هل إيران دولة احتلال “فارسي”؟

الحال أن القوى التي تحمل خطاب "مقاومة الاحتلال الإيراني"، سواء كانت لبنانية أو خليجية، لا تملك من النزاهة ما يفيد المهمة ويشجع على الانخراط فيها، فالمكوّن اللبناني ملوث طائفياً ومذهبياً على نحو يحاكي النفوذ الذي أعلنت الحرب عليه.

يبدو أن المرحلة التي ستسبق الانتخابات النيابية في لبنان، ستحفل بعبارة “الاحتلال الإيراني”. خصوم “حزب الله” من المسيحيين والسنة سيسوقون هذه العبارة أينما حلوا، معتقدين، وهم محقون في اعتقادهم، أن العبارة ستدر عليهم أصواتاً. لا بل أن بشائر هذا الخطاب بدأت تستعين بما هو أشد “قومية” من العبارة، فبدأنا نسمع بعبارة موازية، وهي “الاحتلال الفارسي”، علماً أن أصحابها قليلو المعرفة بالنظام الإيراني، ذاك أن فارسيته هي الجزء الأضعف في هويته، وإسلاميته تتقدم عليها، لا بل تنفيها في أحيان كثيرة. ناهيك بأن الاستعانة بـ”فارسية” إيران تحمل قدراً من الابتذال، فتحيلنا إلى جوهر صدامي (نسبة إلى صدام حسين) لحال الاستعصاء بيننا وبين النظام في إيران، فما بالك إذا كان أصحاب هذه العبارة شخصيات مثل فارس سعيد وأشرف ريفي، ممن لم يسبق أن استيقظت عروبتهم في مواجهة المجوس. وربما تمت الاستعانة بما حفل به القاموس البعثي خلال الحرب العراقية- الإيرانية، فيتم استحضار الإمبراطور الساساني كِسرى على نحو ما استحضره صدام في خطبة له خلال تلك الحرب، معتبراً أن الخميني أحد أحفاده! 

هل يمكن أن يبدأ النقاش من حقيقة أن مشكلتنا مع إيران هي اسلاميتها وتوسعيتها، لا فارسيتها؟ الأرجح أن صعوبة أن نبدأ من هنا تكمن في أن خصوم إيران في لبنان هم امتداد لخصومة تبدأ من الخليج، وأن خطاب “الاحتلال الإيراني” ولد من رحم الأزمة بين إيران ودول الخليج ووصل إلى لبنان عبر قنوات العلاقة بين قوى مسيحية لبنانية وبين دول الخليج، بما أن السنة صاروا خارج المعادلة! تماماً مثلما وصل النفوذ الإيراني عبر علاقة حزب الله بالحرس الثوري الإيراني. هناك فوارق طبعاً بين النفوذين، فإيران تهدد فعلاً الكيان اللبناني عبر نفوذها وعبر استتباعها لبنان، فيما نفوذ دول الخليج يقتصر على إفساد وعلى ابتذال، ناهيك بأنه استثمار لا طائل منه.

ربما علينا أن نبدأ من حقيقة أن ليس هناك احتلال إيراني في لبنان. يمكن الحديث عن احتلال إيراني لسوريا مثلاً. في لبنان والعراق هناك نفوذ إيراني عبر قوى محلية، وهذا لا يخفف من فداحة الوضع، إنما توخي الدقة في التعريف ضرورة لتماسك الخطاب، وللابتعاد من الشعبوية والارتجال في وصف المشهد. ثانياً أن نبدأ من إعادة تعريف مشكلتنا مع إيران عبر تحديدها بما تستثمر به لجهة ضم لبنان إلى هلالها المشرقي، وعبر إضعاف الدولة وفرضها سلاحاً غير شرعي يفوق في قوته وتأثيره قوة السلاح الشرعي. أما ما عدا ذلك من ترهات الاحتلال ومن المضمون “الفارسي” لسوء التفاهم معها، فهو مؤذٍ لقضية التخفف من هذا النفوذ، ذاك أنه يستحضر في مقابله استنفاراً مذهبياً يعود ليحصن الموقع الإيراني في المعادلة الداخلية. ناهيك بأن الفارسية تاريخ وثقافة، وليس استعداؤها سوى جهل وحمق وتعصب لا يفيد في السعي لكف نفوذ طهران. ثم إن هذا الاستعداء يلاقي ما تضمره ولاية الفقيه من احتقار لفارسية المجتمع الذي تحكمه.  

والحال أن القوى التي تحمل خطاب “مقاومة الاحتلال الإيراني”، سواء كانت لبنانية أو خليجية، لا تملك من النزاهة ما يفيد المهمة ويشجع على الانخراط فيها، فالمكوّن اللبناني ملوث طائفياً ومذهبياً على نحو يحاكي النفوذ الذي أعلنت الحرب عليه، وبعدها العربي، والخليجي تحديداً، يريد مقاومة فارسية إيران، لا إسلاميتها التوسعية، فيما لم يلفت انتباه فرسان هذه المواجهة من اللبنانيين أن أنظمة الخليج ليست أكثر رحابة في فرض نموذجها من دولة ولاية الفقيه على مواطنيها. أما الفارق المتعلق بتوسعية النظام الإيراني، فلم يسبق لنا أن اختبرناه في أنظمة الخليج، لا بل إن التجربة اليمنية تضيق هذا الفارق وتجعله هامشاً مشرقياً قد يتغير إذا ما أتيحت له فرصة.

النفوذ الإيراني يهدد فعلاً الكيان اللبناني، لكن القوى المستنفرة للتصدي له في لبنان، عدا عجزها عن المواجهة، هبطت بخطاب التصدي إلى مستويات ستتولى تعزيز هذا النفوذ، ذاك أن المواجهة تطرح علينا الاعتقاد بأن فارس سعيد هو أحد فرسان العروبة في مواجهة فارسية حسن نصرالله، وأشرف ريفي أحد أنزه وجوه الاستقلال اللبناني، وقد يضم هذا التحالف مستقبلاً رياض سلامة الذي لطالما شكا من أنه مستهدف من “حزب الله”، على رغم دوره الكبير في تعويم النظام الذي يحمل هذا الحزب، ويؤمن مصالحه.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
طارق اسماعيل – كاتب لبناني
إن” فشة خلق” داليا أحمد ليست في مآلها الآني الذي وجد فيه لبنانيون كثر تعبيراً عن يأس يعتري دواخلهم فتضامنوا معها، ولا في الهجاء الخارج من “ضيق” أخلاقي انساق إليه جمهور “حزب الله”، لكنه درس لقناة “الجديد” أولاً عن ضريبة صنع الأساطير، وهذه ليست وظيفة الإعلام.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني