اللاجئون السوريّون في لبنان وأزمة العودة 

نحن في حاجة إلى خطاب جديد، يضع إطاراً لحماية اللاجئين وسلامة العودة كشرطٍ أساسي لاستقرار لبنان. لا يمكن ترك الحماية والحق في العودة الآمنة في أيدي الأحزاب السياسية التي ستستمر في استغلال اللاجئين لتعزيز مصالحها الخاصة تجاه النظام السوري.

“الشعب اللبناني، وليس السياسيّين، هم الحماة الحقيقيّون للاجئين”

أقاوم نفسي كثيراً وأنا أجلس لكتابة هذا المقال. لا أريد أن أتكلّم نيابةً عن السوريّين في لبنان، أو عن السوريّين  في أي مكان، وهم وحدهم يفهمون معاناتهم. اهتمامي بالحرب في سوريا منذ اليوم الأوّل كان للتركيز على تداعياتها السياسية على لبنان . لقد بذلتُ جهوداً كبيرة عند مناقشة الحرب السورية، للتركيز على دور حكومتي والسياسيّين في سوء التعامل مع الأزمة، وحسب. عملت كباحثة في هذا الملف، وفي سياق بحثي التقيت بسياسيّين بشكلٍ رسمي أحياناً وغير رسمي في أحيانٍ أخرى، ما جعلني على تماسٍ مباشر مع العقليّة التي تدير ملف اللاجئين في لبنان… 

كل ما كتبته وما قمت به هو انتقاد لكيفيّة استغلال أمراء الحرب الطائفيّين في لبنان أزمة اللاجئين، في أسوأ الأحوال، فيما لم يطوّروا في أفضل الأحوال سياسة قائمة على الحقوق تجاه أكثر من مليون لاجئ فرّوا من الحرب والتهديدات بالقتل في بلدهم. لكنني أشعر اليوم بأنني مضطرّة إلى التحدّث، ليس بالنيابة عن أحد، ولكن ربما دفاعاً عن السوريّين الذين فرّوا من الحرب والموت في محاولةٍ للاستقرار في لبنان.

ثلاثة أسباب تدفعني اليوم إلى التحدّث:

أوّلاً، ظهور الخطاب النيو- فاشي الجديد الذي بدأه وزير الخارجية جبران باسيل الذي يصوّر أزمة اللاجئين بطريقة “إمّا أو”: إمّا أن تدعم استقرار لبنان وسلامته، أو أنك تدعم العودة الطوعيّة للاجئين. إمّا أن تحب لبنان أو تدعم اللاجئين، ولا يمكن أن يوجد خيار ثالث أو موقف بديل يجمع الإثنين .
غير أنّنا في حاجة إلى خطاب جديد، يضع إطاراً لحماية اللاجئين وسلامة العودة كشرطٍ أساسي لاستقرار لبنان. لا يمكن ترك الحماية والحق في العودة الآمنة في أيدي الأحزاب السياسية التي ستستمر في استغلال اللاجئين لتعزيز مصالحها الخاصة تجاه النظام السوري.

ثانياً، الوضع القانوني المحفوف بالمخاطر بالنسبة إلي السوريّين الذين دخلوا من خلال سياسة الأبواب المفتوحة، إلا أنّ وضعهم القانوني يخضع لأهواء السياسيّين، وفي الفترة الأخيرة، لتوجّهات الأمن العام أيضاً. أي اقتراح حول عودة اللاجئين السوريّين هو قرار مسيّس بشكلٍ عميق ويهدّد السوريّين، بما أن شروط الأمان والطواعية مفتقدة بالكامل.
نحن في حاجة إلى خطاب يضع إطاراً لحماية اللاجئين كأولويّة دوليّة. يجب مناقشة حق العودة الآمنة، وسط صور المهاجرين الذين يموتون في البحر أو مئات شهادات الوفاة التي تحصل عليها العائلات في سوريا كل أسبوع.

ثالثاً، الخطاب حول نظام الأسد الذي يُظهره منتصراً. قد يكون الأسد هو الرئيس الفعلي، لكنه ليس منتصراً في أي حال من الأحوال، وسوريا لا تزال في حالة حرب دامية. إن توصيف النظام السوري كأنه العنصر الوحيد لضمان عودة اللاجئين يعرّض حياتهم للخطر. كما يدعونا ذلك إلى التشكيك في أخلاقنا كمجتمع لبناني، وكبشر، قبل أي شيءٍ آخر، والدعوات الأخيرة إلى العودة الفورية إلى المناطق المفترض أنّها آمنة تتعارض مع مبادئ مفوّضية شؤون اللاجئين ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية.

“من المؤكد أنهم أيضاً سيرغبون في المغادرة. السؤال هو كيف وبأي ثمن”

أقول هذا ليس للتخفيف من دور المفوّضية والمجتمع الدولي في ضمان العودة الآمنة، بل لدفعنا إلى التفكير في ظروف تلك العودة. نحن في حاجة إلى إعادة النظر في الواقع في سوريا في ضوء المذابح والهجمات الكيماويّة والقصف والمجاعات التي لا تزال تحدث. ونحن في حاجة إلى خطاب موجّه للاجئين ممّن لم يعتادوا الذهاب إلى مراكز فكريّة ومؤتمرات للتحدّث عن أنفسهم.

الشعب اللبناني، وليس السياسيّين، هم الحماة الحقيقيّون للاجئين. عندما تتحدّث الوكالات المانحة الدولية عن مرونة لبنان وحسن ضيافته، فإنها تتكلّم حقيقةً عن الشعب اللبناني والمجتمعات المحليّة وقد أبدت هذه المجتمعات المضيفة قدرةً هائلة على استيعاب اللاجئين وعلى ضبط النفس بالرغم من تردّي الأحوال الاقتصادية والأمنية. لم تظهر الحكومة اللبنانية أي سياسة لحماية حقوق هؤلاء خلال السنوات الماضية، وحتى لحظة كتابة هذا المقال ليس هناك في لبنان سوى حكومة تصريف أعمال. حان الوقت لأن نتحدّث صراحة حول الأمر ليس نيابةً عن السوريين، بل للتعبير عن حقيقة الأزمة. 

سل أي لبناني، رجلاً أو إمرأة، هل سيغادرون هذا البلد إذا سنحت لهم الفرصة، وسيقولون نعم على الفور. إننا من يجب أن يسأل، ماذا عن اللاجئين؟ إذا كانوا عالقين من دون الحق في العمل، التعليم، وحتى الحق في التنقّل بسبب حظر التجوّل المفروض في أكثريّة المناطق، فمن المؤكد أنهم أيضاً سيرغبون في المغادرة. السؤال هو كيف وبأي ثمن.

مغادرة لبنان لا يمكن أن تكون على حساب المخاطرة بحياتهم. من هنا، يجب رفض التعامل مع هذه الأزمة على قاعدة إعادة اللاجئين إلى تهديدات القتل. تتوقّف مشروعية العودة من لبنان على صياغة المنهج المناسب للتعامل مع النظام في سوريا. إنها أزمة مزمنة واللاجئون يدفعون ثمن سياساتنا المشرذمة والمنقسمة .

أتحدّث إلى السياسيين طوال الوقت في بيروت، ويخبرونني بأنهم فاقدون للأمل وينتقدون مواقف لبنان منذ بداية الثورة في سوريا. أشعر بالإحباط وأنا أحاول إقناعهم بأنه لا يزال بإمكانهم لعب دور ما في إدارة أزمة العودة. أعتقد أن الوقت قد حان للتوجّه إلى أنفسنا وإعادة التفكير في الأمور التي نقولها ونفعلها كل يوم والتي يمكن أن تعرّض حياة هؤلاء الناس للخطر.

إن السوريّين عالقون هنا، حتى إذا فرّوا إلى هنا بإرادتهم، فهم لا يستطيعون، حتى إذا كانوا على استعداد، أن يعودوا بأمان. وبينما هم عالقون هنا، فهم عالقون أيضاً تحت ذل نظام طائفي يميّز ضد شعبه ويحيل شبابه إلى المحاكمة بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعية. قد يكون توسيع ضيافتنا هو السبيل الوحيد لإنقاذ ليس اللاجئين السوريين وحسب، ولكن أيضاً وعينا في هذا البلد.

كارمن جحا هي أستاذة في الإدارة العامّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
ربيع فخري – باحث في علم الاجتماع
شكّل حديث المفتي الجعفري الممتاز عن نهاية صلاحية الميثاق الوطني عنواناً رئيساً لاستقراء معالم المرحلة المقبلة من الرسائل الحامية بين مكونات السلطة في لبنان.
محمد خلف – صحافي عراقي
“أصحاب نظريات المؤامرة يميلون إلى أن يكون لهم شيء واحد مشترك وهو إيمانهم بأن قوى سرية تحرك الأحداث الجارية حولهم وأنهم بالتالي لا يمتلكون مقدرة التحكم أو السيطرة على حياتهم”.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التمييز بين النظام وبين الفساد يكاد يكون مستحيلاً، فالسنوات المديدة التي جُعل خلالها النظام الحر اللبناني موظفاً لدى نخب الفساد وأهله وطوائفه ومذاهبه، أفضت إلى عملية تماه كلي بين طرفي المعادلة، أي الفساد والنظام، لا بل إلى علاقة أبوة ربطت الأول بالثاني.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القصة لم تبدأ من خطبة أحمد قبلان. موت الصيغة والميثاق والطائف واهتزاز الكيان بدأت معالمها تظهر منذ أمد بعيد. فتح الحدود لـ”حزب الله” للقتال في سوريا مثل نهاية لقصة لبنان الكبير.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هشام طلعت ومحسن السكري يعيشان أحراراً اليوم، فمن سيهتم لعدالة امرأة ابتذل كلام كثير حولها، وها قد مرت بضع سنوات كافية لينسى العالم أمرها، فليعد المقاول الى حظوته، وليخرج الضابط الذابح من سجنه.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني