حصانات رياض سلامة… التفلّت من التحقيق
برعاية المصارف والطبقة السياسية

ظهر الجسم القضائي في الأيام الأخيرة في أسوأ صوره: بين ربط قدرة القضاة على فرض قراراتهم بنوعيّة المظلّات السياسيّة التي يحظون بها، وقدرة السياسيين على كسر هيبة بعض القضاة وفرض تراجعهم عن قراراتهم.

لم تكن التحصينات الأمنيّة التي واجهت المتظاهرين أمام مصرف لبنان في  التحرك الاحتجاجي الأخير، سوى الترجمة الأمنيّة لكتلة الحصانات السياسيّة التي تحول دون تقفّي آثار ارتكابات حاكم مصرف لبنان على المستوى المحلّي، وخصوصاً تلك التي يتم التحقيق بشأنها في الخارج. 

فقبل يوم واحد من انطلاق الاحتجاجات، كانت 6 مصارف لبنانيّة تنظّم في وقتٍ واحد إحدى أوقح عمليّات الخروج الجماعي عن القانون، عبر رفض تسليم دوريّات أمن الدولة داتا حسابات شقيق حاكم مصرف لبنان رجا سلامة، وفقاً لطلب القاضي جان طنّوس، الذي يحقق في اتهامات الكسب غير المشروع وتبييض الأموال والاختلاس الموجّهة ضد الحاكم في الخارج. وبذلك، كانت هذه المصارف تمتنع عن تسليم القاضي المعلومات الكفيلة بتتبّع المصادر المحليّة للأموال التي تم تحويلها إلى أوروبا، والتي يشتبه المحققون الأجانب بانطوائها على جرائم جنائيّة ماليّة. باختصار، كانت الخطوة مجرّد تواطؤ متعمّد في سبيل إخفاء الحقائق التي يمكن أن تدين سلامة في حال الكشف عنها.

التعنّت في وجه القانون والقضاء

في واقع الأمر، كانت المصارف تشهر في وجه طنّوس ورقة السريّة المصرفيّة لتتمنّع عن تسليم هذه الداتا لدوريّات أمن الدولة، التي قامت بمهمّة طلب المعلومات بوصفها ضابطة عدليّة، وبحسب الأمر القضائي الموجّه لها. مع الإشارة إلى أنّ مسألة السريّة المصرفيّة هي تحديداً الحجّة التي استخدمتها المصارف على مدى أربعة أشهر، للتغاضي عن تنفيذ الأوامر القضائيّة المتتالية التي طلبت هذه المعلومات، فيما استخدمها رياض سلامة نفسه طوال سنة كاملة لتفادي تقديم الداتا المتعلّقة بحسابه الشخصي في مصرف لبنان. وبذلك، تحوّلت مسألة السريّة المصرفيّة إلى العائق الأساسي الذي فرمل التحقيق في حسابات رياض سلامة وشقيقه رجا، باعتبار أن تفسير الحاكم والمصارف قانون السريّة المصرفيّة يحصر الإطلاع على هذه الداتا والتحقيق فيها بهيئة التحقيق الخاصّة، التي يرأسها حاكم مصرف لبنان نفسه.

المفارقة الأساسيّة هنا تكمن في أن المتهم في أخطر أنواع القضايا الجنائيّة الماليّة، أي رياض سلامة، ومن تعاون معه في تنفيذ التحويلات داخل النظام المالي، أي المصارف الستّة، هم من ملّكوا أنفسهم صلاحيّة النظر في القانون وتفسيره، وصولاً إلى الامتناع عن تنفيذ طلبات القاضي الذي يحقق في القضيّة. وفي أي حال، من المعلوم أن المادّة السابعة من قانون السريّة المصرفيّة تنص على  عدم جواز التذرّع بسرّ المهنة المنصوص عنه في القانون، أي السريّة المصرفيّة، في وجه الطلبات “التي توجهها السلطات القضائيّة في دعاوى الإثراء غير المشروع”. أي بمعنى آخر، لم يمتلك سلامة ولا المصارف الحق في رفض طلبات تسليم المعلومات للقاضي طنّوس، لا بل لم يكن هناك ما يعطي هيئة التحقيق الخاصّة الحق الحصري في التحقيق بهذه المعلومات. 

في الواقع، لم تكتفِ المصارف بمخالفة القانون عبر التغاضي عن تقديم هذه المعلومات طوال الأشهر الماضية، بل بلغت حد قيام “بنك ميد” برفع دعوى مخاصمة الدولة في وجه القاضي طنّوس، لمجرّد تجرّؤه على طلب كشوفات حسابات سلامة. وبهذه الخطوة، التي أراد من خلالها المصرف إبطال طلب الكشوفات، تمت عرقلة التحقيقات لمدّة شهر ونصف الشهر، بعد كفّ يد القاضي موقتّاً بحسب القانون بانتظار حسم الموقف، إلى أن أصدرت الهيئة العامّة لمحكمة التمييز رفضها طلب المصرف في أواخر العام الماضي. وعلى رغم رفض الهيئة العامّة لمحكمة التمييز طلب “بنك ميد”، ما يعني تثبيتها حق القاضي طنوس بطلب كشوفات الحسابات، لم يتعاون أي من المصارف اللبنانيّة مع طلبات القاضي منذ بداية هذا العام، وهو ما فرض أخيراً إرسال دوريّات أمن الدولة للحصول على المعلومات.

ببساطة شديدة، ما قامت به المصارف من ناحية رفض طلبات القاضي طنّوس لم يكن سوى تعنّت في وجه نص قانوني صريح، وفي وجه قاض امتلك كامل صلاحيّة طلب داتا حسابات شقيق رياض سلامة. بل وبعد صدور قرار الهيئة العامّة التمييزيّة، التي أقرّت بوضوح امتلاك طنّوس هذا الحق، بات سلوك المصارف أقرب إلى سلوك المؤسسات المارقة التي ترتكب عملاً جرمياً صريحاً بعرقلة التحقيقات، وإخفاء الأدلّة التي يطلبها القضاء اللبناني. 

ولهذا السبب بالتحديد، يمكن القول إن ما تمتّع به رياض سلامة في وجه الملاحقات القضائيّة لم يكن حصانات القانون، الذي أجاز في واقع الأمر ملاحقة داتا حساباته وتقديمها للمحاكم المحليّة والأجنبيّة، بل حصانات سياسيّة سهّلت هذا الخروج المصرفي عن القانون.

إقرأوا أيضاً:

الحصانات السياسيّة الفجّة

بعد مداهمة دوريّات أمن الدولة أقسام المحاسبة في المصارف الستّة، وبعد تمنّع المصارف عن تقديم الداتا، وإصرار طنّوس على تنفيذ قراره، جاء دور المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات كأداة في خدمة الضغوط السياسيّة على القضاء اللبناني، لفرض تراجع طنوس عن موقفه. وهكذا، طلب عويدات من طنّوس إبلاغ دوريّات أمن الدولة بإلغاء مهمّتها، ملوّحاً بالتدخّل شخصيّاً وتوجيه هذا الأمر بشكل مباشر في حال عدم امتثال طنّوس. وبهذه الطريقة، توقّفت العمليّة بأسرها، بعدما كان طنّوس على وشك فرض استلام هذه الداتا التي ينتظرها القضاء اللبناني والمحاكم الأجنبيّة من خلال التدخّل الأمني المباشر على الأرض.

طلب عويدات الفج، لم يكن تبريره متاحاً من الناحية القانونيّة أو القضائيّة البحتة. فتدخّل المدعي العام التمييزي في قضيّة يحقق فيها مرؤوسوه ممكن لتسهيل عمل التحقيقات، أو تحديد نطاقها ومنع تداخلها مع ملف قضائي. لكن ليس هناك ما يفسّر تدخّل المدعي العام التمييزي بهذا الشكل، عبر عرقلة إجراء قضائي يهدف إلى جمع معلومات بالغة الأهميّة في ملف حسّاس، خصوصاً بعدما امتلك طنّوس الحصانة المطلوبة عبر قرار الهيئة العامّة لمحكمة التمييز، التي ثبّتت حقّه في الحصول على المعلومات.

سرعان ما تبيّن لاحقاً أن تدخّل عويدات لم يكن سوى استجابة لضغوط الرئيس نجيب ميقاتي، الذي وضع ثقله لفرض وقف عمليّة جمع المعلومات، مكرّساً المعادلة التي تربط وجوده في السلطة بالحماية السياسيّة الممنوحة لحاكم مصرف لبنان. مع الإشارة إلى أن ما قام به رئيس الحكومة هنا، وإن كان تحت عنوان الحفاظ على الأصول القانونيّة في التعامل مع القطاع المصرفي كما أشار لاحقاً، يندرج في إطار التدخّل السافر في عمل القضاء، وهو ما يضرب مبدأ الفصل بين السلطات، خصوصاً السلطتين التنفيذيّة والقضائيّة. ومن الناحية العمليّة، لا يوجد أي نص قانوني يفتح المجال لرئيس الحكومة للاتصال بالمدعي العام التمييزي، بهدف فرملة إجراء قضائي مهما كانت طبيعته.  

القضاة المحصّنون

في مقابل لي ذراع جان طنّوس، كانت القاضية غادة عون تصدر مذكّرة موجّهة إلى المديريّة العامّة للأمن العام، تقضي بمنع حاكم مصرف لبنان من السفر إلى خارج أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة برّاً وبحراً وجواً. وهذا القرار، تم ربطه بالمعطيات المهمة في ملف التحقيق الدولي نفسه، والذي يُعنى بتهم الكسب غير المشروع وتبييض الأموال والاختلاس الموجّهة إلى سلامة. لكن وبخلاف طنّوس، لم يُفرض حتّى اللحظة أي تراجع عن القرار الذي اتخذته القاضية غادة عون بحق سلامة، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بالمظلة السياسيّة العريضة التي تتمتّع بها عون التي يدعمها العهد، ما يسمح لها بفرض هذا النوع من القرارات وعدم التراجع بسهولة. كما يمكن تفسير سرعة سقوط قرار طنّوس، مقارنةً بصمود قرار غادة عون، بحساسية المعلومات التي كان من شأن قرار طنّوس أن يفضي إلى كشفها، والتي كان يمكن أن تؤدّي إلى توريط سلامة قضائيّاً بأدلّة قادرة على الإطاحة به، بينما يمكن إلغاء قرار عون في المستقبل بمعزل عن تداعيات صدوره المعنويّة في الوقت الحالي. 

في خلاصة الأمر، ظهر الجسم القضائي في الأيام الأخيرة في أسوأ صوره: بين ربط قدرة القضاة على فرض قراراتهم بنوعيّة المظلّات السياسيّة التي يحظون بها، وقدرة السياسيين على كسر هيبة بعض القضاة وفرض تراجعهم عن قراراتهم. أمّا النتيجة، فهي تمكّن حاكم مصرف لبنان من التملّص من استحقاق الكشف عن حسابات شقيقه المصرفيّة، وطمس الأدلّة التي كان يفترض أن تدينه في المحاكم المحليّة والأجنبيّة، مع الإبقاء على الثغرات الموجودة في التحقيقات الدوليّة بحقّه. وفي النتيجة، وطالما أن الجزء المتعلّق بمصادر هذه الأموال في لبنان لم يُكشف بعد، نتيجة عدم الكشف عن داتا حسابات شقيق سلامة، فمهمّة إدانة سلامة في المحاكم ستكون أصعب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني