بانعكاس التعديل الخاص بالمرأة إيجاباً على أوضاع النساء في المملكة. فالحكومة – وفق وصفها- التفت على مطالبات إزالة البنود الدستورية التي تمايز ضد المرأة وتنتقص من حقوقها، بإضافة “أردنيات” بدلاً من إضافتها صراحة إلى البند السادس.

وتنص المادة السادسة في الفصل الثاني للدستور، “الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”.

وتستشهد عاهد بتطمينات الحكومة في مجلس النواب بأن التعديل شكلي يهدف إلى تكريم المرأة ويحقق لها مساواة نسبية، مستبعدة وجود نيّات حقيقية لمعالجة قضايا النساء وإزالة أشكال التمييز ضدهنّ.

وتعتقد بأن الحكومة أرادت بهذا التعديل “كسب تأييد المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان التي قدّمت توصيات بضرورة تعديل المادة السادسة من الدستور”.

إقرأوا أيضاً:

مساواة “لغوية”

الكاتب والمحلل السياسي باسل الرفايعة يرى أن التعديلات الدستورية كلها، تتصل “بانتهاك حقوق أساسية للمواطنين الأردنيين رجالاً ونساء، ولم تُدرج على هذا النحو لاكتساب حقوق إضافية للمرأة الأردنية، تم سلبها منها طوال عقود، والتمييز ضدها”.

فإضافة مفردة “الأردنيات”، وفق قوله لـ”درج”، جاءت “لتأكيد المساواة لغوياً، لكنَّ الاختلال الكبير في حقوق الأردنيات والأردنيين، لا تحقّقه اللغة والتأويل هنا، بقدر ما تجسده إرادة سياسية جادّة بالإصلاح والتقدم والتوقف عن الخوف من المستقبل، والإحساس الدائم بأنّ البلاد في حالة طوارئ”.

وهكذا لا تعني إضافة مفردة الأردنيات إلى الدستور شيئاً، وفق الرفايعة، بعدما عطّلت التعديلات المقترحة مبدأ “سلطة الشعب”، وألغت أي فرصة لحكومات برلمانية فاعلة، وذات سلطة فعلية، من خلال اقتراح مجلس الأمن القومي، الذي هو سلطة فوق كل سلطة. 

وحول مخاوف التجنيس، يستبعد الرفايعة، أن يشكّل التعديل مدخلاً للتوطين والتجنيس خارج القانون، لأنّ البعدين الدستوري والقانوني غائبان أصلاً في التعاطي مع هذه القضية، وخصوصاً حق الأردنية في منح جنسيتها لأبنائها وبناتها. ويرى أن التعقيد في هذه الحال سياسي، وليس قانونياً، بمعنى أنّ تأخير هذا الحق وتعطيله قرار سياسي، وهو أصلاً مخالف للدستور (قبل التعديلات المقترحة)، لأنه ينتهك حقاً إنسانياً أصيلاً.

وبينما يستمر النقاش حول التعديل الدستوري الخاص بالتمييز ضد الأردنيات، يعتقد نائب رئيس الوزراء الأسبق والناشط السياسي ممدوح العبادي أنه “جدال مفتعل” مدفوع برغبة الرسميين في تضييع البوصلة والإلهاء عن تعديلات خطيرة، حرفت جوهر الدستور، من حكم “نيابي ملكي وراثي”، إلى شبه ملكية مطلقة.

ويوضح العبادي لـ”درج”، أن التعديلات التي دسترت “مجلس الأمن والسياسات الخارجية”، أولى بالمعارضة، إذ اخترقت الدستور وأعادت الحياة السياسية الأردنية سبعين عاماً للوراء، وشوّهت العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني