جبران لنصر الله: “يا أعدل الناس إلّا في معاملتي”!

لا بأس من مواصلة الهجوم على حركة أمل وعلى نبيه بري، فقوة التحالف الاستراتيجي لا تهددها شتائم، ولا بأس من تلويث آذانانا بترهات حلفاء الحزب، ويمكننا أن نستفيد من الخبرات اللغوية المتولدة عن "سوء تفاهم مار مخايل"، وعن المعركة بين الزمك والبلطجي.

 لم يكشف جبران باسيل يوماً عن ذميته في علاقته مع “حزب الله” على نحو ما فعل في الأمس، حين كان قد وعد اللبنانيين بـ”قلب الطاولة” على الحزب. لقد ناجى السيد حسن نصرالله ولم يخاطبه، وبلغ من الحب في مناجاته ما يفوق ما بلغه المتنبي حين خاطب سيف الدولة معاتباً: “يا أعدل الناس إلا في معاملتي”!

جبران هذا بلغ من الصغارة ما لم يبلغها أحد. تفوّق على نفسه، وسبق توقعاتنا في شأنه بأشواط. العتب المحمّل بالحب وبالمشاعر الذمية أصاب وجداناتنا نحن جمهور هذه المسرحية الممتدة من تفاهم مار مخايل إلى الاستعصاء الحكومي الراهن. لقد كنا أمام مؤتمر صحافي مفعم بالمشاعر، أبدى فيه صهر الجمهورية حرصاً على “وحدة الطائفة الشيعية”، على ان لا تخدش هذه الوحدة وجدان المسيحيين. نعم هذه هي اللغة التي توسل بها باسيل وليّ نعمته. فالرجل المُستَتبع غير خجل بما يربطه بالحزب، لكن أن يبلغ الأمر بالمحب ما بلغه بالمتنبي حين اكتشف أن سيف الدولة قدّم عليه أبا فراس الحمداني، فما علينا إلا أن نعين باسيل بما استعان به المتنبي على خيبته بسيف الدولة: “أعيذها نظرات منك صادقة/ أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم”. فنبيه بري الذي عاتب باسيل نصرالله بسبب تقديمه عليه، شريك الحزب في الطائفة، فيما باسيل شريكه في الوطن! وهل يعقل أن يقدم نصرالله الطائفة على الوطن؟! لا هو لا يفعل ذلك. باسيل لا يصدق، ولا بد من تصويب صغير فات السيد، وجاء المؤتمر الصحفي لصهر الجمهورية لكي يساعد على إجرائه. 

نبيه بري خاصرة حزب الله الرخوة، وجبران باسيل اعتاد على دغدغة الحزب فيها. هو سبق أن وصفه بـ”البلطجي”، ثم عاد بري وابتلع الشتيمة وسار فيها! وهنا يمكن التوقف عند هذه العلاقة الغريبة العجيبة بين معشوقي “حزب الله”، أي حركة “أمل” والتيار العوني. فما يربطهما من “تحالف استراتيجي” لا تحول دونه خصومة بلغت فيها الشتائم من البذاءة ما لم نشهده في لبنان. فرداً على الـ”بلطجي” أطلقت وسائل إعلام حركة أمل اسم “الزمك” على باسيل، وحفلت مقدمات نشرات الأخبار في تلفزيون الـ”OTV” التابع للعونيين والـ”NBN” التابع لحركة “أمل” بجهود لغوية استثنائية لجهة ابتكار الشتائم والأوصاف. كل هذا جرى تحت عباءة التحالف الاستراتيجي، وفي ظل ابتسامات قادة “حزب الله” الصفراء، وغير المُستثارة من بذاءة الحلفاء!

نعم جبران مستعد للذهاب في ذميته إلى أبعد مما يريد “حزب الله”. مستعد للذهاب مرة أخرى إلى قصر عين التينة للاعتذار من نبيه بري، لكن بشرط واحد، وهو شرط مستحيل على ما يبدو، وهو أن يتبنى الحزب ترشيحه لخلافة عمه في رئاسة الجمهورية. لا شيء آخر أغضب باسيل سوى هذا الاعتبار. والحزب، كما أي سلطة عميقة في العالم، يشعر أن باسيل ليس الرجل المناسب. أن يصل رجل أصابته العقوبات الأميركية إلى كرسي الرئاسة في لبنان، فهذا لا يُلبّي رغبة الحزب في الإبقاء على بعض النوافذ مفتوحة، والواقعية تقضي بوصول رئيس مع الحزب لكنه غير معاقب، وما أكثر من يتوفر فيهم هذا الشرط.

لكن هل سيفضي هذا المسار إلى موت تفاهم “مار مخايل”، والذي أدخل عليه المؤرخ والكاتب أحمد بيضون تعديلاً طفيفاً في تعليق له فصار “سوء تفاهم مار مخايل”؟ لا، لن يموت “التفاهم”، فالمسيحيون في جيب “حزب الله”، وجبران سيعيش يتماً في ظل هذا الموت، لن يقوى على انتشاله منه فوزه المستحيل بكل مقاعد الموارنة في الانتخابات، خصوصاً في ظل العقوبات الأميركية، وفي ظل المزيد منها عليه وعلى المقربين منه!

وفي هذا الوقت، لا بأس من مواصلة الهجوم على حركة أمل وعلى نبيه بري، فقوة التحالف الاستراتيجي لا تهددها شتائم، ولا بأس من تلويث آذاننا بترّهات حلفاء الحزب، ويمكننا أن نستفيد من الخبرات اللغوية المتولدة عن “سوء تفاهم مار مخايل”، وعن المعركة بين الزمك والبلطجي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني