تعذيب أطفالهم… وجه آخر لوحشية
زعماء الفصائل المسلّحة في سوريا

ترتبط السياسة بالسلطة الأبوية بقوة، بخاصة في البلدان العربية، أما في سوريا فيلاحظ ازدياد وحشية النظام الأبوي مع تفاقم وحشية النظام، وكأن سماح نظام الأسد لنفسه بارتكاب المجازر هو سماح ضمني للرجل بممارسة سلطة أكثر وحشية على النساء والأطفال.

نقلت قناة “أورينت” المعارضة، قيام القيادي عبد المنعم رحمون في فصيل “الحمزة”، بتعذيب ابنته رهف البالغة من العمر 20 سنة، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، في قرية بيلان في ريف عفرين، التي تسيطر عليها فصائل مسلحة تابعة لتركيا، ليقوم سكان من القرية لاحقاً بنقل رهف إلى أحد المستشفيات وتوثيق صور تثبت آثار التعذيب والحروق على جسدها.

بين وحشية النظام والمعارضة المسلحة

ليست المرة الأولى التي يعتدي فيها أحد متزعمي الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا على أبنائه، بأساليب تعكس نهج هذه القيادات، التي انطلقت من فكرة الثورة، إلا أنها ما لبثت أن تحولت إلى عصابات ترهب السكان وتمارس ديكتاتورية أخرى، شبيهة بديكتاتورية الأسد. وكما انقلبت الأفكار الوردية والمبادئ التي حملتها الثورة قبل عشر سنوات، غدت فكرة القيادي تعكس بشكل جلي السلطة الأبوية المطلقة في العائلة، وحتى على الساحة السياسية. وهذه السلطة الأبوية في المنزل والسياسة، تعني الترهيب وإقصاء النساء والاعتداء على الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.

إنه مشهد يتكرر بشكل مقلق، ففي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2021، أقدم أحمد مدهش شاكر في حارم على إطلاق النار على أطفاله الثلاثة، إثر خلاف مع زوجته ورفض الأطفال مرافقته حين قرر أخذهم. كما توفيت الطفلة نهلة العثمان بعد تعذيب والدها لها بعدما ربطها بسلاسل حديدية وحبسها في قفص حديدي. وقام مسلح في ميليشيا “السلطان مراد” بتصوير مقطع فيديو خلال ضرب ابنته بوحشية، محاولاً الضغط على زوجته من خلال الطفلة.

إذ كانت الحكومة التركية لا تُعنى بمثل هذه القضايا بل تقوّض الحريات، فليس مستهجناً ما تفعله الفصائل تحت رعايتها.

انتهاكات الفصائل المسلحة في عفرين

هذه الحكايات جزء مما تقوم به هذه الفصائل في عفرين من ترهيب للسكان، وفي تقرير بلجنة الأمم المتّحدة للتحقيق بشأن سوريا، وصفت معتقلات سابقات تعرضهن لعمليات اغتصاب وضرب وتعذيب متعددة على يد عناصر من قوات الجيش الوطني السوري (ينتمي فصيل الحمزة إليها)، كانوا مولجين بحمايتهن. كما وضِعت النساء في الحبس الانفرادي وتعرضن لمضايقات أمام المحتجزين الذكور، وأُجبر الأقارب الذكور على الاستماع إلى صراخهن أثناء تعذيبهن أو الاعتداء عليهن. مع استمرار حرمان المدنيين من أصل كردي من حريتهم بشكل غير قانوني على أيدي أفراد من مختلف ألوية الجيش الوطني السوري. 

هذه الحوادث التي تظهر على السطح فيما يبقى غيرها طي الكتمان والمنازل المغلقة، تهدد بترسيخ قمع الحريات وازدياد التعنيف الأسري من دون رقيب أو قوانين تردع المعتدين. ففي كل مرة تنتشر قصة اعتداء أحد متزعمي الفصائل على أفراد عائلته، يسارع الفصيل لاعتقاله، لكننا لا نعرف إن كان حقاً يحاسَب أو يُسجَن.

ترتبط السياسة بالسلطة الأبوية بقوة، بخاصة في البلدان العربية، أما في سوريا فيلاحظ ازدياد وحشية النظام الأبوي مع تفاقم وحشية النظام، وكأن سماح نظام الأسد لنفسه بارتكاب المجازر هو سماح ضمني للرجل بممارسة سلطة أكثر وحشية على النساء والأطفال، والأمر ذاته ينطبق على المعارضة المسلحة.

القيادي ضرب ابنته التي تعاني من ضمور دماغي، وعذّبها، في بلد لا يحمي ذوي الاحتياجات الخاصة، لتتحول الفئات الأكثر ضعفاً إلى ضحايا لتمركز البطريركية السياسية ونموها. إنه النظام السياسي ذاته الذي عذب الأطفال في بداية الثورة، فكيف يمكن الوثوق بقياداته وهي تمارس النهج الذي مارسه نظام الأسد؟ وإذا كان الحل السياسي في سوريا غير مطروح حتى الآن فكيف تمكن حماية هذه الفئات في غياب أي حماية قانونية وسياسية؟

إقرأوا أيضاً:

هل يكفي الدعم المجتمعي؟

حاول أهالي القرية إنقاذ رهف وتوثيق آثار التعذيب، وهي سابقة، فعادة لا يتدخل المجتمع في شؤون العائلة ويفضل ترك الأب أو المعنّف وشأنه على اعتبار أنها شؤون خاصة، إلا أن انتشار القصة على وسائل التواصل الاجتماعي تبعه استنفار عسكري لما يسمى “لجنة رد الحقوق” في مدينة عفرين، ليرسل الفصيل لاحقاً دورية لاعتقال القيادي من دون تأكيد العثور عليه أو اعتقاله.

بات اليوم تدخل المجتمع والجيران والأقارب نقطة تحول في قضايا العنف كما حصل في جريمة قتل آيات الرفاعي، التي لولا قيام صديقتها بنشر قصتها لما عرف أحد بما حدث، ولما تحولت الجريمة إلى قضية رأي عام، ليتحول الغرباء أو الأصدقاء إلى الطريقة الوحيدة للنجاة أو كشف جريمة ما، وهو دليل آخر لغياب دعم المحيط العائلي الأقرب إلى الضحية.

يبدو الحل في سوريا لمثل هذه الحالات معقداً، في ظل خضوع كل منطقة لفصائل مختلفة تحت رعاية دول عدّة. وإذ كانت الحكومة التركية لا تُعنى بمثل هذه القضايا بل تقوّض الحريات، فليس مستهجناً ما تفعله الفصائل تحت رعايتها وهكذا يغدو ما يحصل في سوريا انعكاساً لصورة أكبر تبدأ من النظام السوري الوحشي، لتنتقل لاحقاً إلى دول أخرى تنقل سياساتها الوحشية إلى المجموعات التي تدعمها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني