تثبيت نتائج الانتخابات العراقية: هل يتقبّل “الحشد الشعبي” الخسارة؟

تقديم التنازلات الحالية، وقبول نتائج الانتخابات، ولو على مضض، سيساهمان في تشكيل الحكومة بشكل أسرع من تشكيل الحكومات العراقية السابقة التي كانت تستغرق عادة أشهراً من المفاوضات.

بعد 26 يوماً من الطعن بنتائج الانتخابات النيابية العراقية، أنهت المحكمة الاتحادية العليا الجدل بشأن تهمة تزويرها التي تقدم بها رئيس تحالف الفتح هادي العامري لتتم المصادقة على النتائج المعلنة من قبل المحكمة وتحميل العامري تكاليف المحاكمة وأتعابها.

الانتخابات البرلمانية المبكرة التي أجريت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أفرزت نتائج غير متوقعة، اعتبرها مراقبون صادمة للأحزاب والتحالفات السياسية التقليدية إذ حقق التيار الصدري اغلبية برلمانية من بين الكتل الشيعية المشاركة عبر فوزه بـ 73 مقعداً، يليه “ائتلاف دولة القانون” بزعامة نوري المالكي بـ 38 مقعداً فيما حصد “تحالف الفتح” الذي يضم غالبية الميليشيات المسلحة التابعة للحشد الشعبي والقريبة منه 17 مقعداً بعدما كان متوقعاً أن يحصد اكثر مما حصل عليه في انتخابات 2018 حين فاز بـ48 مقعداً. كما شهدت الانتخابات صعوداً بارزاً لكتل “تشرينية” تشكلت في ساحات الاحتجاجات.

نتائج الانتخابات دفعت بتحالف “الفتح” الخاسر بزعامة هادي العامري رئيس “ميليشيا بدر” وقيس الخزعلي زعيم “ميليشيا عصائب اهل الحق”، إلى تحشيد أنصارهما من الحشد الشعبي أمام بوابات المنطقة الخضراء في بغداد حيث مقر رئاسة الحكومة، وحصل صدام مع القوات الأمنية وقتل أحد المتظاهرين وأصيب كثيرون بجروح، ونصب المحتجون خيامهم لـ70 يوماً تقريباً أمام “الخضراء”، بعد نيلهم دعم أعضاء الإطار التنسيقي المكون من “ائتلاف دولة القانون” و”كتلة الفتح” و”حركة حقوق” القريبة من “كتائب حزب الله العراقي” برئاسة حسين مؤنس وتحالف قوى الدولة الوطنية بزعامة عمار الحكيم و”تحالف عطاء” بزعامة فالح الفياض و”حزب الفضيلة الإسلامي”.

تقدم هادي العامري بدعوى قضائية مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2021 أمام المحكمة الاتحادية للطعن بنزاهة الانتخابات مدّعياً أن عمليات تزوير لحقت بها، وتم تأجيل النظر في هذه الدعوى مرات عدة وتخللتها مفاوضات ولقاءات معلنة وغير معلنة من قبل السياسيين ابرزها زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الى أعضاء الإطار التنسيقي في منزل هادي العامري في بغداد.

المحكمة الاتحادية أنهت الجدل القائم بين مقدّمي الطعون وبين المفوضية وأعلنت في قرار نهائي ردّ الطعون، وصادقت على النتائج لتبدأ بذلك مرحلة سياسية جديدة.

أستاذ العلوم السياسية نجم طارش يرى أن هناك توافقات سياسية أجريت خلف الكواليس وكانت عملية التأجيل للبت في الدعوى القضائية فرصة للتفاوض والوصول إلى قناعات مشتركة بين الخاسرين والرابحين، وان قرار المحكمة الآن جاء لإنهاء الأمر بعد حصول الإطار التنسيقي على بعض الضمانات. ولا يمكن، بحسب طارش، نفي تدخل الجانب الإيراني بالضغط على قوى الإطار للسير في نوع من التسوية خصوصا بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

الكتلة الصدرية أعلنت بعد المصادقة على نتائج الانتخابات في مؤتمر صحافي أنها ملتزمة بمشروع زعيمها مقتدى الصدر بتشكيل حكومة ذات أغلبية وطنية بحسب تعبيرهم وان ملف المفاوضات مع الإطار التنسيقي هو أمر محصور بالصدر ذاته وليس لأحد من أعضاء الكتلة شأن به.

الباحث قاسم الشويل  يجد أن السيناريو المقبل مغاير لما ألفه السياسيون سابقاً، وان حظوظ الحكومة التوافقية قليلة ومحاولات التصعيد من قبل الاطار التنسيقي في الفترة الماضية لم تأتِ بنتيجة عملية سواء بالضغط على المفوضية أو المحكمة الاتحادية، لذا تشكلت قناعة لدى أعضاء الإطار بالقبول بالنتائج، لا سيما أنهم غير قادرين على تشكيل الحكومة بمفردهم، فالكتلة الصدرية تمتلك أغلبية عددية تمكّنها من عرقلة تشكيل الحكومة.

ويجد الشويل أن أعضاء الإطار سيفاوضون للحفاظ على مكاسبهم السابقة، من قبيل عدم المساس بهيكلية الحشد الشعبي وغيرها من المكاسب الأخرى داخل الوزارات الموجودة حالياً، كما أن احتمال تشكيل الحكومة هذه المرة قد يكون أسرع من المرات السابقة وفقاً لمفاوضات أجريت خلف الكواليس وقناعة الأطراف بحجم تمثيل الصدر.

زعيم “ميليشيا العصائب” قيس الخزعلي كان من أشد المعارضين لنتائج الانتخابات، لكنه أعلن خضوعه لقرار المحكمة الاتحادية وغرد أنه مقتنع بعدم مهنية القرار ولكن جاء قبوله “تقديساً منا للمصلحة العامة وأهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة”.

زعيم “ائتلاف قوى الدولة الوطنية” عمار الحكيم أعلن بدوره قبوله قرار المحكمة، مؤكداً في المقابل عدم مشاركته في الحكومة، علماً أنه لا يمتلك إلا أربعة مقاعد في البرلمان.

الإطار التنسيقي سحب أنصاره من تجمّعاتهم أمام البوابة الخضراء، مع احتفاظهم بحق التظاهر في الأيام المقبلة، وسيكون للاطار لقاء جديد مع الصدر في مقر إقامته. ويبدو أن نوري المالكي سيغيب عن هذا الاجتماع.

بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، يدعو رئيس الجمهورية الى انعقاد مجلس النواب برئاسة أكبر الأعضاء سناً لإدارة الجلسة خلال مدة لا تتجاوز 15 يوماً من تاريخ المصادقة على النتائج، لتنطلق بعدها مرحلة جديدة في اختيار رئيس جديد للبرلمان وفقاً لتوافق التحالفات السنية بحسب العرف السياسي المعمول به في العراق ما بعد عام 2003.

الباحث مناف الموسوي يجد أن تقديم التنازلات الحالية، وقبول نتائج الانتخابات، ولو على مضض، سيساهمان في تشكيل الحكومة بشكل أسرع من تشكيل الحكومات العراقية السابقة التي كانت تستغرق عادة أشهراً من المفاوضات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني