من الذي قُتل أولاً… آيات أم المدينة؟

آيات بالأمس وآلاء اليوم، من  ضحايا مجتمع ذكوري بامتياز، فيما تسير فتيات أخريات على طريق الظلم وقتل النساء الذي لا نهاية له حتى الآن.

واستسلمت آيات في قبرها أخيراً لنوم هانئ غير عابئة بتغيير حفاضات ابنتها ولا بتوفير المياه الساخنة ولا إيجاد مفك البراغي الذي أضاعه والد زوجها، وحينها فقط سارع الجميع لنجدة النسوية المقتولة، مطالباً بالعدالة،  وجاء الرد سريعاً من الحكومة الساهرة على الأمن، فغطّى الإعلام المعروف بشفافيته التفاصيل بدقة وحرفية. أُدين القاتلون ونُصر أهل الضحية وبدأت التحقيقات في القضية خلال يومين كأسرع استجابة من قضاء عُرِفَ على الدوام بمهنيته.

هوجمت الذكورية واتّحدت كلمتنا وظهر رقينا على صفحات التواصل الاجتماعي. طالبنا بالقصاص من المجرمين واشمأزّت أنفسنا من العنف البغيض الممارس ضد المرأة، ثم صحونا بعد يومين لنمارس روتين حياتنا الاعتيادي، ويتزاحم الجياع على الدور في المخابز.  

لا فرق بين قتل امرأة وقتل مدينة.

عندما قُتلت دمشق” قتلاً غير متعمّد” لم يبحث أحد عن الأسباب، كل ما فعلناه هو اتّهام بعضنا بعضاً، كلنا مذنبون ومتستّرون على القاتل الحقيقي. 

آيات ولدت مقتولة في عائلة تعاني من الجوع والجهل وقلة الحيلة. تسلّم بناتها للقتل “غير المتعمّد” ثم تبكي على حظهنّ العاثر، آيات ولدت مقتولة في مدينة لا حقوق فيها لأحد.

تتلقى  النساء وهنّ الحلقة الأضعف أول الضربات وأقواها، ليختبئ الرجال خلف لحاهم الكثّة في محاولة أخيرة للحفاظ على الصورة المثالية للعائلة “المستورة”، لكن الصورة الحقيقية هي تفشّي العنف المفروض على كل تفاصيلنا، منذ بداية وعينا، حين كانت العصا أداة التربية الرئيسية بيد أولياء أمورنا. 

تحكّمت بنا أحكام الشريعة المفروضة منذ الأزل داخل المنازل وقد طولِبنا بتطبيقها مع تسليم كامل، هذا هو جوهر الإيمان، أمّا خارج المنازل فيحكمنا كل من هو أقوى منا،  هذا هو جوهر المواطنة. 

كل شيء من حولنا يمارس شكلاً من أشكال العنف، موظفو الخدمات العامّة العنيفون نتيجة قهرهم بسبب تدنّي أجورهم. الشرطي في الشارع يمارس العنف بسبب وقوفه بين السيارات طوال النهار، من دون أن تتحقق أحلامه المقتولة باقتناء سيارة، الجميع يمارس العنف حتى الكتلة البشرية التي تنتظر في مواقف الحافلات دورها، بعد يوم عمل شاق، تمارس حقدها على من سبقها واستقل وسيلة نقلٍ سواء أكان جالساً أو واقفاً  في إحدى حافلات النقل العام. 

العنف ركن من أركان حياتنا وسيبقى كذلك، يولد مع كبت الحريات وغياب العدل ويعيش  مع القهر في مكان واحد. 

ولإيقاف العنف لا تكفي المطالبة بأقسى العقوبات بحقّ الجناة الذين قتلوا آيات “عن غير قصد”، لا بد أولاً القضاء على ذكورية الدولة قبل محاصرة “الذكورية” المتغلغلة فينا، القضاء على تسلّط السلطة باعتبار الحقوق الرئيسية للمواطن “هبات” يمنون بها عليه حيناً، ويحرمونه منها أحياناً أخرى، القضاء على  انغلاق التشريعات التي ما زالت تتّكل على حسن نية المؤمنين ومروراً بالأرقام القياسية في الفساد والتخبّط، وإصدار قوانين جديدة كل يوم لإصلاح ما أفسدته قوانين اليوم السابق، وانتهاءً بتكميم الأفواه عن واقع ما عاد يحتمل السكوت.

آيات بالأمس وآلاء اليوم، من  ضحايا مجتمع ذكوري بامتياز، فيما تسير فتيات أخريات على طريق الظلم وقتل النساء الذي لا نهاية له حتى الآن.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني