آيات الرفاعي التي كُتب اسم قاتليها على ورقة نعوها…

في ورقة النعي تم تقديم الزوج وعائلته على الضحية وتم تقدميهم بوصفهم "ثكالى" يتلقون التعازي عن جريمة ارتكبها الزوج بيديه.

حتى عند موتها ضرباً وتعذيباً، لن ترتقي لأن تكون ضحية في ورقة نعوتها، إذ يجب أن يتقدم عليها اسم زوجها المتهم بقتلها وكل ذكور العائلة.

آيات الرفاعي واحدة من اللواتي لا تظهر اسماؤهن إلّا في أوراق النعي، لم يعرفها السوريون إلا حين صارت ضحية جديدة لمسلسل العنف، فأسماء نساء العائلة تُحذف من أوراق النعي في مجتمعات محافظة كثيرة. هكذا بدت ورقة نعي آيات عادية وكأنها ماتت بسبب ضربة شمس أو سكتة قلبية، وعليها أسماء كل من يتهمهم أهل آيات بالمسؤولية عن موتها المروع.

انتهت حياة آيات الرفاعي في ليلة العام الجديد، وتركت خلفها طفلتها التي لم تتجاوز عامها الأول. عند الحادية عشرة والنصف من مساء اليوم الأخير من عام 2021، أُدْخِلت آيات الرفاعي (19 سنة) مستشفى المجتهد في العاصمة دمشق، مفارقة الحياة، وعلى جسدها آثار ازرقاق ناتج عن الضرب، إلى كدمات داخلية في الدماغ.

آيات ماتت بعدما ضرب زوجها رأسها بالحائط، فيما تشير المعلومات إلى أنه لم يكن وحده عند ضربها حتى الموت. في مقابلة لهما مع الإعلام تحدث والدا آيات عن تعنيف تعرضت له ابنتهما على يد عائلة الزوج، ومثل هذا الأمر شائع في شرائح واسعة ضمن المجتمع السوري، إذ تنتشر حكايات من هذا النوع في الكثير من المنازل، عن تعنيف عائلة الزوج للكنّة، فسلطة الرجل على زوجته تتعداه لتشمل عائلته.

شكا والدا آيات من أن ابنتهما تركت جثة في المستشفى وحيدة، “تلقيت رسالة خطية بموت ابنتي”، تقول والدتها التي تشير إلى أن أهل زوج الابنة لم يتواصلوا معها ولم ينتظروها في المستشفى، محملة إياهم المسؤولية ما حصل إذ تم التخلي عن الفتاة الشابة سريعاً وكأن لا جريمة حصلت.

في ورقة النعي تم تقديم الزوج وعائلته على الضحية وتم تقدميهم بوصفهم “ثكالى” يتلقون التعازي عن جريمة ارتكبها الزوج بيديه.

ليست النعوة بخطأ مطبعي، ففي بلادنا حيث جرائم قتل النساء سهلة يدرك المجرم ما يُقدِم عليه وكيف ينسي المجتمع جريمته، لتصبح مع الوقت حادثة انتحار أو خطاً غير مقصود في أفضل الأحوال.

هل كانوا يعتقدون أن بكتابة أسمائهم ضمن خانة أهل الفقيدة سيخفون الجريمة؟  هل اعترض أحد أفراد العائلة وقال “لكنه القاتل”، أم أن الجميع صمتوا وهزّوا رؤوسهم موافقين؟

لكن على رغم محاولة التستر على ما حدث، إلا أن الجريمة هزت عميقاً المجتمع السوري، وبشكل ما باتت آيات قضية رأي عام.

إقرأوا أيضاً:

ما الذي يجعل اليوم جريمة قتل امرأة قضية رأي عام؟ 

تحدث كل بيت سوري تقريباً خلال الأيام السابقة عن جريمة قتل آيات الرفاعي، انتشرت القصة ولاقت تفاعلاً وتضامناً كبيراً.

كل امرأة قد تكون في مكان آيات تماماً، إلا أن مستويات العنف هي ما قد يختلف ابتداء من التعنيف اللفظي والإهمال وليس انتهاء بالتعنيف الجسدي.

أما جريمة قتل آيات فتنطوي على أسئلة كثيرة حول تزويج القاصرات وسلب النساء حقوقهن وإجبارهن على السكن مع عائلة الزوج في ظل الوضع الاقتصادي السيئ، وتغاضي عائلة الفتاة عما تتعرض له تحت مسمى الستر الذي بات موازياً للموت، وغياب الحماية القانونية لضحايا العنف، مع تجاهل العائلات معاناة بناتهن، بحجة الستر والشرف ووجوب احترام الزوج، فـ”الرجل رحمة لو كان فحمة”.

وفيما حاول القاتل التهرّب من الجريمة، تخلي الجميع عن آيات الرفاعي جريمة مضاعفة أدت إلى رحيلها، إذ كانت الفتاة تواجه العنف في ظل عدم اكتراث عائلتها بمعاناتها وغياب أي حماية رسمية أو قانونية أو حتى رعاية ومساعدة اجتماعية. شعر السوريون بأن آيات وحيدة حتى في موتها، وقد يضيع حقها، فحوّلوا موتها إلى قضية رأي عام. 

زوج آيات ووالداه اليوم خلف القضبان بتهمة قتل آيات وتعنيفها، لكن يحق لنا أن نسأل: كم مرة مررنا من جانب أوراق نعي لشابات قيل إنهن توفين بمرض عضال أو سكتة قلبية؟ كم امرأة كُتِبَ اسم قاتلها فوق ورقة نعيها؟

قبل سنوات طويلة، حين كنت لا أزال طفلة. سمعت نساء العائلة يتكلمن عن قيام ابنة إحدى الصديقات بإحراق نفسها، بسبب معاملة زوجها السيئة لها. وبخيال الطفلة رأيتها وسط الحمام حيث ملأته وثيابها وقوداً وأشعلت نفسها، حينها علمت أن الضرب يساوي الحريق وأن كرامة النساء قد تدفعهن لقتل أنفسهن وأن صبرهن قد يتحول وقوداً، يحرقن به أنفسهن، لعلّ الموت أقل قسوة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني