أنور رسلان: سجّان بشار الأسد خلف القضبان إلى الأبد

هل ستتحقق العدالة خارج سوريا حصراً؟ وكأن لا مكان للعدالة في الداخل. إنها هواجس تلاحق السوريين الخائفين في الداخل والذين يواجهون كل يوم المزيد من القتلة الذين لا تشملهم أي محاسبة.

أنور رسلان اسم يستطيع السوريون استبداله بمئات الأسماء الأخرى من ضباط وسجانين ومحققين، اسم مرادف للموت والمعتقلات والقتل.

 أنور رسلان اسم آخر لبشار الأسد، للقتل والديكتاتورية والاغتصاب والمجازر، وهو بات اليوم خلف القضبان.  

إذاً تحققت العدالة لمرة واحدة، وربما سيتمكن الآلاف اليوم ممن عذبهم رسلان وممن شتمهم وقال لهم: “بدك حرية؟” ثم صفعهم، الارتياح قليلاً بانتظار عدالة ناجزة من خلال إسقاط ومحاكمة النظام الذي لا يزال متشبثاً بالسلطة على حساب أرواح آلاف السوريين!

فهل كان الحكم بداية للعدالة أم هو اعتراف بعجز العدالة الدولية عن إسقاط نظام الجريمة القابع في دمشق وملاحقة أذنابه الصغار!

بارقة أمل في ملف الشتات السوري

أنور رسلان العقيد السابق في الفرع “251” أو فرع “أمن الخطيب”، كان ضابطاً بارزاً في المخابرات السورية، وبعد تعذيبه أكثر من أربعة آلاف شخص وقتل 58 منهم، إضافة إلى ارتكابه حالتي عنف جنسي واغتصاب، قرر الانشقاق وقدم لجوء سياساً إلى ألمانيا، إلا أن العدالة التي تجاهلها في سوريا لاحقته إلى بلد اللجوء، ليتعرف إليه أحد ضحاياه، ويحاكم في كوبلنز غرب ألمانيا، بعد توقيفه عام 2019.

المحكمة العليا الإقليمية في كوبلنز، أعلنت الحكم بالسجن مدى الحياة بحقّ رسلان، وهو قرار يأتي بعد أكثر من عشر سنوات على الثورة السورية، ما يعيد  للسوريين بعض الأمل بتحقيق العدالة ومعاقبة من شارك في قتلهم وتشريدهم.

ووسط غياب شبه كامل للعدالة على مر أكثر من عقد هو عمر الثورة السورية وعمر الحرب والمجازر التي لم تنته حتى اللحظة، اعتبر عدد من السوريين أن الحكم بداية، فاعتبر عمر الشغري، المعتقل السابق ومدير ملف المعتقلين في “المنظمة السورية للطوارئ”، أن الحكم هو “إعادة تكوين للأمل” الذي يحتاجه كل شخص سوري، وعلى رغم أهمية الحكم إلا أنه لن يرمم الكسور والمعاناة التي عاشها المعتقلون وعائلاتهم، لكنه فرصة لتجديد الأمل، مشيراً إلى أن التوسع في تقديم أمثال رسلان للمحاكمة سيقدم إثباتات لدول العالم على أن النظام السوري هو مجرم حرب وبالتالي لن تطبع مستقبلاً دول مثل ألمانيا معه.

الحكم عنوان عجز عن العدالة!

الحقوقي السوري حسام القطلبي لـ”درج” يرى أن أهمية كوبلنز معنوية وأخلاقية، “إذ إنه أول حكم يصدر بحق أحد مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا منذ استقلالها حتى اليوم، إلا أن هذا الحدث بالنسبة إلى الفظائع التي ارتكبها النظام، لا يعد كافياً أو مهماً بما يكفي، أولاً لأنه لا يشكل بأي حال جزءاً من استراتيجية شاملة للعدالة، كما أن البناء عليه محدود للغاية، وثانياً لأن السوريين أنفسهم لا يمتلكون هذا المسار ولا يساهمون في صياغته إلا من خلال دورهم كشهود وضحايا، في مقابل الملكية الكاملة لمنظمات دولية وللقرار السياسي الألماني، وثالثاً لأنه يشكل عنواناً عريضاً لعجز العدالة الدولية أمام الملف السوري وتقديمها بدائل سريعة ومجتزأة كهذه المحاكمة، كما يشكل الحكم بحسب القطلبي جزءاً يتم تكريسه لمحاكمات بحق هاربين وخارجين تحت عناوين مختلفة من المنظومة والهيكلية الإجرامية في سوريا، وبهذه السياقات فالحكم هو عنوان عجز كبير عن العدالة بدل أن يكون عنوان انتصار لها.

أما عن تأثير الحكم في النظام السوري وحلفائه، فلا يعتقد القطلبي أن للحكم أي تأثير مهم على النظام وحلفائه، فهؤلاء يشعرون بنجاعة الحماية التي يؤمنها لهم البقاء داخل المنظومة نفسها بدل الخروج عنها والتعرض لمخاطر المحاسبة، مسلطاً الضوء على المشكلة الجوهرية في بنية العدالة الدولية وحقيقة ما تصنعه على أرض الواقع، إذ لا تقدم حتى اللحظة سوى حلول عاجزة مستعينة بالولاية القضائية العالمية لمحاكم محلية محدودة الصلاحيات والامكانيات ومرهونة بشكل بالغ لإرادة سياسية لدولها. 

من جهة أخرى يرى القطلبي، أن مسار المحكمة بإمكانه أن يكون قيمة مضافة لو تمكن السوريون من استخلاص تجربة قد تشكل “بروفا” مبكرة تدفع باتجاه بناء استراتيجية فعلية لملف العدالة في سوريا، وهذا يتوقف على القراءة الصحيحة للمحكمة وشهودها ودور المنظمات الدولية وأجنداتها والتأثير السياسي الدولي فيها والأطراف المختلفة التي تستثمر في مسار كهذا سياسياً وديبلوماسياً ومالياً، كما يركز على أهمية هذه المحاكمة كنموذج جيد للقياس عليه بما يخصّ حرية النقاش المتاحة والنقد الممكن، من دون إشهار السيوف وتصعيد لغة العنف التي تحتمي بعناوين كبرى وتابوهات مسبقة، بذريعة ألّا صوت يعلو فوق صوت المعركة، قائلاً إن العدالة يجب ألا تشكل مجالاً استثمارياً لمصالح خارج مبادئها ونصوصها، ما يحتاج إلى مناخ معين وفضاء حر لنقاش كل شيء، وهذا ما لم يكن دائماً متاحاً خلال مسار محكمة كوبلنز، حيث قوبل كل صوت ناقد أو دعوة إلى فتح النقاش بالإسكات والعزل.

إقرأوا أيضاً:

وماذا بعد؟

مع وجود 130 ألف مغيب قسراً في سوريا، تبدو العدالة عبر أنور رسلان غير مكتملة وهو ما ألمحت إليه الناشطة السورية وفا مصطفى ابنة المغيب قسراً على مصطفى منذ عام 2013. فقالت: “وماذا بعد؟” سائلة، متى سيحصل شيء حقيقي ينقذ المعتقلين والمغيبين كوالدها؟ وأشارت إلى أن أي عدالة في سوريا يجب أن تبدأ بإطلاق سراح جميع المعتقلين والمعتقلات من سجون الأسد والفصائل المسلحة.

وفي حين كانت ردود فعل السوريين متباينة على وسائل التواصل الاجتماعي إلا أن نوعاً من الحزن شاب معظمها، فأنور رسلان هو واحد من مئات القتلة في هذه المنظومة الديكتاتورية، فهل يتعرف السوريون إلى المزيد من أمثاله في أوروبا؟ وفي هذا السياق، دعا “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، إلى جميع السوريين في أوروبا والذين يملكون وثائق تدين أشخاصاً نكلوا بأبناء الشعب السوري، بالتوجه إلى المحاكم وتقديم جميع الوثائق.

هل ستتحقق العدالة خارج سوريا حصراً؟ وكأن لا مكان للعدالة في الداخل. إنها هواجس تلاحق السوريين الخائفين في الداخل والذين يواجهون كل يوم المزيد من القتلة الذين لا تشملهم أي محاسبة.

 أمّا أهالي المغيبين قسراً في الخارج، فأنظارهم لم تبتعد عن الداخل حيث تنبض قلوب أحبتهم أو ربما لا! آخرون يرون أنه وبعد كل الظلم الذي عانوه فإن محاكمة رسلان هي انتصار حقيقي، بعدما ظنوا أن لا أحد يسمعهم، وإذا كان اليوم دور رسلان… فقد يكون الأسد غداً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني