الفن في خدمة السلطة والتحشيد… النازية كأسلوب للحكم والترويض!

تتوقع الأنظمة العربية من الفنون التي تنتجها المجتمعات المحلية أن تدافع عن رؤى الأيديولوجية الحاكمة المهيمنة، وأن تكرس الأحوال السائدة أو تمتدحها بلا مساءلة أو تكوين وعي نقدي عند المتلقي.

تتوالى الصدامات بين الأنظمة العربية والأعمال الفنية المنتجة، فخلال أقل من ستة أشهر، أوقف الأمن اللبناني عرض مسرحية “تنفيسة”، ولم يتمكن مهرجان الفنون السنوي من عرض الفيلم التونسي الفرنسي “الرجل الذي باع ظهره”، وانتقدت الرقابة الفنية المصرية تجسيد الفقر في فيلم “ريش”، كما سحبت المملكة الأردنية الهامشية فيلم “أميرة” من ترشيحات الأوسكار. 

الأنظمة المذكورة تعتقد بالدور الدعائي للفن أي البروباغندا، وليس الدور النقدي. إنها تفضل فنون الترويج الملائمة لرؤيتها الإيديولوجية، السياسية، والاجتماعية وحتى رؤيتها الفنية. ومن دون استثناء، فإن كل الأنظمة السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، استعملت الفنون لترويج فكرها السياسي واستمرارية حكمها، وبالتالي فإن العلاقة راسخة بين الفنون والبروباغندا، وهي ليست حكراً على الأنظمة الشمولية ذائعة الصيت، بل يعتبر مثلاً إنتاج السينما الهوليوودية في الولايات المتحدة في إطار أقوى أنواع فنون البروباغندا التي أنتجت في القرن العشرين، ويعتبر مكتب البروباغندا البريطاني أول المكاتب المختصة في هذا المجال، متقدماً تاريخياً على وزير البروباغندا السوفياتي أو النازي.

المسرح في خدمة الكنيسة والتحشيد للحروب الدينية

في بحثه “المسرح والسياسة عبر التاريخ”، يكتب فؤاد دوارة: “رغم أن المسيحية حاربت الممارسة المسرحية الرومانية، وضيقت الرقابة عليها، فدعا القس تارتوليان أن يكون التخويف هو سلاح الكنيسة الأول لتقضي على المسرح، لكن تارتوليان نفسه كان أول من تمنى قيام مسرح مسيحي يجسد آلام المسيح ويصر على إلقاء الآثمين في النار، ويمجد الملائكة والقديسين، ويقوم على أسس أخلاقية قويمة”. وهكذا، بدأ الفكر الديني المسيحي باستعمال المسرح الموافق لرؤاه الأخلاقية والفلسفية، فقدمت مسرحيات قصيرة ذات طابع ديني كمسرحيات “الممر” التي ظهرت في إنكلترا ويدور معظمها حول الحروب الصليبية، وتصور القتال بين شخصية سان جورج ومعه جنوده، وبين عدوه الفارس التركي أمير بلادين أي فلسطين، ومعه قائد جيشه المغرور الذي يكثر من الحديث والتفاخر، ثم يأتي طبيب ليعالج الجرحى وإظهار معجزة سان جورج في إحياء الموتى من جنوده”. وهكذا، اشتركت السلطات الكنسية والمدنية في استخدام المسرح كسلاح في حربها الضارية ضد بقايا الإسلام والمسلمين، ولتثبت العقيدة المسيحية في نفوس آلاف الإسبان الذين ارتدوا عن الإسلام طوعاً أو كراهية، وبقايا العرب الذين أجبروا على اعتناق المسيحية”.

المسرح في تكريس الملكية وسلطة الملك

وحتى عصر النهضة يمكن تتبع استمرارية الأعمال المسرحية التي تجسد عظمة الملك وتقنع النظارة بضرورة الولاء له، وتمجد بطولات المقاومة للمحتل أو المعتدي. ونرى نصوصاً من عصر النهضة الإسباني مع مسرحيات الأديب ميغيل دي سرفانتس، ومنها نص “الفلاح في أرضه” التي توهم بحاجة الملك لأفراد الشعب الأوفياء، وذلك عبر حكاية فلاح ثري يفخر بالأراضي التي يملكها بمقدار ما يفخر بولائه للملك، وحين تتم دعوته إلى القصر الملكي، تبين لنا المسرحية أن الفلاح الثري لا يحتاج إلى الملك، بل أن الملك هو الذي يعتمد عليه”. لقد كتب سرفانتس ثلاثين ملهاة ومأساة وفاصلاً مسرحياً، نلمح في الكثير منها مضموناً تمجيدياً أو احتفالياً ببطولات المرحلة الاسبانية تلك: “لعل أهمها مأساة نومانثيا التي قال عنها شوبنهور، لقد رسم فيها ثرفانتس انتحار شعب بأكمله. وتكتسب هذه المسرحية كل يوم تقديراً جديداً. لما تمجده من بطولات جماعية تصل إلى حد الجنون، ولكنها تنتفع برداء أسطوري محبب يعطيها قوة درامية، برغم أنها ترتكز على تاريخية صلبة، وموضوعها العمل الفدائي الجماعي. وتستمد المسرحية موضوعها من أحداث جرت بالفعل لمدينة نومانثيا التي كانت عاصمة لاسبانيا الفديمة سنة 1333 عندما حاصرها القائد الروماني اشبينيون وضيق عليها الخناق وتجسد المسرحية البطولات التي قام بها الأهالي بإحراق المدينة وألقوا بأنفسهم كذلك والتهمت البلد بأكملها فلم ينج إلا طفل صغير رمى بنفسه فوق أبراج المدينة أمام أعين الأعداء المذهولين”.

البروباغندا في الحرب العالمية الأولى

البروباغندا هي كلمة لاتينية، وهي تعني النشر أو الترويج. استعلمت بداية في “مجمع نشر الإيمان” الذي أسسه البابا غريغوري الخامس عشر عام 1622، لنشر الكاثوليكية في الأقاليم التي لم تعتنق الكاثوليكية بعد. وعام 1790، بدأ المصطلح يشمل الأنشطة المتعلقة بالمجتمع المدني، لكن المصطلح سيحضر بشكل أساسي في نهاية القرن التاسع عشر وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى حيث ارتبط مباشرة بتشكيل الرأي العام ونشر الخطاب السياسي. وتكرّست  بشكل أساسي مع بداية إنشاء مكاتب خاصة بمجال البروباغندا في دول عدة: “استعملت الكلمة في العصر الحديث، خلال حرب الثلاثين عاماً التي شهدتها أوروبا ما بين الأعوام 1618 – 1648، فخوفاً من انتشار أفكار مارتن لوثر، تشكلت لجنة كنسية للدعاية، وعندما قامت الثورة الفرنسية امتلكت الصحافة سلطة جبارة على التأثير في الجماهير، ما دفع السياسيين لاستخدامها في الصراع السياسي. وفي الحرب العالمية الأولى، أسس الرئيس الأميركي توماس وودرو ويلسون لجنة دعائية ساهم في عضويتها كبار المفكرين والمنظرين الأكاديميين أمثال جون ديوي، فالتر لبمان، أدورد بيرنايس، كما تأسست في بريطانيا وزارة للدعاية التي أخذت على عاتقها مهمة تحريض الشعب الأميركي ضد الألمان. أما الشيوعية فلم تفرق بين الدعاية والتحريض، وأصبحت تعني وسيلة لتهديم الأفكار البرجوازية ونشر الافكار”.

خلال الحرب العالمية الأولى تعاون علماء النفس وسياسيات الترويج مع الرئيس الأمريكي (ويدرو ويلسن) الذي دعاهم للعمل على تغيير مزاج الشعب الأمريكي الإنعزالي، أو الميال إلى عدم التدخل في المشاكل الدولية، لدفعه للاقتناع بدخول الولايات المتحدة الحرب، وأسس مكتب المعلومات العامة بإدارة الصحافي جورج كريل الساعي إلى نشر “المعلومات العمومية” عن الحرب. وأنشأ البريطانيون مكتب بروباغندا الحرب في أيلول/ سبتمبر 1914، والذي ضم عدداً من الشخصيات الأدبية، منها اللورد آرثور بينسوبي الذي نشر لاحقاً عام 1928 كتاباً أوضح فيه الخطة السياسية التي تم الاتفاق على اتباعها، وتتضمن أولى مقررات الخطط الدعائية:

معسكرنا لا يريد الحرب.

الخصم هو الذي يدفع إليها.

الخصم هو الذي يتحمل مسؤولية الحرب الأخلاقية أخلاقياً.

 للحرب بعض الأهداف أو الغايات النبيلة.

الخصم هو الذي يرتكب الفظاعات المتعمدة.

ورغم ذلك فهو يخسر باستمرار.

الله يقف إلى جانبنا.

عالم الفن والثقافة يبارك حربنا.

الخصم يستعمل الأسلحة غير الشرعية.

 كل من ينكر القواعد التسع السابقة، فهو إما خائن أو مضلل بفعل لجوء الخصم إلى أساليب البروباغندا، التي لا نستعملها نحن.

السوفيات والأسد ومراقبة الفن

مع صعود الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، ظهرت شخصيات استثنائية قادت الجانب الإعلامي من الحكم الشمولي. فبرز في الحكم الستاليني اسم وزير وزير الدعاية والثقافة أندريه جدانوف، فكان صاحب النظريات الثقافية التي تجعل من الفنون أداة من أدوات الدولة الشيوعية في صراعها مع الفكر الغربي، وكان وراء ما تعرض له آلاف المبدعين والمفكرين الكبار من ملاحقة وسجن واختفاء وتهجير وقتل. أنشأ اتحاد الكتاب السوفيات، وأصدر بيان الواقعية الاشتراكية كمذهب فني شيوعي. ويعتبر جوزيف غوبلز أشهر الشخصيات في الحكم النازي، وقد شغل منصب وزير التنوير الشعبي والبروباغندا بين 1933-1945. أسس عام 1939 الغرفة الثقافية التابعة للحزب الحاكم، والتي كانت تتولى مراقبة معايير الإنتاج الفني لتتلاءم مع ما أفكار الحزب. سعى غوبلز إلى ابتكار مؤسسات حكومية تعمل على توجيه الفنون ورقابتها، وأشرف على حملات إحراق الكتب، ومنع النقد المسرحي إلا على المحررين، وأصدر بيانات تحدد ما هو الفن الملائم للشعب.

خلال الحرب العالمية الأولى تعاون علماء النفس وسياسيات الترويج مع الرئيس الأمريكي (ويدرو ويلسن) الذي دعاهم للعمل على تغيير مزاج الشعب الأمريكي الإنعزالي، أو الميال إلى عدم التدخل في المشاكل الدولية، لدفعه للاقتناع بدخول الولايات المتحدة الحرب.

أما عن دور المؤسسات الرسمية في عهد الجنرال الإسباني فرانكو، فيمكن اكتشافها من خلال الرسالة التي وجهها إليه الكاتب المسرحي فرناندو آرابال، بعدما التزم المنفى في أميركا اللاتينية، فوجه رسالة مطولة كعمل أدبي إلى الجنرال اليمني وصف فيها دور المؤسسات التعليمية في تشكيل وعي الطفولة نحو الكراهية والعنف. ولد فرناندو أرابال عام 1936، وهو التاريخ الذي أسقطت فيه الفرنكونية النظام الجمهوري الإسباني، وألقي القبض على والده بسبب آرائه التحريرية والميول الماركسية. لقد كتب في رسالة وجهها إلى الجنرال فرانكو عن التربية السياسية في إطار حركة الكتائب المناصرة للجنرال ورجال الدين ترجمها إلى العربية د. محمود السرغيني: “لقد كان أطفال سنتي 1944 و1945، لا تتجاوز أعمارهم العاشرة أو الحادية عشرة، ومع صغر سنهم فقد جندوا في التشكيلات التابعة أو الموازية للجيش الكتائبي. في هذه التشكيلات، تعلموا الهتاف للثورة والكتائب، كما تعلموا كراهية الفن والحقد على الشعوب الأخرى كإنكلترا وروسيا، وكانوا يرتدون بذلة زرقاء ترمز إلى العمال وتدين بالفضل إلى الكتائب نصيرة الشغيلة. على أن أحسن  ما تعلموه هو مهنة الوشاية والتبليغ، حتى أن الواحد منهم لا يتوانى عن التبليغ عن نفسه”. ويشير آرابال في نفس الرسالة إلى الرقابة الصارمة التي كان الأساتذة الرهبان يمارسونها على التلاميذ كي يوجهوا قراءاتهم الحرة الخارجة عن نطاق المقرر، فيكتب: “على نسختي من كتاب الأدب الذي كنت اعتبره مادة مهمة، كان الرهبان يعلقون بسطور عابرة كلها قذف في حق الكتاب الذين لا يشاطرونهم الرأي. ففولتير يقول عنه: إنه مسخ شيطاني، لأنه يحلم بتحطيم الكنيسة، لذا فكل كتبه مسجلة في اللائحة السوداء. وباختصار، فكل نظرية فلسفية أو سياسية أو أدبية أو علمية لا تنسجم مع العقيدة الرسمية، يشطب عليها ويدان أصحابها، هكذا كان للتعلم رسالة مزدوجة، وهي التجهيل والإدانة”.

في بحثها “المسرح داخل سورية بعد الثورة إيديولجيات مفروضة ومحاولات لكسر الهيمنة”، تكتب الباحثة أليسار علي وتحت عنوان “مديرية المسارح والموسيقى، دائرة حكومية روتينية” عن الدور الرقابي والتوجيهي للمؤسسات الرسمية الثقافية: “لا تختلف سياسة المديرية التي كانت خشباتها، ودعمها، الملجأ شبه الوحيد للمسرحيين (لعدم وجود مسارح خاصة) عن سياسة دار الأوبرا، إذ إن أي نقد أو اتجاه يعارض التوجه الفكري لها يلقى الرفض (توجه النظام). لكنه يفترض للمسارح القومية التي لا تتبنى تياراً فنياً محدداً، أن تستوعب أي تجربة مسرحية جدية، وبخاصة إن كانت أكاديمية، لا أن تكون مؤسسة رديفة لنظام يمارس الهيمنة والديكتاتورية”. 

وبعد الإحاطة بالظرف الإداري والإنتاجي والرقابي للمسرح داخل سوريا، وكذلك المستوى التعليمي، تصل بنا الباحثة إلى تقييم العروض المسرحية التي قدمت خلال تلك الفترة: “من البديهي أمام الوضع السوري الذي يهيمن على مؤسساته الحزب الواحد والرؤية الواحدة أن تشغله عروض متكررة لمخرجين يقدمون ما تريد هذه المؤسسة. ففي كل عام، هناك عرض لأيمن زيدان (دائرة الطباشير 2015، اختطاف 2017، فابريكا 2018، ثلاث حكايا 2019) ومأمون الخطيب (هدنة 2015، زيتون 2017، اعترافات زوجية 2018) وزيناتي قدسية بالمشاركة مع ابنه قصي (غاندي 2016) هي مثيلة لعروض دار الأوبرا التابعة للنظام وتحمل الأهداف ذاتها، لكنها أقل تمويلاً وأقل علنية في توجهاتها، إضافة إلى بعض العروض الذي يختلف مخرجيها بحسب تقديم نص يوالي النظام، أو عن طريق علاقات شخصية أو محسوبيات باتت معروفة”.

تتوقع الأنظمة العربية من الفنون التي تنتجها المجتمعات المحلية أن تدافع عن رؤى الأيديولوجية الحاكمة المهيمنة، وأن تكرس الأحوال السائدة أو تمتدحها بلا مساءلة أو تكوين وعي نقدي عند المتلقي. هذا ما ينطبق على فنون البروباغندا منذ استعمال الكنيسة المسرح في نشر الفكر الديني والتحشيد الطائفي وصولاً إلى ما نشهده من منع أعمال فنية في دول عربية عدة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تنتهك السلطات اللبنانية الحريات الفردية وحريات التعبير عن الرأي المكرّسة في الدستور، في حين لا تجرؤ على ملاحقة متورطين في القتل والعنف والاختلاس.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني