العراق: هل يفرض السلاح أغلبية نيابية جديدة؟

تدفع أحزاب منضوية في الإطار التنسيقي إلى حكومة توافقية تتقاسم فيها جميع الأطراف الشيعية المهيمنة على المشهد السياسي منذ 2003 المناصب والحصص، في محاولة لتعويض خسارتها في الانتخابات.

«على الراغبين بالترشيح لمنصب رئيس الجمهورية العراقية تقديم طلب تحريري معزز بالوثائق الرسمية» بهذه العبارة، وستة شروط، من بينها أن يكون المتقدم للمنصب عراقياً وذا سمعة حسنة ويمتلك شهادة جامعية؛ يعلن البرلمان فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية لأربع سنوات.

من يقرأ النصوص الدستورية المتعلقة باختيار الرئاسات الثلاث، الجمهورية والوزراء ومجلس النواب، يرى أن الأمر خالٍ من أي تعقيد، وبإمكان أي شخص الترشيح لها، وكأن الأمر لا يخضع للمحاصصة والمزايدات السياسية، لكن القوى الفاعلة تختصر الفقرات القانونية بعرف سائد في عراق ما بعد 2003 يقتضي أن يكون رئيس الوزراء شيعياً ورئيس مجلس النواب سنيّاً، في حين يشغل كردي منصب رئيس البلاد، وهو منصب شرفي إلى حد كبير، من دون صلاحيات كبيرة.

بعد الجلسة الأولى والتي تكللت بحسم منصب رئيس مجلس النواب يكون أمام السلطة التشريعية 30 يوماً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بأغلبية ثلثي الأصوات، والذي عليه بدوره أن يكلّف رئيساً للحكومة خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه، والذي ينص الدستور على أن يكون مرشح الكتلة النيابية «الأكبر عدداً»، واعتباراً من يوم تكليفه يكون أمام الرئيس الجديد للحكومة 30 يوماً لتشكيلها.

داخل قبة البرلمان يحتدم الجدل بين النواب حول الكتلة التي تملك الأغلبية البرلمانية، وهو ما سينسحب لاحقاً على أجواء تشكيل الحكومة التي يصر الصدر على تشكيلها وفق مبدأ الأكثرية

المعادلة الرقمية!

بعد 3 أشهر من الانتخابات والحملات المضادة التي شنها الخاسرون للتشكيك بشرعية أول اقتراع مبكر جاء نتيجة مطلب شعبي يريد للمحاصصة أن تنتهي في البلاد، تتضح ملامح أغلبية سياسية بعد حسم تحالف الفائزين واعتلاء مرشحهم الحلبوسي منصة البرلمان، عقب فوزه بالأغلبية الساحقة ليكون أول رئيس للسلطة التشريعية يتمكن من الفوز في ولاية ثانية.

جاء انتخابه بتوافق صدري وسني وكردي، وهو ما يعني نظرياً أن الطريق مفتوح أمام التحالف الجديد والذي تتجاوز أصواته مئتي نائب من أصل 329 لانتخاب من يرشحه الصدر لرئاسة الوزراء، ومن يرشحه الكرد لرئاسة الجمهورية، وفق معادلة رقمية جديدة فرضت واقعاً سياسياً مغايراً في جو من الديموقراطية الهشة.

يحاول الكرد الذهاب إلى جلسة انتخاب الرئيس بمرشح واحد يتفق عليه «الديموقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة بافل طالباني، لكن الأخير يتحدث عن أن الرئيس الحالي برهم صالح هو أحد مرشحيه لشغل منصبه لولاية ثانية، وهو ما يتحفظ عليه الديموقراطي، ويحاول الضغط لترشيح شخصية جديدة تحظى بقبول حزب البارزاني التي قد تضمن له أصوات تحالف الفائزين، وبهذه المواصفات يدرس الاتحاد الوطني تقديم عضو المكتب السياسي عماد أحمد مرشحاً لمنصب رئيس الجمهورية.

إقرأوا أيضاً:

 اليد العليا لمن؟

شيعياً جرت العادة أن تنبثق الحكومة عن توافق الأطراف البارزة، لكن في هذه الانتخابات الجميع يقول إن له اليد العليا في تسمية رئيسها، وأولهم الصدر الذي قدمت كتلته طلباً رسمياً إلى رئيس البرلمان المنتخب محمد الحلبوسي لاعتبارها «الكتلة الأكبر»، فيما قدمت قوى الإطار التنسيقي طلباً، يقلل خبراء القانون من أهميته، لاعتبارها «الكتلة الأكبر» إلى رئيس السن محمود المشهداني، وهو ما أدى إلى إشكال داخل المجلس النيابي في جلسة انتخاب الرئيس الجديد. 

داخل قبة البرلمان يحتدم الجدل بين النواب حول الكتلة التي تملك الأغلبية البرلمانية، وهو ما سينسحب لاحقاً على أجواء تشكيل الحكومة التي يصر الصدر على تشكيلها وفق مبدأ الأكثرية، أما على الضفة الثانية فيتمسك الإطار بحكومة توافقية تتمثل فيها جميع القوى الشيعية، وتعد أغلبية الصدر إقصاء لأحزابها، إذ لا يترك أعضاء الإطار مناسبة إلا ويجددون تحذيرهم من التفرد بالقرار السياسي؛ في إشارات إلى رد فعل لا يبدو أنه سيخلو من التصعيد، لا سيما أنه يتزامن مع إشارات صدرية تلمح إلى بقاء رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي في منصبه لولاية ثانية.

تدفع أحزاب منضوية في الإطار التنسيقي إلى حكومة توافقية تتقاسم فيها جميع الأطراف الشيعية المهيمنة على المشهد السياسي منذ 2003 المناصب والحصص، في محاولة لتعويض خسارتها في الانتخابات. لكن تلك الأحزاب تغرد اليوم خارج البرلمان وتحاول إعادة إنتاج خطابات المؤامرة مرة باللجوء إلى القضاء وأخرى بإشهار السلاح، بعدما حسمت الجلسة الافتتاحية الأصعب اختيار أولى الرئاسات، كاشفة عن تحالف صدري وكردي وسني قادر على التصويت لمن يشاء ويعزل من يشاء بأريحية.

وضع الصدر مع حلفائه العصا في عجلة الإطار التنسيقي، لكن قوة الدفع التي يمتلكها الإطار، تجعله قادراً على المناورة سياسياً داخل البرلمان بعشرات النواب، على رغم أن البرلمان الخامس قد يفرض عليهم واقعاً سياسياً جديداً في أن يكونوا معارضة تواجه حكومة مدعومة من أغلبية التيار داخل البيت التشريعي وخارجه، ولا شيء يمنعهم من استخدام ورقة التعطيل السياسية التي قد يمتد تأثيرها إلى جميع مفاصل الدولة، وعلى رأسها السلم الأهلي المهدد بعنف الخاسرين المسلّحين!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني