لبنان: إذلال العسكريين

أمام منسوب إدانة إذلال السلطة للعسكريين، فإن بحثاً معرفياً بسيطاً سيكشف أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تدور غالباً في مدار موازين القوى السياسية، وبشكل أوضح هي تقترب من الأقوى. وهذه المقاربة تُفضي إلى فهم أثر الوصايات السياسية على هذه الأجهزة.

مع مشاهد العسكريين على أبواب المصارف، خرج أخيراً القائد الأسبق للحرس الجمهوري في لبنان العميد مصطفى حمدان عن كل سياق كلامي سابق له. لم ينتبه أمين الهيئة القيادية لحركة الناصريين المستقلين (المرابطون) يوماً إلى مآسي اللبنانيين، وهو منذ خروجه من المؤسسة العسكرية، انخرط في خطاب ممانع لا يقيم وزناً للبؤس أمام الصراعات الكبرى. خرج حمدان إذن بفيديو مصور توجه به إلى الرؤساء الثلاثة مستعيراً فيه الكثير من خطب الخارجين على فساد السلطة.

    قبله، وفي شهر نيسان من العام 2019، كانت رواتب العسكريين المتقاعدين ومخصصاتهم، وكمكتسبات شخصية، وحدها الكفيلة بجمع نائبين عن الشعب لمرة واحدة وأخيرة، النائب الأقرب إلى النظام السوري جميل السيد، والنائب وهبة قاطيشا الذي يمثل من موقعه النيابي والسياسي في حزب القوات اللبنانية، الخصومة الدائمة مع محور الممانعة ونظام سوريا في متنها. 

   ما سبق ضروري لفهم ما حصل بالأمس من “مشهديات”الذل التي تشارك العسكريون والمواطنون، للمرة الأولى، وقائعها البائسة على خلفية التعميم 161 الصادر عن مصرف لبنان. فالبناء على كلام حمدان، وقبله على الود المعقود استثنائياً بين جميل السيد ووهبة قاطيشا ومعهما ايضاً النائب (العوني)شامل روكز، يشي بانعزال عسكري عن هموم هي بالضرورة مساحة بؤس مشتركة بينه وبين  المواطن ، لصالح مكتسبات شخصية حيناً، أو مرغماً حين تعقد المأساة بينهما.

    والإنتساب إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية هو خيار شخصي يعرف صاحبه مسبقاً أنه سيكون ظهير السلطة السياسية، لكن بزِيٍّ عسكري، وأنه أداتها القمعية غالباً، وأن بلداً كلبنان تهاوت فيه الديمقراطية بفعل الوصايات، فيه ما يعزز هذا المؤشرالقمعي،  وهو ما يُخضِع وجدان المرء إلى التأرجح  أمام مشهد العسكريين على أبواب المصارف، أو داخلها، بين الجحود والعاطفة. فمواطنية العسكري، ومأساته بالتالي، يُفترض أن تتكامل مع مآسي أكثر اللبنانيين الذين خرجوا ضد السلطة التي لا زالت تمعن في فسادها، كما في إفقارهم. لكن مشهديات سابقة لهؤلاء العسكر منذ 17 تشرين الأول 2019 وما تلاها، تبدد هذا التكافل في المأساة، في حين لا يحتاج راهننا إلى قدح الذاكرة التي لا تختزن، وبأسف، إلا أثر هراوات العسكريين على أجساد المواطنين، أو في الأعين المفقوءة بالرصاص المطاطي، أو بالاعتقالات التعسفية لمواطنين لم يعد يسعف عجزهم إلا شتمهم للسلطة ورموزها، ويضاعف هذا الأسف أن هؤلاء تنكبوا الاعتداء على صورتهم المدنية التي باشرت بالأمس تماثلاً من موقع الذل الذي لن يُجدي معه تأويل الكثير من الأسباب  التي تجعل صورتي العسكري والمدني في شوارع المدن اللبنانية على هذا التناقض الذي يفترض أن تضع خاتمته مشاهد الأمس.

   يفترض إذن أن يؤسس مشهد المصارف الأخير لسياقات أخرى من التكافل بين القوى العسكرية والمواطنين، وذلك على وقع مؤشرات تدفع باتجاه وقائع آيلة إلى الأسوأ، وأن العقم السياسي والمالي في السلطة سيرتب بالضرورة ارتفاعاً في منسوب المآسي الاجتماعية، وسيفضي غالباً إلى مشاهد أكثر بؤساً من تدافع العسكريين فيما بينهم، أو زحفهم على الأرض للحصول على “مكرمات” هي ما استطاع العقل المالي لهذه السلطة تمويه عقمه من خلالها، فأتت وقائعها أكثر سوداوية،  وأغلب الظن أنه سيحاول كسر سوداويتها بتعطيل مفاعيل صرخة العسكريين بتعاميم تشطر صورة هذا الذل المعمم.

    عموماً، وأمام منسوب إدانة إذلال السلطة للعسكريين، فإن بحثاً معرفياً بسيطاً سيكشف أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تدور غالباً في مدار موازين القوى السياسية، وبشكل أوضح هي تقترب من الأقوى. وهذه المقاربة تُفضي إلى فهم أثر الوصايات السياسية على هذه الأجهزة العسكرية وموقعها بالتالي من الصراع بين السلطة والشعب، ويكثف هشاشة هذه القداسة المفترضة أن هذه الأجهزة تحولت في العقود الثلاثة الماضية إلى سعفة توظيفية لقوى السلطة، وأن الكثير من المشاهد الدموية السابقة على مشهد الأمس، والتي صنعت هذا الإنشطار الوجداني تجاه ذل العسكريين، هي على الأرجح وليدة هذا التوظيف الذي لا يزال يتحكم بوعي  عسكري قاصر عن الخروج من مذهبيته.

  بالمناسبة، يُحسب للمؤسسات الأمنية أنها تضبط، وإن بخفر، النزعات السياسية العميقة لأفرادها، والتي لا يلبث أن يفجرها سن التقاعد، ومصطفى حمدان وجميل السيد ووهبة قاطيشا نموذجاً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني