أبواق السلطة الفاسدة:
سردية المثقف العراقي والمال القذر

ما قيمة كل ذلك النتاج الأدبي أمام هذه اللحظة التي يتحول فيها المثقف إلى طبّال للسلطة المجرمة، والرفاق الفاسدين.

في العراق، صار من “يشير إلى الأوساخ أخطر ممن يصنعها”. لأن السلطة -صانعة تلك الأوساخ- لها أبواقها المؤثرة، وأدواتها الفاعلة في تزييف/تشويه أي حقيقة، وإعطاء قيمة لكل شيء ينتمي إلى المزبلة، ليبدو وكأنه النموذج المثالي للتجربة. وأخطر أدوات السلطة هم شلة المثقفين، الذين “يتقمّمون” على “امتيازات” المال القذر، ويزدهرون في البيئات الفاسدة. لكن هذا لا يضر، فما دامت هناك إصبع وسطى طويلة، ستظل هناك يدٌ تشير إلى الأوساخ وصانعيها وأدواتهم وأبواقهم من المثقفين المرتزقة.

طبّالو اليسار المثالي

قبل خمسة أشهر من اليوم، انطلقت حملة إعادة تأهيل شارع المتنبي في بغداد، الحملة مولتها رابطة المصارف الخاصة، أي المصارف الأهلية، التي تأسست بعد 2003، وهذا بحد ذاته سبب كافٍ للتشكيك في مصدر التمويل، ومرجعية الأموال، ومثلما هو معروف فإن هذه المصارف تسيطر عليها الأحزاب الإسلامية والمليشيات المسلحة، وقد ازدهرت خلال ولايتي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي وصل الهدر المالي في عهده إلى مليارات دولار أمريكي.

هذه المصارف تدفع الهدايا “نقداً” لكتّاب ومثقفين وصحافيين ونشطاء مؤثرين في الرأي العام والسوشيال ميديا العراقية، لشراء ذممهم وصمتهم، وضمان إبعاد ما يجري في خزائن تلك المصارف من جرائم مالية بعيداً من محاربة الفساد. أحد هؤلاء الكتاب هو روائي عراقي على قدر كبير من الشهرة، لكنه ليس بطل الزيارات الليلية برفقة أمين بغداد، أمين “أمانة بغداد” المؤسسة الحكومية الفاسدة.

روائي عراقي آخر، هو علي بدر، مغترب في “دول العالم الأول” وله حكايات وتنظيرات عن الأدب واليسار والأنظمة الاستبدادية، ويتحدث بحماس شديد ضد حقبة “الطاغية” صدام حسين، وحزب البعث الذي هرب منه إلى أوروبا، وهنالك -يُفترض- أنه تعلم شيئاً عن الجمال والحداثة وما بعدها والمدنيّة وأُسس المجتمعات والمدن الحديثة.

بدر، جاء من مغتربه الأوروبي إلى العراق، زائراً وضيفاً في معرض العراق الدولي للكتاب، وخرج مع “معالي” أمين بغداد علاء معن، وصديقهم الثالث زهير الجزائري، في زيارة ليلية، ذات طابع أمني وعسكري، يلتقطون الصور وهم يسيرون على طريقة عصابة Peaky Blinders في شارع المتنبي الذي تحول إلى مهزلة ملونة بطلاء البوية الرديئة والأضواء النشاز، ويمدح بما يمتلك من لغة، أمانة بغداد الفاسدة، ويثني على أمينها (صديقه) ويعول عليه وعلى أمانته ببناء العراق وتطوره، يقول بدر: “هذه واحدة من الإنجازات التي تمنح الأمل والثقة ببناء العراق وتطوره”.

كيف لنا أن نعوّل على هذا الروائي؟ ونصغي إلى تنظيراته عن الحياة المدنية، واليسار المثالي، وأثر الأدب في حياة الأمم وكل الذي صدره لنا طيلة أعوام اغترابه؟ ما قيمة كل ذلك النتاج الأدبي أمام هذه اللحظة التي يتحول فيها المثقف إلى طبّال للسلطة المجرمة، والرفاق الفاسدين.

أشك أنه مغفل إلى الدرجة التي لا يميز فيها الفرق بين المدينة والزريبة، وهو يتجول ويأكل وينام في كل تلك العشوائيات ويمارس تنظيراته في ندواتٍ تؤمنها المليشيات المسلحة. بالتأكيد هو يدري أن وزارة الثقافة من حصة مليشيا عصائب أهل الحق. وأن المجرم القاتل قيس الخزعلي هو من بارك سيادة وزير الثقافة ونصَّبه على كرسيه. ويدري أن الوزير وكل رفاقه المسؤولين في الوزارة يُنصّبون ويعزلون بجرة قلم. 

الأمانة الفاسدة

المسألة لا تتعلق بالثقافة والأدب بأي شكل، وإنما هي مسألة عقود وصفقات وفساد وسرقة وثراء وامتيازات على حساب كل مبدأ إنساني. بالتأكيد يعلم هذا الروائي لماذا استقال المهندس المعماري منهل الحبوبي من منصب أمين بغداد، وإذا لم يكن يعلم فهذه بعض المعلومات عن فساد أمانة بغداد التي يطبل لها:

المقربون من أمين بغداد (حينها) منهل الحبوبي، نقلوا عنه أنه عجز عن إيجاد شارع واحد يصلح أن يُسمى شارعاً عاماً أو شارعاً فرعياً. بغداد بكامل تاريخها لم يعد فيها شارعٌ تنطبق عليه المواصفات الحديثة للطرق، لذا أطلق الحبوبي ما أسماها الخارطة الأساسية للحفاظ على بقايا بغداد التي نعرفها.

في إحدى جولات الحبوبي “السرية” على أكثر من عشرين محلة وقاطع ضمن بلديات المدينة، وكذلك الأحياء المهمة مثل الكرادة والرصافة والمنصور والرشيد والدورة، وثّق بكاميرته الشخصية مئات الصور لأطنان من النفايات والأنقاض. 

كل واحدة من تلك الصور، مكتوب عليها تفاصيل المكان المصور. إنها من أبشع الصور التي يمكن أن تراها عن بغداد: مساكن عشوائية، ومراكز تجارية، ومحطات غسيل ووقود، ومقاه للشاي والأركيلة، ومطاعم، كلها في أراضٍ مملوكة من الدولة، وفي مناطق داخلة ضمن خارطة التخطيط العمراني للمدينة، لكنها مستحوذ عليها من الأحزاب المتنفذة، أو المليشيات المسلحة بتواطؤ من بلديات تلك الأحياء، وسكوت من المدراء.

في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2020، اعتقلت قوة أمنية مدير بلدية المنصور علي جار الله، بعد إقالته من منصبه ورفع دعوى قضائية ضده من لجنة الأمر الديواني 29 الخاصة بمكافحة الفساد والجرائم. جار الله متهم بقضايا فساد كبرى، وتحويل حي المنصور الذي يعد من أرقى أحياء بغداد إلى منطقة مكتظة بالعشوائيات والنفايات.

إقرأوا أيضاً:

حي المنصور شوارعه رديئة، الرئيسية منها والفرعية، وبحسب تقارير اللجان الرقابية فإنَّ 88 في المئة من شوارع الحي بحاجة إلى إكساء وتبليط، و5 في المئة فقط بحالة جيدة.

التجاوزات على الشوارع والأرصفة والمباني ارتفعت في السنوات 2017، 2018، 2019 بشكل تصاعدي، فبلغت التجاوزات لعام 2018 ما نسبته 136 في المئة مقارنة بعام 2017، وارتفعت عام 2019 بنسبة 202 في المئة عن عام 2017، ولم تقم البلدية بأي إجراءات لردع المتجاوزين أو محاسبتهم.

في أرقى أحياء بغداد توجد 57 محلة، 43 منها غير مخدومة نهائياً بشبكات مياه الأمطار، التي تعتبر ضرورية لتلافي غرق الشوارع بالمياه والوحول في مواسم الشتاء، وكذلك لتقليل كميات المياه الواصلة إلى محطات مياه الضخ لمياه الصرف الصحي، على اعتبار أن مياه الأمطار يمكن تصريفها في الأنهار لعدم احتوائها على مواد عضوية ملوثة.

عام 2020، قالت لجنة الخدمات والإعمار النيابية إن “الإيراد السنوي لدائرتين في أمانة بغداد هما عقارات الدولة وماء بغداد لا يتجاوز بمجموعه 175 مليار دينار، بينما الإيراد الفعلي الحقيقي المتوقع يتجاوز مبلغ 600 مليار دينار” وكشف عضو اللجنة علي الحميداوي أن أمانة بغداد أنفقت أكثر من 20 مليار دولار منذ 2003 ولغاية 2020. كل هذا والمدينة غارقة في النفايات والعشوائيات.

حزب الدعوة المنفتح

الروائي المعارض لحزب البعث، والإسلام السياسي، لا ضير عنده في أن يحل ضيفاً على مؤسسة تابعة لحزب الدعوة الإسلامي (الحزب المسؤول عن تسليم 41% من مساحة العراق لتنظيم داعش، وهدر مليارات الدولارات) وحين أخبره صديق ناصحٌ أن مؤسسة نخيل عراقي التي هو ضيفها تابعة لحزب الدعوة، رد عليه بأن هذه المؤسسة فيها قاعة للموسيقى، وقاعة للرسم، ومقهى، ونساء يدخنَّ في الحديقة، وهنالك صور لأدونيس والسياب، وأكواب القهوة عليها صور أم كلثوم، ثم يؤكد أن الحزب الشيوعي لا يمتلك مؤسسة منفتحة مثل نخيل عراقي.

إن كان الأمر يقاس على هذا المقياس، فحزب البعث كان لديه عشرات القاعات الموسيقية وفرق غناء، وقاعات للرسم ومئات المقاهي، والنساء في أدبيات حزب البعث يدخنَّ السجائر، ويشربن الكحول، ويرقصن، ويغنين، وصور أم كلثوم والسياب ومئات الفنانين والكتاب تملأ الجدران، ولهم شوارع وقاعات بأسمائهم، لكن، هل هذا هو القياس فعلاً؟ هل حزب البعث منفتح؟ وفقاً للمقاييس التي يبني عليها روائي عراقي نظرته للمؤسسات المنفتحة.

في مطالع القرن التاسع عشر، قال الروائي الألماني كارل غوتسكو: “المرء لن يكتسب الشهرة في ألمانيا قبل أن يذيع صيته السيء لفترة زمنية طويلة”. في القرن الحادي والعشرين، تكاد عبارة غوتسكو هذه تكون تعريفاً مثالياً لرموز النظام الطائفي الفاسد في العراق، وأبواقه من شِلل المثقفين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني