دعوة للروائية إنعام كجه جي :
هؤلاء ضحايا “المعجزة” السعودية

ما قيمة الحياة في العواصم الأوروبية الحرة، إن كان أحدهم لا يستطيع أن يحيا إلا في سجن عبوديته للطغاة والقتلة! وما قيمة الدفاع عن الضحايا في مكانٍ ما، وبلدٍ ما، إذا كان من يدعي هذا الدفاع يمجّد ويطبِّل لقاتل ضحايا آخرين في مكان آخر، وبلدٍ آخر؟

الحروب العراقية هي من جعلتها روائية، هكذا تقدم الكاتبة العراقية إنعام كجه جي نفسها، روائيةً من الصف الأول، على الأقل في العراق، وربما في الوطن العربي، إن كانت هناك قيمة لعدد الترشيحات في القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، والتي في جعبة كجه جي ثلاثة ترشيحات فيها.

لكن ماذا عن حروب الآخرين؟ عن ضحايا تلك الحروب التي لا يكتب عنهم أحد، ماذا عن النبيذة السعودية؟ وطشاري اليمنية؟ والحفيدة السورية؟ من يكتب عن هؤلاء إن كان القاتل يبدو بطلاً في مقالات السيدة كجه جي، ويفعل المعجزات وينشر البهجة.

كتبت السيدة كجه جي مقالة بتاريخ 26 ديسمبر/كانون الأول 2021، بعنوان “دعوة لمسيو ساردو” بدا أنها تنتقد فيها المغني الفرنسي ميشيل ساردو وأغنيته السياسية عن النفط والنبيذ والأمراء، التي أطلقها قبل أربعين سنة. لكن في الحقيقة كان ساردو مجرد غطاء استخدمته كجه جي، لتلميع صورة النظام السعودي، وإظهاره بصورة النظام المنفتح الذي يقيم حفلات الغناء! فهي تفتتح مقالتها بهذه العبارة: “ليس مجرد انفتاح ما يحدث في السعودية اليوم، بل قفزة تشبه معجزة”.

وتختتم مقالتها بهذه الفقرة: “ساردو ما زال هنا، تجاوز السبعين لكنه يقف على المسارح. هل سمع عن العروض الفنية والحفلات الموسيقية في الرياض؟ ليت القائمين عليها يوجهون له دعوة. سيرى آباراً تفور بنعمة الأرض، وحقولاً مزروعة بالقمح، ومرافق علاجية وتعليمية وإعلامية حديثة. وقد يرى، من الجو، الملايين تذهب إلى مكة وتعود منها بسلام إلى ما شاء الله”.

ولكن ماذا عن السجون التي يقبع فيها آلاف المواطنين والنشطاء والصحافيين والأطباء وأصحاب الرأي، الذين أخفاهم النظام السعودي بسبب تغريدة على تويتر، أو رأي قالوه ولم يعجب تلك السلطات التي لا تتردد في إسكات أي صوت معارض لسياساتها.

هل قرأت السيدة كجه جي ما كتبته صحيفة لوفيغارو، وصحيفة لوموند، عن اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وتقطيعه بالمنشار في القنصلية السعودية بإسطنبول؟ لا بدَّ أنها قرأت عن التحقيقات التي تؤكد تورط ولي العهد محمد بن سلمان شخصياً في اغتيال زميلها، وزميلنا كلنا.

هل قرأت في لوموند عن تسع ناشطات من المدافعات عن حقوق المرأة في السعودية؟ تعرضن للتعذيب في السجن المركزي في جدة. ضرب وصعقات كهربائية، فيما كانت على الأقل واحدة منهن ضحية للتحرش الجنسي. لوموند تقول إنها اتصلت بالسلطات السعودية لتقديم تفسيرات، لكن تلك السلطات بقيت صامتة ولم ترد. هل يعني هذا أيَّ شيء بالنسبة للسيدة إنعام كجه جي؟

هل تعرف السيدة كجه جي علي أبو لحوم؟ إنه رجل يمني، حكمت عليه محكمة سعودية بالسجن 15 عاماً بتهمة الردة في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2021، بناء على تعليقات في حسابين مجهولين على تويتر. وجدت المحكمة أن التغريدات تروّج لـ “الردة والإلحاد والكفر”.

هل تعرف السيدة كجه جي أحمد علي عبد القادر؟ إنه صحافي سوداني، حكمت عليه السلطات السعودية بالسجن لمدة 4 سنوات بتهمة “الإساءة لبعض مؤسسات الدولة، والتحدث سلباً عن سياسة المملكة”. في الحقيقة أن كل ما فعله أحمد هو نشر تغريدات على تويتر تدعم ثورة السودان، وتنتقد تدخل السعودية في شؤون بلاده.

هل تعرف السيدة كجه جي عبد الله الحويطي؟ إنه مراهق سعودي يواجه الحكم بالإعدام على جريمة حدثت عندما كان طفلاً (14 سنة) ويؤكد براءته منها، وأن اعترافاته انتزعت منه تحت التعذيب؟ يقول عبد الحويطي في رسالة وجهها للمحكمة إن المحققين عذبوه وأساؤوا معاملته لإجباره على الاعتراف. قال إنهم أجبروه على الوقوف لساعات كل مرة، وضربوه وصفعوه على وجهه، وجلدوه بكابل كهربائي على باطن قدميه وأجزاء مختلفة من جسده حتى فقد وعيه، وأجبروه على إمساك قدمَي أخيه بينما كانوا يضربونه، وكذبوا عليهما بالقول إن والدته وشقيقاته محتجزات أيضاً ولن يُفرج عنهن إلا بعد اعترافه.

الحكومة السعودية أنفقت مليارات الدولارات على استضافة الأحداث الترفيهية والثقافية والرياضية الكبرى كاستراتيجية متعمدة لحرف الأنظار عن صورتها كدولة ترتكب انتهاكات شنيعة ومشينة.

هل تعرف السيدة كجه جي أسامة الحسني؟  إنه مواطن سعودي – أسترالي أُعيد قسراً (في انتهاك فاضح للقانون الدولي العرفي الخاص بعدم الإعادة القسرية) أعيد من المغرب إلى السعودية في مارس/آذار 2021. ولا يُعرف عن مصيره شيء. وكانت السلطات السعودية قد طالبت المغرب بتسليمه لإدانته بقضية بُرّئَ منها عام 2018 هو وجميع المتهمين بها، ومن المفارقات المضحكة أن الحسني لم يكن موجوداً في السعودية أصلاً حين حدثت تلك الجريمة، التي أكدت المحكمة الابتدائية السعودية براءة المتهمين منها.

هل تعرف السيدة كجه جي وليد فتحي؟ إنه طبيب سعودي – أمريكي، حكم عليه بالسجن 6 سنوات. اعتقلته السلطات السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 واحتجزته من دون تهمة أو محاكمة لمدة 21 شهراً. وفي أغسطس/آب 2019، قُدم إلى المحاكمة بتهم غامضة، منها التعاطف مع جماعة “الإخوان المسلمين” وانتقاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علناً، ولم تقدم المحكمة أي دليل سوى بضع تغريدات على تويتر.

هل تعرف السيدة كجه جي محمد البكاري؟ إنه مدوّن يمني، حكمت عليه السلطات السعودية بالسجن 10 أشهر وتغريمه (2,700 دولار أمريكي) وترحيله إلى اليمن، لأنه دافع -من خلال منشور على وسائل التواصل الاجتماعي- عن المساواة بين جميع السعوديين.

البكاري هرب من اليمن بعد تهديدات بقتله من قبل مجاميع مسلحة، وعندما اعتقلته السلطات السعودية، وضعته في الحبس الانفرادي لستة أسابيع في زنزانة رطبة وحارّة، من دون نوافذ، أو مكيّف هواء، أو تهوئة كافية، وأخضعه عناصر الأمن لفحص شرجي قسري، وبعد صدور الحكم بحقّه، أُعيد إلى زنزانة مشتركة مع سجناء آخرين مارسوا ضده انتهاكات لفظية، منها نعته بـ “عابد الشيطان” الذي “يستحقّ الإعدام”.

هل تعرف السيدة كجه جي عبد الله الحامد؟ إنه أستاذ جامعي، وإصلاحي سياسي، وأحد مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية السعودية (حسم) دافع عن حقوق الإنسان لأكثر من 25 عاماً، واحتجزته السلطات السعودية أكثر من ست مرّات منذ 1993، مات في السجن بعد أن أمضى 7 سنوات بمعتقله الذي لم يتلقَ فيه الرعاية الطبية.

هل تعرف السيدة كجه جي وليد أبو الخير؟ إنه محامي حقوقي حُكم عليه في 2014 بالسجن 15 سنة بتهم تتعلق بنشاطه السلمي، وتصريحاته لوسائل الإعلام وتغريدات على تويتر انتقد فيها انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية.

التهم الموجهة إليه هي: “السعي إلى نزع الولاية الشرعية” و”الإساءة إلى لنظام العام في الدولة ومسؤوليها” و”تأليب الرأي العام وانتقاص السلطة القضائية وإهانتها” و”تشويه سمعة المملكة في الخارج باستدعاء المنظمات الحقوقية الدولية وإصدار تصريحات مرسلة تضر بسمعة المملكة وتحرض عليها وتنفر منها” و”تأسيس منظمة غير مرخص لها” و”مخالفة قانون الجريمة الإلكتروني السعودي”.

الحكم أصدرته المحكمة الجزائية المتخصصة (محكمة الإرهاب في السعودية) وأضافت إلى عقوبة السجن عقوبة أخرى، هي المنع من السفر إلى الخارج لمدة 15 عاماً بعد انقضاء العقوبة، وغرامة كبيرة.

هل تعرف السيدة كجه جي إسراء الغمغام؟ إنها ناشطة حقوقية حكمت عليها السلطات السعودية بالإعدام، وهي أولى النساء المحكوم عليهن بالإعدام بسبب نشاطها السلمي. إسراء خرجت في تظاهرات عام 2011 دعت إلى وضع حد للتمييز المنهجي والاضطهاد والقمع الذي يواجهه الشيعة في السعودية.

التهم التي وجهتها محكمة الإرهاب لإسراء هي: “المشاركة في المسيرات والمظاهرات في منطقة القطيف، التحريض على التظاهر، ترديد عبارات مناوئة للدولة، محاولة التأثير في الرأي العام وضد السلطة، تصوير المسيرات ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوفير الدعم المعنوي للمشاركين في التجمعات”.

أتمنى لو أن السيدة إنعام كجه جي رأت صورة إسراء وهي طفلة صغيرة. إنها الصورة الوحيدة المتوفرة لها، لا أحد يعرف ملامح إسراء المناضلة من أجل الحقوق والحريات، لقد أخفى النظام السعودي ملامحها، إنه لا يريد لمعارضيه أن يوجدوا، حتى وإن كان وجودهم هذا في الذاكرة فقط.

هل تعرف السيدة كجه جي نواف الرشيد؟ إنه شاعر ومواطن قطري – سعودي، اعتقلته السلطات الكويتية وسلمته إلى السعودية التي احتجزته ولا يُعرف مصيره. لم تقدّم السلطات الكويتية أي تبريرات قانونية لاعتقال الرشيد وترحيله، ولم تتمكن عائلته من الاتصال به منذ ذلك الحين.

الرشيد هو ابن الشاعر طلال الرشيد. حكمت عائلة الرشيد إمارة حائل في شمال السعودية حتى مطلع القرن العشرين، ولها منافسة تاريخية مع عائلة آل سعود الحاكمة. لكن عائلة الرشيد وأصدقاء لهم يؤكدون إن الرشيد لم يكن ناشطاً أو سياسياً.

هل تعرف السيدة كجه جي هؤلاء؟ عبد العزيز الشبيلي، محمد القحطاني، فاضل المناسف، سليمان الرشودي، عبد الكريم الخضر، فوزان الحربي، رائف بدوي، صالح العشوان، عبد الرحمن الحامد، زهير كتبي، نذير الماجد، محمد العتيبي، عبد الله العطاوي، نبيل رجب، محمد ربيعة، سعود الهاشمي، عصام الزامل… كلهم نشطاء وأصحاب رأي حر، يقبعون في سجون السعودية التي تطبل كجه جي لها، بتهم مضحكة من قبيل “نقض البيعة لولي الأمر” أو “إهانة السلطة القضائية”.

بالتأكيد تعرف السيدة إنعام كجه جي لجين الهذلول، فالسيدة كجه جي تقدم نفسها مدافعةً عن الحريات وحقوق المرأة. لكن هل تعرف أن لجين عندما أُفرج عنها كان ذلك الإفراج بمثابة نقلها إلى سجن أكبر فقط، فهي ما زالت محكومة بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، بتهم تعرّف نشاطها في مجال حقوق المرأة على أنها جرائم بموجب أنظمة الإرهاب السعودية. وهذا يعني أنه يمكن للسلطات إعادتها إلى السجن في أي وقت إذا قررت المجاهرة بآرائها أو استئناف نشاطها.

هل تعرف السيدة كجه جي بمأساة العمّال الأثيوبيين المهاجرين؟ هنالك فيديو مسرب نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش”، يظهر المئات منهم في مركز ترحيل يعيشون تحت ظروف أقل ما توصف به أنها مهينة ومُذلة. شهادات المحتجزين تفطر القلب وهم يتحدثون عن سوء المعاملة والتعذيب الذي يتعرضون له على يد الحراس، واكتظاظ الغرف لدرجة أنهم لا يستطيعون النوم فيها، وليست لديهم أغطية، وبعضهم مات من شدة الضرب. ليت السيدة كجه جي ترى ذلك الفيديو، وتقرأ تقرير هيومن رايتس ووتش لاكتشاف المعجزة التي تحدث في السعودية!

أيضاً، عندما يرى ساردو “من الجو، الملايين تذهب إلى مكة وتعود منها بسلام إلى ما شاء الله”. ليته يسأل عن إيميدولا وايلي ونورميت روزي، المسلميَن من أقلية الإيغور المضطهدة في الصين. إيميدولا وصاحبه يقيمان في تركيا، وقصدا السعودية في فبراير/شباط 2020 لأداء فريضة الحج، لكنهما لم يعودا بسلام! وهما مهددان بالترحيل قسراً أو ربما رُحِّلا إلى الصين.

في زيارة إلى الصين في فبراير/شباط 2019، أيَّد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سياسات الحكومة الصينية في شينجيانغ. ونقلت وكالة أنباء الصين الرسمية “شينخوا” عن بن سلمان قوله: “نحترم وندعم حقوق الصين في اتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب والتطرف لحماية الأمن القومي” كما أيدت السعودية رسائل مشتركة إلى “الأمم المتحدة” لدعم سياسات الصين في شينجيانغ في 2019، ومرّة ​​أخرى في 2020.

هل تعرف السيدة إنعام كجه جي عن جرائم النظام السعودي في اليمن؟ حسناً هذه بعض المعلومات عمَّا يفعله هناك:

في أغسطس/آب 2018، قتلت غارة جوية للتحالف بقيادة السعودية 26 طفلاً، وأصابت 19 آخرين على الأقل عندما استهدفت حافلة مدرسية في سوق ضحيان المزدحم في شمال اليمن، المجزرة صنفتها هيومن رايتس ووتش على أنها جريمة حرب، ودعت الدول إلى تجميد مبيعات الأسلحة إلى السعودية فوراً.

قبل ذلك، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016، قتل التحالف بقيادة السعودية 100 يمني على الأقل، وأصاب المئات بغارة جوية استهدفت قاعة عزاء في العاصمة اليمنية صنعاء. ومثل هذه الغارات استهدفت مواطنين أبرياء بالقرب من بئر ماء، أو سوق مزدحم، أو قرية أو تجمع لمواطنين يبحثون عن الدواء والماء ولقمة العيش ليطردوا الجوع والمرض الذي يفتك بهم. هل يستحق أهل اليمن هذا الموت المجاني؟ 

منذ 2015، نفَّذت قوات التحالف بقيادة السعودية عشرات الغارات الجوية العشوائية على المدنيين، فأصابت المنازل والمدارس والمستشفيات والأسواق والمساجد ومواكب الأعراس والجنازات. وقد وثَّقت منظمة العفو الدولية 42 ضربة جوية للتحالف شكَّلت انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ويصل العديد منها إلى حد جرائم الحرب. وقد نتج عنها سقوط 518 قتيلاً و433 جريحاً من المدنيين، على الأقل.

القوات العسكرية السعودية والقوات اليمنية المدعومة من السعودية نفذت انتهاكات خطيرة ضد اليمنيين منذ يونيو/حزيران 2019 في محافظة المهرة، أقصى شرق اليمن. تشمل الانتهاكات الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والاختفاء القسري، والنقل غير القانوني للمحتجزين إلى السعودية.

سكان محافظة المهرة قالوا لـ “هيومن رايتس ووتش” إن القوات السعودية والمدعومة من السعودية اعتقلت بشكل تعسفي متظاهرين كانوا يحتجون على وجود القوات السعودية، وغيرهم من السكان المحليين غير المرتبطين بالاحتجاجات، في الغيضة عاصمة المهرة.

وقال محتجزون سابقون إنهم اتُهموا بدعم معارضي السعودية، واستُجوبوا وعُذِّبوا في مرفق احتجاز غير رسمي في مطار المدينة يُشرف فيه ضباط سعوديون على القوات اليمنية الموالية للسعودية. قالت عائلات المحتجزين إن القوات السعودية أخفت قسراً خمسة محتجزين على الأقل لمدة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أشهر بينما نقلتهم بشكل غير قانوني إلى السعودية، ولم تُقدم معلومات عن مكانهم.

هل تعرف السيدة كجه جي شيئاً عن الموظفين اليمنيين في السعودية؟ لقد بدأت السلطات هناك منذ يوليو/تموز 2021 بإنهاء أو عدم تجديد عقودهم. هذا الإنهاء الجماعي والقسري للوظائف يؤدي إلى ترحيل اليمنيين وإعادتهم إلى مناطق النزاع في اليمن.

ربما لا تعرف السيدة كجه جي أن 61% من التحويلات المالية التي يرسلها يمنيو الخارج إلى عوائلهم في الداخل هي تحويلات مرسلة من السعودية، لا أحد يمكنه أن يتخيل عدد العوائل التي فقدت وستفقد ما تنتظره كل شهر للبقاء على قيد الحياة في بلد تمزقه الحرب والفقر.

هل تعرف السيدة كجه جي ماذا تقول منظمات حقوق الإنسان الدولية عن “العروض الفنية والحفلات الموسيقية” التي تعتبرها قفزة تشبه معجزة! تقول هيومن رايتس ووتش: “يتعيّن على نجوم الموسيقى العالميين الذين من المفترض أنهم سيقدمون عروضاً في السعودية إما التحدث عن حقوق الإنسان أو عدم المشاركة. يتعين أيضاً على من سيقدمون عروضهم التي ترعاها الحكومة السعودية، وكذلك (الإنفلوينسرز) الذين يروّجون لها، النأي بأنفسهم عن محاولات البلاد تلميع سجلها الحقوقي المروع”.

الحكومة السعودية أنفقت مليارات الدولارات على استضافة الأحداث الترفيهية والثقافية والرياضية الكبرى كاستراتيجية متعمدة لحرف الأنظار عن صورتها كدولة ترتكب انتهاكات شنيعة ومشينة.

وتقول هيومن رايتس ووتش أيضاً: “بينما يضاعف صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يرأسه ولي العهد سيء السمعة محمد بن سلمان، هذه الجهود لتنظيم فعاليات أكبر وأفضل في البلاد، كثفت الحكومة من قمعها للمعارضة السلمية. ما يزال عشرات النشطاء والحقوقيين السعوديين مسجونين ظلماً، وتعرّض بعضهم لتعذيب مروّع. لا ترقى الإصلاحات الاجتماعية الأخيرة، رغم أهميتها، إلى مستوى امتثال السعودية للمعايير الدولية الحقوقية أو أنها تقدم حريات سطحية فقط”.

بماذا تختلف السيدة إنعام كجه جي عن ساردو الذي تنتقده في مقالة تضج بالمديح للنظام السعودي؟ السيدة كجه جي واحدة من أدواتِ تلميع صورة النظام السعودي المستبد، يبدو هذا واضحاً، ومؤسفاً، ومخيباً للآمال التي علقها عليها كل من قرأ: “سواقي القلوب”، و”النبيذة” و”الحفيدة الأمريكية”، و”طشاري”. 

ما قيمة الحياة في العواصم الأوروبية الحرة، إن كان أحدهم لا يستطيع أن يحيا إلا في سجن عبوديته للطغاة والقتلة! وما قيمة الدفاع عن الضحايا في مكانٍ ما، وبلدٍ ما، إذا كان من يدعي هذا الدفاع يمجّد ويطبِّل لقاتل ضحايا آخرين في مكان آخر، وبلدٍ آخر؟!

أجد نفسي ملزماً بالاعتذار لضحايا النظام السعودي الذي يفعل المعجزات بالنسبة للسيدة إنعام كجه جي، أعتذر من ذكرى اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، وجسده الذي قطعه قتلة ولي العهد محمد بن سلمان بالمنشار، وأخفوه إلى الأبد. أعتذر من الضحايا الذين أُعدموا لأنهم حاولوا قول الحقيقة ودافعوا عن حريتهم. أعتذر من السجناء الذين يقبعون الآن في سجون النظام السعودي بلا محاكمات، أو بمحاكمات صورية مثيرة للسخرية. أعتذر من الشعب اليمني الذي يدفع دمه وأمنه وحاضره ومستقبله ثمناً لحرب يريد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يظهر فيها منتصراً وبطلاً، ولو على حساب الشعب اليمني. أعتذر لنفسي وأطالب بسحب هذا الترشيح إكراماً للضحايا والثمن الذي دفعوه من أجل الحرية والإنسانية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني