غرفة خاصة لرجل أعمال في ملجأ لليتيمات…
تفاصيل أكبر قضية انتهاك واستغلال جنسي في مصر

وفق شهادة فتاة تبلغ من العمر 13 سنة، "كان كل ما يحط ايده على جسمي أعيط... ولما يسألني انتي بتعيطي عشان بلمس جسمك؟.. كنت بخاف وأقول له: لا لا، أصل ماما وحشتني بس والله. بكذب من الخوف".

كانت تفاصيل الواقعة ملقاة على إحدى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي… دار أيتام في محافظة بني سويف المصرية تقدم فتياتها “القاصرات” لمالك الدار الشهير بكونه أحد أهم رجال الأعمال المستثمرين السابقين في الإعلام، وشريك جهاز المخابرات المصري في إدارة مجموعة قنوات كبرى. 

في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، اضطر مالك الصفحة المعنية بحقوق الطفل، “أطفال مفقودة” إلى نشر الواقعة بلا أسماء، بعد تجاهل وزارة التضامن الاجتماعي شكواه، المزوّدة بفيديو لفتيات الدار، وهنّ يوجّهن رسائل استغاثة لمن يهمه الأمر، حتى تقدم ببلاغ إلى النائب العام، الذي بدأ التحقيق في الواقعة مباشرة، وكشف النقاب عن اسم المتهم الأول، رجل الأعمال المصري، محمد الأمين، المالك السابق لمجموعة قنوات “سي بي سي”، والضحايا كثيرات على مدار سنوات، لكن 3 منهنّ كن كلمة السر في كشف اللغز، الذي يدور حول الدار ورجل الأعمال وميوله منذ سنوات. 

تتراوح أعمار الفتيات الثلاث ما بين 13 و17 سنة، فوجئن بقرار نقلهن من إحدى دور الأيتام في الجيزة إلى أخرى في بني سويف، تحمل اسم “الأيدي الأمينة”. بدا القرار لهنّ عادياً، نقل من دار إلى دار ومن محافظة إلى أخرى، لكن ما حصل كان مختلفاً، وجدن أنهن نقلن إلى “فيلا” خاصة في الساحل الشمالي، المعروفة بكونها مملكة الأثرياء في الإسكندرية. 

وفي الساحل الشمالي، قابلنْ رجلاً في سن جدهنّ. بحسب شهادات الفتيات، كان يطلب منهنّ أشياء غريبة، طلب منهنّ خلع ملابسهن القديمة والحجاب، وأعطاهن “شورت” و”بيكيني”، وطلب منهن مناداته بـ”يا بابا”، ويحتضنهنّ مع كل لقاء. تقول إحداهنّ: “لم نتخيل أن أي أب ممكن يعمل مع بنات في عمر بناته كده”، وكأنّ الدار أنشأت لغرض جلب فتيات للاستغلال الجنسي إلى فيلا مالكها.

“عرض عليّ الزواج العرفي”

وفق شهادة فتاة تبلغ من العمر 13 سنة، “كان كل ما يحط ايده على جسمي أعيط… ولما يسألني انتي بتعيطي عشان بلمس جسمك؟.. كنت بخاف وأقول له: لا لا، أصل ماما وحشتني بس والله. بكذب من الخوف”. وتضيف: “لما لقاني بعيط كتير جابلي ورقة وقال لي تعالي امضي على الورقة دي وتبقي مراتي… كانت الورقة عقد جواز عرفي”. 

شهادة أخرى تقول إن رجل الأعمال محمد الأمين أحضر “سمَّاعات” في غرفته في الدار، حيث كان يبيت 3 ليالٍ بحجة الاهتمام برعاية الفتيات، على عكس الشائع، فليس منطقياً أن يبيتَ رجل أعمال وملياردير في دار أيتام للفتيات داخل غرفة مجهّزة بكل وسائل الراحة، حتى وإن كان مهتماً إلى هذا الحد، وبحسب الشهادات، كان غرضه من المبيت في الدار خبيثاً.

تروي إحداهنّ، بحسب البلاغ المقدّم للنائب العام المصري، أنه أحضر سمَّاعات في غرفته وكان يطلب الفتيات ويجري مسابقة رقص بعد ذهاب مشرفي الدار إلى النوم: “يلا نشوف مين أحسن واحدة فيكم بترقص”. 

الفتيات، بحسب طقوس دور الأيتام، كن يحفظن القرآن، ويلتزمن بالحجاب وبعض التعاليم الدينية، وهو ما بدا غريباً عليهنّ، أن من يفرض عليهنّ الالتزام الديني، يستغلهنّ جنسياً ويدير مسابقات للرقص ولا يلتزم بما يقرّه عليهن، وكان صادماً أن يفرض عليهن الصلاة ويتوعدهنّ: “اللي مش هتصلي بانتظام هتتحبس 3 أيام في غرفتها، بدون خروج”.

عودة الفتيات من الساحل الشمالي إلى دار الأيتام في بني سويف كانت تعني بداية مرحلة جديدة من الاستغلال الجنسي. 

بدأ الرجل يتودّد لكلٍ منهن على انفراد، يطلب حضورهن إلى غرفته في الدار منفردات، ويحاول مع كل واحدة على حدة… يضع يده على كتفها، ثم رقبتها ثم يحاول تقبيلها ويجتاح الباقي من جسدها إن خافت وصمتت، حتى إنه كان يذهب إلى غرفهنّ أحياناً ويوقظهنّ من النوم ويطلب منهن الحضور للجلوس معه في غرفته الخاصة. أمَّا التي ترفض ذلك، وترفع ذراعه أو تصدّه، فكان يبدي لها وجهاً آخر بدلاً من الوجه الحنون الحالم و”المصاب بالهياج أحياناً”، ويأمر المشرفين بتكديرها، أو حبسها في غرفتها لأيام من دون خروج، والتفتيش عن أي خطأ لها لعقابها، وتهديدها بإرسالها إلى “الأحداث”.

ومؤسسة الأحداث هي مؤسسة عقابية لمن لم يبلغوا السن القانونية، تُدار بالتعاون بين وزارتي الداخلية والتضامن الاجتماعي، ويودع فيها الأطفال الذين ارتكبوا جرائم جنائية حتى نظر قضاياهم أو بغرض إصلاحهم ورعايتهم، وتوازي السجون لكن أعمار جميع نزلائها أقل من 18 سنة، وتُعتبر شبحاً مرعباً في مصر يخيف أي طفل يثير شغباً في المدرسة أو دور الرعاية، إذ يتم تهديد الصغار بها طوال الوقت في المؤسسات التي تستضيفهم، سواء كانت دور أيتام أو دور رعاية اجتماعية، أن يتم تلفيق أي جرائم لهم، وإرسالهم لـ”الأحداث” بينما لا يفهمون أن دخول “الأحداث” بقضايا ملفّقة ليس سهلاً إلى هذا الحد، وهو ما دفع فتيات دار أيتام “الأيدي الأمينة” للصمت وتقبل الوضع.

مستعمرة محمد الأمين… اعترف باصطحاب “اليتيمات” إلى الساحل الشمالي!

أصيبت الفتيات بحالة هلع، فمن تجلس وحدها، يجيء الرجل ليحاولَ معها، وبعد أشهر من البقاء في “مستعمرة محمد الأمين” أصبن بحالات نفسية مختلفة، وقلق من الخوض في أي حديث يخصّ الجسد أو الجنس وضغوط وتوتر، وشعور بالفزع الشديد، بحسب التقرير النفسي الذي أعده مركز التوجيه والإرشاد النفسي في محافظة بني سويف. 

تتطابق شهادات الفتيات، المقدمة في بلاغ للنائب العام، مع أقوال 9 فتيات من نزيلات دار أيتام “الأيدي الأمينة” في بني سويف، خلال التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة، إذ أكدن قيامه بالتعدي عليهنّ وهتك أعراضهنّ والاتجار بالبشر، وكان الرابط الوحيد بين جميع شهاداتهنّ، أنه مارس الجنس معهن بالقوة وهددهنّ حال كشف الأمر لأحد بنفوذه وكونه “واصلاً ونافذاً وقوياً في الدولة”، واصطحبهنّ إلى “الفيلا” الخاصة به في الساحل الشمالي، حيث بقي بعضهنّ معه أسبوعاً اعتدى خلاله عليهنّ جنسياً، ومارس أعمالاً مخلة. 

لم يعِ الأمين، وهو ينكر عن نفسه الاتهام ويشكك فيه ويقول ببطلانه، أنه يثبّت الاتهام أكثر، ففي اعترافاته خلال جلسة تجديد حبسه، قال: “أنا أعامل بنات الملجأ كما أولادي الكبار والصغار تماماً”. ويأتي إلى النقطة التي روتها الفتيات، لكنه يرويها بشكل آخر يبرّئ ساحته: “دخلتهم بيتي وقعدتهم مع مراتي وولادي وخليتهم عايشين أحسن عيشة زي بناتي تمام” لتنتهي الجلسة بتجديد حبسه، فليس طبيعياً أو قانونياً أن يستضيفَ مالك دار رعاية، أطفالاً أو أيتاماً في منزله لعدم تضارب المصالح أو الاستغلال، إذ يكون الأمر، مهما كانت نياته سليمة، مشوباً بالشبهات. وفي حالة الأمين، بدلاً من أن ينفي الاتهام عنه، ضاعفه، فالرجل يعترف باصطحاب فتيات الدار إلى منزله، وهو ما يعني أنه يصدّق على إحدى المخالفات التي وردت في شهاداتهنّ. 

إقرأوا أيضاً:

وزارة التضامن الاجتماعي… موقف مخزٍ

تواصلت الفتيات مع أحد المسؤولين عنهن في وزارة التضامن الاجتماعي، وروين ما حصل قبل أشهر، في محاولة للتواصل مع الجهة الوحيدة التي يجب أن تتولى إنقاذهن، ونقلهن إلى دار أخرى، والتحدث باسمهنّ أمام النائب العام، إذا رغبن في تحريك دعاوى قضائية لاستغلالهنّ جنسياً والتعدي عليهن، باعتبار الوزارة جهة حكومية لها تفاهم مع الجهات الأخرى التابعة للدولة، فما كان منها إلا محاولة “إخراس الفتيات” وإخفائهنّ، في تواطؤ صريح مع رجل الأعمال محمد أمين. فالرجل يتمتّع، منذ سنوات، بعلاقات عالية المستوى مع جميع الأطراف في الدولة، بدءاً من المخابرات العامة والحربية اللتين فتح لهما شبكة قنواته “سي بي سي” الأكثر شهرة في مصر، خلال العام الذي تولّى فيه محمد مرسي رئاسة الجمهورية حتى أحداث “30 يونيو” التي انتهت بالإطاحة به، وكان الإعلام شريكاً رئيسياً في تحريك الأحداث والتعبئة العامة ضد النظام الإخواني، مروراً بصفقة تنازله عن الشبكة، ومساهمته في صندوق “تحيا مصر” بأكثر من مليار جنيه مصري ساهمت في تعيينه عضواً في مجلس أمناء الصندوق السيادي التابع لرئاسة الجمهورية بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثم السماح له بإنشاء دار أيتام “الأيدي الأمينة”، برغم الشكوك التي تشوب ثروته التي توصف بـ”الهابطة من السماء”، واتهامه بالكسب غير المشروع، و”الانحرافات الجنسية” منذ عام 2015.

كان رد فعل وزارة التضامن الاجتماعي تجاه الفتيات مريباً، وكأنها تتواطأ مع الأمين في مخالفاته وتتستّر عليه، وتساعده على اغتصاب فتيات داره، فأقدمت على حبس الفتيات في مكان غير معلوم، ومنعتهن من الخروج لأكثر من شهرين، وتم عرضهن على اختصاصيين نفسيين للتشكيك في قواهن العقلية وصحتهنّ النفسية وصدق رواياتهنّ، إلا أن التقارير أثبتت العكس، فأكّدت تعرض الفتيات لصدمات نفسية وجنسية وحوادث تحرش. 

انتشرت قصة “فتيات الأمين” داخل وزارة التضامن الاجتماعي في القاهرة، لتصبح حجة على الوزارة التي تقف مكتوفة الأيدي أمام مالك دار أيتام، بل تشاركه جريمته بحق الفتيات المعنية بحمايتهنّ ورعايتهنّ. معظم الموظفين في ديوان الوزارة كانوا يتناقلون القصة كنميمة عابرة تشعرهم بالعجز تجاه الفتيات “المحبوسات” عقاباً لهنّ على كشف الجريمة التي وقعت بحقهن، وعدم التعرض للجاني، برغم مرور أشهر، حتى أقدمت الفتيات، مطلع كانون الأول، على حلق رؤوسهنّ اعتراضاً على ما يحصل: الحبس والعقاب، وعدم التقدم ببلاغ رسمي ضد الأمين. 

مراعاة لحساباتها السياسية وربما “المالية”، ضاعفت وزارة التضامن أوزارها بحق الفتيات، فبعد عجزها عن حمايتهنّ ورعايتهنّ بالشكل الذي تقتضيه الأمور، وترك غرفة نوم مجهزة لرجل الأعمال داخل دار للفتيات اليتيميات (على خلاف الأطر القانونية التي تعمل ضمنها دور الأيتام) في صمت من مشرفات الدار التابعات للوزارة، زادت قهرهنّ بمحاولة إثبات جنونهنّ بأوراق رسمية وتقارير صحية حتى تزيل الاتهام عن رجل الأعمال الشهير، وهو ما دفعها لإبقائهن حبيسات لشهرين، حتى تنتهي جميع المحاولات لإخضاعهن أو إصابتهنّ بلوثة عقلية حتى تصبح شهاداتهن عن الاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها محض أوهام.

وفي النهاية، لم تفتح القضية ببلاغ من وزارة التضامن الاجتماعي، بل ببلاغ من مالك صفحة على “فايسبوك”، ليحمّل الوزارة عبء الدفاع عن نفسها مجدداً، بعدما وجدت نفسها وسط فضيحة مدوّية، فبرغم تداول القضية منذ أشهر لم تصدر الوزارة قراراً بغلق دار “الأيدي الأمينة”، بل تركتها بجميع مشتملاتها من غرفة نوم رجل الأعمال وكذلك نظامها المُريب، حتى أصدرت قراراً راهناً بعد القبض على رجل الأعمال بإغلاق الدار وإلغاء التراخيص الكاملة لها ونقل 18 فتاة منها إلى مؤسسة اجتماعية أخرى، وبررت تأخيرها في بيان رسمي، قائلة: “لم يكن في مقدورنا الإعلان عن حجم المخالفات التزاماً منا بسير التحقيق والأمر الآن قيد التحقيق في النيابة العامة”.

ولأن “الأمين” يعرف تماماً ما يحصل، قال في كلمة ألقاها خلال التحقيقات معه: “أنا قدمت الكثير للدولة طوال السنوات الماضية”، وكأنه يوجّه رسائل مبطّنة برغبته في الحل الودي للقضية. 

يعرف كثيرون في مصر كيف ينتهي هذا النوع من القضايا، سقوط رجل أعمال ثم مساومته لتستمر القضية لمحاولة تأديبه والحصول على أكبر مكاسب ممكنة، ثم إطلاق سراحه وتبرئته، بخاصة أن ما حصل حتى الآن هو بلاغ يتم التحقيق فيه، ومن حق أي مواطن أن يقدم بلاغاً، ومن الطبيعي أن تنظره الجهات القضائية، وذلك ما يدفع إلى التشكيك في حسن نية الجهات التي حرّكت البلاغ، وتعاملت معه بجدية ضد “شريكها وصديقها القديم”، فاعتبر البعض– الذي أصيب بصدمة من لائحة الاتهامات والشهادات الهائلة والخيالية- الأمر خلافاً بين السلطة ورجل الأعمال على الغنائم ليس أكثر، وكأن النظام المصري يلتهم الجميع، فقد انتهى من شباب الثورة ثم الإخوان والآن يلتهم أتباعه حتى ينفردَ تماماً بخيرات البلاد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني