عبء الرجل الأبيض الجديد :(2-2) وكلاء الاستشراق
المعكوس وتقديس التخلف في “جامعة كولومبيا”

يتم توظيف تيار "الاستشراق المعكوس" أداةً في الصراع السياسي الأميركي، بين الديموقراطيين والجمهوريين عبر أدوات فكرية رديفة مثل "الإسلاموفوبيا" و"الصوابية السياسية" و"النسبوية الثقافية" و"سياسات الهوية".

لم ينجح الفكر الغربي (اليساري على وجه الخصوص) في الخروج من عقدة عبء الرجل الأبيض. كل ما فعله اليسار الجديد انه عكس المهمة. فبعدما كانت مهمته تحديث الشعوب الأخرى وإخراجها من حالة التخلف، صارت المهمة تحريرها من كل أشكال الحداثة والمدنية والديموقراطية، باعتبارها إرثاً استعمارياً وإعادة الشعوب إلى حالة ما قبل الاستعمار وما قبل الحداثة. في الحالتين السيناريو واحد، هناك “رجل أبيض” أو وكيل للرجل الأبيض يخبر الآخرين بما عليهم فعله أو التفكير فيه.

بعيداً من أوروبا، كانت أميركا قد طورت نسختها الخاصة من “الاستشراق المعكوس” على يد مجموعة من المفكرين اليساريين الذي لا يشق ليساريتهم غبار. 

تبرز أمامنا أربعة أسماء معروفة ومكرسة عربياً ودولياً، لترويج ايديولوجيا الرجل الأبيض الجديدة، ايديولوجيا تحرير الإنسان من القيم الغربية الحديثة. ثلاثة منهم مسيحيون من أصول فلسطينية هم إدوارد سعيد ووائل حلاق وجوزف مسعد، ورابعهم من أصل إيراني هو حميد دشتي. وجميعهم يحاضرون في جامعة كولومبيا وحاصلون على الجنسية الأميركية وعاشوا معظم حياتهم في أميركا.

اشتهر هذا اليسار في الدراسات الأكاديمية باسم يسار “ما بعد الاستعمار” وهو فرع من الدراسات أصبح يسيطر اليوم على الأكاديميا الغربية، وكان لإدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” الفضل في ترسيخه وتحويله الى تيار مسيطر في الدراسات الغربية المعاصرة حول الشرق. انطلق يسار “ما بعد الاستعمار” من عدد من المنطلقات والأفكار التي يتفق في معظمها مع اليسار الأوربي- الإسلاموي والإسلام السياسي.

الفكرة الأولى أن العالم الاسلامي يمكن فهمه فقط من نافذة واحدة هي نافذة الدين، وأن هناك جوهراً واحداً للإسلام وحقيقة واحدة فقط للإسلام يمكن التعامل معها كحقيقة ثابتة وغير متغيرة منذ الإسلام الأول حتى اليوم. 

الفكرة الثانية أنه لا تمكن محاكمة المسلمين بمفاهيم العقلانية والديموقراطية وحقوق الإنسان، لأن هذه المفاهيم غربية عن ثقافتهم ومبادئهم وقيمهم الأخلاقية.

الفكرة الثالثة أن أسوا ما حدث للمسلمين هو تأثرهم بالاستعمار الغربي وادخالهم منتجات الحداثة إلى بيئتهم، سواء في الانتقال من المؤسسات القديمة الى المؤسسات الحديثة أو حتى في محاولة إقامة دول حديثة على قاعدة المواطنة. فالمشكلة لم تكن في تبني المسلمين مساوئ الحداثة، بل في استفادتهم من إيجابيات الحداثة، تلك الاستفادة التي لا تتناسب مع “طبيعتهم” المتناقضة تناقضاً تاماً مع الحداثة ومنتجاتها. 

وإذا كانت “اللوموند ديبلوماتيك” هي مركز تجمع اليسار الإسلاموي المتحالف مع الإسلام السياسي في أوروبا، فإن جامعة كولومبيا في نيويورك هي المركز الجديد والمتوسع لوكلاء الرجل الأبيض “ما بعد الحداثي” لنشر فكر معاداة الحداثة والاستشراق المعكوس.

الجديد بالنسبة إلى اليسار الأميركي، أنه خطا خطوات إضافية وتمكن من إبراز نخبه من المسلمين والعرب للقيام بالدور نيابة عن الرجل الأبيض الجديد.

الشخصية المحورية في هذا التيار هو ادوارد سعيد الذي دشن في كتابه الشهير “الاستشراق” المدرسة التي ستعرف في ما بعد بـ”مدرسة ما بعد الاستعمار”. وعلى رغم نيات سعيد الحسنة في نقد خطاب الاستشراق وعلاقته باستعمار الشرق واخضاعه، إلا أن المقاربات التي استخدمها ادت الى نتيجة معكوسة تماماً، وهي النتيجة التي دعاها المفكر السوري صادق جلال العظم، “الاستشراق المعكوس”.

 أراد سعيد نقد “الشرق” الذي اخترعه الاستشراق، لكنه اخترع شرقاً جديداً بالمواصفات ذاتها. شرق يختلف اختلافاً تاماً عن الغرب، له جوهر ثابت لا يتغير، وثقافة ثابتة هي ثقافة الإسلام، وإسلام واحد وجوهراني essentialist، يمكن توصيفه دون اختلافات كثيرة ويمكن التعامل مع العالم الإسلامي من خلاله. لم يقل سعيد إن الشرق ثابت ولا يتغير، وحسب، بل قال أيضاً إن الغرب ثابت وجوهراني ليس فقط منذ عصر النهضة، بل منذ العصر الإغريقي. الخلاصة غير السعيدة التي لم يتوقعها سعيد نفسه أن طروحاته التي استند فيها إلى أفكار ميشيل فوكو تؤدي إلى نتيجة واحدة “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”، وبالتالي لا بد من تحرير الشرق من المعرفة الغربية بكل فروعها. وهنا كانت نقطة اللقاء بين اليسار الأميركي “ما بعد الاستعماري” والإسلام السياسي بفرعيه السني والشيعي.

أراد سعيد الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات التي وجهت إليه في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب “الاستشراق” عام 2003، لكنه زاد الطين بله وأعاد تأكيد أفكار “النسبوية الثقافية” التي ترى أن الثقافات دوائر مغلقة على نفسها، وأن أي تفاعل بين الثقافات هو خطيئة وغزو ثقافي، ورفع راية المدافع عن الإسلام في وجه المثقفين الذين انتقدوا الإسلام من وجهة نظر الحداثة، وقدم أبلغ مرافعة يمكن ان يستند إليها أي ديكتاتور عربي في قمع شعبه، عندما قال إن الهجوم على المجتمعات العربية والمسلمة تحت دعاوى التنوير والحداثة وافتقارها للديموقراطية وانتقاصها من حقوق المرأة، هجوم غير مبرر لأن هذه القيم خلافية وغير متفق عليها. وهو هنا لم يلتق مع خطاب الأصولية الإسلامية، وحسب، بل اقترب أيضاً من خطاب الديكتاتوريات العربية التي طالما اتهمها بالعمالة للغرب. وهكذا أيضاً وقع سعيد دون أن يقصد في الخطاب العنصري الذي يتبناه اليمين الغربي المتطرف. 

إقرأوا أيضاً:

لكن نيات سعيد الحسنة والتناقض الواضح في خطابه بين النزعة الليبرالية ونزعة رفض كل قيم الحداثة بما فيها الليبرالية، ستختفي عند تلاميذه وتابعيه من أكاديميي جامعة كولومبيا، الذين سيطورون أطروحاته الى حالة رفض واضحة بلا مواربة للحداثة، ودفاع لا يكل عن كل ما هو متخلف وما قبل حداثي وما قبل استعماري.

سيتابع جوزف مسعد ووائل حلاق مسيرة سعيد بعد “تنقيتها” من الإيجابيات الحداثية البسيطة التي بقيت في خطاب سعيد. المهمة عند مسعد وحلاق واضحة، هناك خطيئة كبرى يجب إنقاذ العالم الإسلامي والعربي منها هي “الحداثة”، ولهذا صار الإسلام الأصولي مركز اهتمامهم. قد يبدو اهتمام مثقفين من أصول مسيحية وذوي نزعة لا دينية في حياتهم العامة بالإسلام، عصياً على الفهم لكن ليس في هذه الحالة. إعجاب مسعد وحلاق بالإسلام نابع من عجز عن التكيف مع الحداثة وابتعادهما السريع منها مع صعود الصحوة الإسلامية والثورة الخمينية والإرهاب الإسلامي. بالنسبة إليهما يمتلك الإسلام طاقات جبارة لمعاداة مشروع الحداثة بسبب فشل تحديثه وتعثر مشروع الإصلاح الديني الإسلامي. هذا الفشل في التكيف مع الحداثة هو أهم فضائل الإسلام التي يعشقها يسار الاستشراق المعكوس، وهي الفضيلة التي يريد يسار جامعة كولومبيا من المسلمين التمسك بها.

بالنسبة إلى مسعد، كان إدخال الطباعة غلطة كبرى أدت الى تراجع أهمية الكتاب المخطوط في العالم الإسلامي، وتدني مكانة الفقيه التقليدي وصعود نجم المثقفين الجدد المتأثرين بالغرب، أما محمد عبده فهو خطأ آخر لأنه حاول تطعيم الثقافة الإسلامية بمفاهيم غربية. انتهى “الماضي الذهبي” عند العرب بقبولهم بسردية الحداثية ولكي يعودوا إلى ماضيهم الذهبي، يجب أن يرفضوا الحداثة من الجذور. لهذا نجده وهو الأكاديمي الأميركي الغربي المسيحي يرفض رفضاً تاماً نقل خطاب الليبرالية وحقوق المرأة والديموقراطية وحقوق المثليين الى العالم الإسلامي لأن كل هذه المفاهيم غربية- أوروبية- مسيحية لا تتناغم مع الإسلام.

أما وائل حلاق فقد شكل لقاؤه على قناة “الجزيرة” صدمة للمشاهدين الذين عجزوا عن فهم منطلقاته. فهو يؤكد دون ان يرف له جفن أن أكبر غلطة ارتكبها المسلمون كانت محاولتهم إقامة دولة حديثة على قاعدة المواطنة، لأن المواطنة لا تتوافق مع الإسلام ويجب رفضها. وهو لا يكتفي بتحذير المسلمين من قيم الحداثة، بل يحذرهم أيضاً من تبني العلوم الحديثة مثل علوم الهندسة والطب والبيولوجيا والفلك والفيزياء، لأنها علوم غربية حديثة، وهناك قطيعة أبدية بين المسلمين وأي شيء حديث. وهو يتمنى أن يعيش في العصر الأموي تحت ظل دولة الخلافة التي تطبق الشريعة بناء على الفقه الإسلامي الكلاسيكي. يعلن حلاق عشقه للفقه الإسلامي ويعتبره العلم الوحيد الذي يجب أن يتمسك به المسلمون لأنه العلم الوحيد الذي لم يتأثر بالحداثة ولا يمكن أن يتوافق معها. حتى بالنسبة إلى مفكري الإسلام السياسي، بدا وائل حلاق “داعشياً” بربطة عنق. وقد شبهه بعضهم بسيد قطب، لكن حتى قطب يبدو أكثر استنارة منه، لأنه على الأقل لم يرفض العلوم التطبيقية الغربية، والشخصية الوحيدة التي يمكن تشبيه وائل حلاق بها هي شخصية شكري مصطفى زعيم تنظيم “التكفير والهجرة”، الذي رفض كل أشكال الحداثة ودعا إلى الجهاد، باستخدام الخيل والسيف والرمح والدرع، باعتبارها الأسلحة الوحيدة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

يبقى حميد دبشي، رابع مجموعة جامعة كولومبيا، مهموماً بالدفاع عن الخمينية داخل الأكاديميا الغربية ومهاجمة المثقفين الإيرانيين الحداثيين المختلفين مع النظام، من طريق اتهامهم بالعمالة للغرب، الغرب الذي يعيش فيه ويحمل جنسيته ويستلم مرتبه من حكومته.

يتم توظيف تيار “الاستشراق المعكوس” أداةً في الصراع السياسي الأميركي، بين الديموقراطيين والجمهوريين عبر أدوات فكرية رديفة مثل “الإسلاموفوبيا” و”الصوابية السياسية” و”النسبوية الثقافية” و”سياسات الهوية”، ويتم ترويج هذه المفاهيم بوصفها مفاهيم تحريرية، تنقذ المسلمين من مصيدة الحداثة والمواطنة والعلمنة وتضعهم في مكانهم “الحقيقي” خارج الحداثة والتاريخ.

هؤلاء هم رموز الاستشراق المعكوس الجدد والوكلاء المحليون لعبء الرجل الأبيض الجديد، عبء تحرير “الآخرين” من الحداثة وإعادتهم الى مربعات ما قبل الحداثة وما قبل الاستعمار وما قبل العالم الحديث، سالمين. لا يشكل هؤلاء استشراقاً معكوساً وحسب، بل عنصرية معكوسة تمارس أبشع أنواع التحقير والتمييز ضد الآخر غير الغربي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني