عن النساء في التأريخ اللبناني: التجديد لا يلغي التهميش

تتضح المعادلة رويداً رويداً: المنهج يعبر عن سياسات الدولة التي تخلق جندراً نسائيا مستضعفاً ونحتاج لكسره لإعادة كتابة التاريخ.

في تجربة اجتماعية عن دور النساء في الحرب اللبنانية جرى توجيه سؤال لعدد من المشاركات عن الأمور التي يذكرنها من الحرب. 

توالت الأجوبة: رجال يحملون البنادق- رجال يطلقون النار- رجال يعقدون السلم. 

الجواب يبدو منسجماً مع كيفية كتابة تاريخ الحرب والتاريخ اللبناني عموماً، اذ ينهمك المؤرخون بسرد الوقائع والروايات من زاوية الأدوار “الرجولية” خصوصاً في الحرب، لنجد أنه جرى اقتطاع مساحات واسعة من الوقائع والأدوار لينحصر دور النساء بازدياد عدد الأرامل. 

بالاعتماد إلى الجندرة، تضحي إعادة اكتشاف التاريخ ممكنة بل وضرورية بسبب انفتاح ذاكرة شخص على ذاكرة “الآخر” كيلا يبقى “الآخر” غريبا أو مبهما أو مجهولا خصوصاً حين يتغاضى الآخرون عن روايات النساء وأصواتهن. 

بحسب الناشطة التربوية والرئيسة السابقة للهيئة اللبنانية للتاريخ نايلة حمادة، “يرجع سبب تهميش النساء في مادة التاريخ إلى أسباب كثيرة منها قدم المنهج فالكتاب المستخدم صادر في ستينيات القرن الماضي. بيد ان اتفاق الطائف ينص على توحيد كتابي التربية والتاريخ لاعادة اللحمة بين اللبنانيين. لكن التوحيد طال الكتاب وغفل عن المنهج. كما نرى النهج الذكوري في تشكيل اللجان الوطنية، في مرحلة ما بعد الحرب، بحيث أن جميعها، مشكّلة من خمسة أو ستة أشخاص تعينهم الحكومة ليتولوا مسؤولية تقديم مسودة عن كتاب التاريخ، وجميعهم من الرجال باستثناء مستشارة للجنة واحدة”. 

ترى حمادة أن حصر كتابة المناهج بيد قلة من ذكور غير ملمين بالمساواة الجندرية ويلجأون إلى مصادر تاريخية أكاديمية معدّة بمعظمها من قبل ذكور، يؤذي الأهداف العامة للمناهج لأنه يغفل تخصيص فقرة خاصة للمرأة وحقوقها. كما أن اللجنة الأولى المشكلة اختلفت على مضمون الكتاب فتخلّفت، في أواخر التسعينات، عن تقديم مسودة تحظى بموافقة من مجلس الوزراء فصدرت مناهج لكل المواد إلا لمادة التاريخ. وقدمت اللجنة المشكّلة سنة 2010 المسودة الأخيرة لتجديد المنهج لكنها قوبلت بالرفض وقامت في وجهها معارضة سياسية”.

الاعتماد الكامل على استخدام كتاب واحد، او كتب عدة صادرة عن دور نشر مختلفة، يصب في “صالح” المنهج الذكوري القائم على التأريخ السياسي او العسكري. هذه المقاربة تغفل عن تقديم نموذج ناجح لنساء خضن معارك على هامش السياسة التي استبعدت قضاياهن حتى في كتب التاريخ. توحيد الكتاب يفشل ثانية اذ تتجدد الطبعة وتنقح أو تلخص لكن الغلاف الجديد يعكس النظرة التقليدية للنساء ويحصر أدوارهن، اذا جرى تذكّرها أصلاً، بصور نمطية او يسقطها في تعميم حقوق الانسان فتذوب في حقوق اخرى تخسرها ماهية حقوقها واهمية روايتها في السرد التاريخي الاجتماعي او المحلي فنتعلم ونعلم الاجيال المقبلة تاريخاً مولّفاً (ممنتجاً) مروياً بلسان جهة واحدة فقط. 

التهميش لدور النساء يتخطى كتاب التاريخ ليطال كتب المواد التعليمية كافة.

التهميش لدور النساء يتخطى كتاب التاريخ ليطال كتب المواد التعليمية كافة. لذا، فإن تجديد الكتب يسقط من كونه حلا لغياب المرأة عن الطبعتين القديمة والجديدة وهو انعكاس لغيابها عن الفلسفة التربوية للبلاد ككل. مثلا، كتاب التربية للصف الثانوي الأول يضم ٢٣٢ صورة ورسما منها عشرة فقط مخصصة للنساء وقضاياهن. كما أن التلاميذ قلّما يتعلمون انجازات نساء في حقل العلم أو يدرسون نظرياتهن الفلسفية أو يرونهن في مراكز قيادية. بل يرسم المنهج اللبناني دورا جندريا للنساء عبر حصرهن في المطبخ والاهتمام بالأولاد. وهي أدوار لا تقل أهمية عن أدوار اجتماعية أخرى لكنها تحدد اختيارات الجيل الأنثوي الجديد عبر تأطير صورته في هذه المواقع. كما تجزم صورته بعيون الجنس الآخر فلا يقوى على تخيل النساء، أو استيعاب كل ما يتعلق بهن من حقوق وأشكال وأدوار، خارج ما لقنه اياه المنهج اللبناني منذ الصغر. 

لكن لمنهج التاريخ دوره الخاص فقد “كان يدرّس تقليدياً لخلق هوية وطنية وذاكرة اجتماعية. لكنه تطور ليصبح مجالا معرفيا يملك استراتيجياته ومفاهيمه وأهدافه الخاصة التي تتضمن خلق فرد ناقد قادر على اتخاذ القرارات ليلعب دورا فاعلا في مجتمعه”، بحسب حمادة، لكن المنهج اللبناني، تتابع الناشطة التربوية اللبنانية، “يعلم التلاميذ حفظ رواية انسان واحد فيفرغ المادة من أهدافها خالقاً تلاميذ يفتقدون المهارات الفكرية اللازمة للتحليل والنهوض بالمجتمع. كما أنه يخلق هوية جماعية لا قيمة لها بسبب لجوء المدارس الى تعليم التاريخ من منظورها ومواقفها ومصالحها. هنا تكمن أهمية دراسة التاريخ انطلاقا من التاريخ الشفوي للنساء لأن مفهوم التاريخ يتخطى الأحداث الحاصلة ليعبّرعن رؤية المجتمع لحقبة تاريخية عاشها”. يتقاطع التاريخ الشفوي، دائماً بحسب حمادة، “مع العمل الأكاديمي ومصادر تاريخية أخرى مشكلا تاريخا موحدا ينقل رواية الجميع ويسمح لقرائه بتعميم قيم معينة على جماعة في حقبة ما”.

تتضح المعادلة رويداً رويدا: المنهج يعبر عن سياسات الدولة التي تخلق جندرا نسائيا مستضعفا ونحتاج لكسره لإعادة كتابة التاريخ. المعضلة هي في استحالة اعادة كتابة بلا اعادة سرد فتظهر الحاجة الى الاستعانة بالتاريخ الشفوي الناشئ في خمسينيات القرن الماضي. إعادة كتابة تاريخ جديد مبني على التحليل الشفوي هي محاولة لسد الفجوة بين ضيق المنظور التاريخي الموجود لقضايا النساء وجدلية ذاكرة أولئك الذين عايشوا الحرب. وهكذا يجري تنظيم النسيان باسناده إلى مصادر عديدة تؤهل المؤرخ من كتابة رواية كاملة، أو على الأقل منصفة، تنقل معاناة الأطراف كما معاناة المركز وتروي تأثير ذوي الأدوار الثانوية والأبطال كما تنقل هوية المسلحين والعزّل على حدّ سواء، بدقة نقل المعلومات والتجارب، وبمقاربة جندرية تربط تطور تيار الوقت بين الماضي والحاضر. 

لنكن منصفين، مسألة الجندرة اكتسبت أهميتها المتزايدة قبل بضعة أعوام. لذا، من المجحف بحق المؤرخين أن يُلاموا على تقصيرهم في عمل قاموا به قبل عقود من وجهة نظر سائدة اليوم. لكن ذلك يوضح ثغرة أخرى لكيفية تعليم، أو على الأرجح تلقين، مادة التاريخ. نايلة حمادة توضح: “يجب تعليم التاريخ اليوم بعقل الجيل القادم لضمان تجهيز الجيل المتعلم بعقل متجدد كي يصل حاضرا إلى سوق العمل بعد أن ينتهي من مرحلة التعليم الثانوي. المشكلة هي برؤية التاريخ كمدخل الى الماضي بدل أن يكون مدخلا الى المستقبل فنعلّم الأحداث التي حصلت بالعقل الذي وجد أثناء حصولها. وكثيراً ما ننسى وجوب تعليمها بعقل المستقبل الذي يجب أن يُنقل الى الجيل الجديد بدل عقل الماضي”. 

من هنا، نفهم أهداف الحكومات المتعاقبة على تهميش مادة التاريخ. الحكومات التي شكلت لجاناً حذفت الدروس كوسيلة لتجديد المنهج وتجاهلت تنمية قدرات معلمي التاريخ التكنولوجية وحددت علامات مادة التاريخ بأربعين علامة كحد أقصى في الفروع الأدبية مقابل ثلاثين في الفروع العلمية فوضعت المادة في قالب أدبي متجاهلين مقاربة البحث العلمي لها. ناهيك عن غياب نية واضحة لتجديد المنهج وجعله تفاعليا. كل الأسباب المذكورة تحدد المقاربة الدونية التي تتلقاها المادة من المجتمع الذي يعتبرها مادة “علامات سهلة” وعاجزة عن تحسين المدارك العقلية للطلاب وتعليمهم ما قد يفيدهم بحياتهم اليومية. هكذا، تحقق الدولة غايتها من تهميش المادة وحث المجتمع على تهميشها: إعادة انتاج النظام الأبوي عبر تلقينه للتلامذة قبل أن يتعلموا التفكير النقدي الذي يحصنهم ضد التلقين. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني