المدارس “الكرفانية” في العراق:
“محارق” موقوتة تهدد الطلاب

في الصف الواحد يجلس 70 طالباً تقريباً،" وبسبب كثرتهم لا يفهمون الدرس جيداً، الأطفال ليسوا مهددين بالأمية فحسب، بل بالضياع أيضاً".

«ماذا لو احترقت المدرسة صباحاً؟» يسأل الشيخ قحطان الدراجي (58 سنة) وهو يروي تفاصيل حادثة احتراق مدرسة «أزهار الصباح» في منطقة الشعب في العاصمة العراقية بغداد، إثر تماس كهربائي في الليل، حولها إلى رماد.

الدراجي أب لأربعة أطفال في المدرسة المحترقة يتحدث لــ«درج» عن واقع منطقته وليلة اشتعال “أزهار الصباح”: «الحريق حدث ليلاً ولو اندلع صباحاً في ساعات الدوام لتسبب بكارثة أكبر. أقف ومعي أولياء أمور الطلبة كل يوم عند باب المدرسة خشية حدوث أي طارئ… نخشى عليهم من كل شيء».

يتحدث ذوو الطلبة عن أوضاع المدرسة المنكوبة قبل احتراقها «في الصف الواحد يجلس 70 طالباً تقريباً، وبسبب كثرتهم لا يفهمون الدرس جيداً، الأطفال ليسوا مهددين بالأمية فحسب، بل بالضياع أيضاً». ويقولون أيضاً إنهم أُرغِموا على تسجيل أبنائهم في هذه المدرسة بسبب حالتهم المادية.

تقع المدرسة المشتعلة في منطقة الكبر والغزلان التي تبعد من مركز العاصمة (8 كلم) وتمكن، بوضوح، ملاحظة الإهمال الحكومي للمنطقة، حيث لا مدارس ولا مراكز صحية ولا شيء يدل على أنها منطقة تابعة لبغداد، ولا يخفى أيضاً على زائر المنطقة فقر الأهالي، إذ لا يتجاوز دخل كثر منهم ما يعادل 50 دولاراً، لنقل أطفالهم شهرياً إلى أقرب مدرسة في منطقتي حي أور والصدر.

“الحريق حدث ليلاً ولو اندلع صباحاً في ساعات الدوام لتسبب بكارثة أكبر”.

تجاهل شروط السلامة

يقدر عدد المدارس الكرفانية في بغداد وحدها بالعشرات. وهذه المدارس هي عبارة عن غرف جاهزة يتم تركيبها سريعاً كتلك التي تستعمل في باحات ورش الإعمار وهي مخصصة لعمل موقت وليست مؤهلة لتكون مباني مدرسية تضم أطفالاً، وبرغم افتقارها إلى معايير السلامة المطلوبة، لكنها باتت تنتشر في العراق. مديرية الدفاع المدني تقول إنها لم تمنح موافقات لإنشائها، وتصفها بالخطرة على الطلبة، وتؤكد أن فرقها تعمل على إزالة المباني المشيدة من ألواح «Sandwich panel» المخالفة لتعليمات السلامة الصادرة عنها.

«Sandwich panel»، هي ألواح مصنوعة من مواد سريعة الاشتعال تحمل بين طياتها مادة الفوم، وتنتج عنها مخلفات غازية سامة عند احتراقها ويتهاوى البناء المشيد من ألواحها بغضون دقائق، ويتسبب بنشر الحريق بسرعة هائلة لكل ما يجاوره، ما قد يؤدي في معظم الأحيان إلى خسائر بشرية ومادية فادحة، وكل ذلك «يصعّب على رجال الدفاع المدني التعامل مع الحرائق من هذا النوع؛ إذ يكون الاحتراق في مادة الفوم وهي مادة غير قابلة لامتصاص المياه، ما يؤدي إلى صعوبة إخمادها، خصوصاً أن معظمها مشيد من تلك الألواح الخطرة التي تعد من أسباب زيادة معدلات الحرائق في العراق خلال السنوات الأخيرة»، بحسب الدفاع المدني.

للعراقيين تاريخ مأساوي وحافل مع حرائق الفساد والإهمال، كان آخرها في 24 نيسان/ أبريل الماضي، حين اندلع حريق في مستشفى «ابن الخطيب» في بغداد، جراء انفجار أسطوانة أوكسيجين وخلّف عشرات الضحايا، وفي 12 تموز/ يوليو الماضي اندلع حريق في مستشفى الحسين المخصص لعلاج مرضى «كورونا» في محافظة ذي قار وخلف عشرات الضحايا أيضاً. وكان مركز عزل “كورونا” في مستشفى الحسين كرفانياً أيضاً، ومصنوعاً من ألواح البانيل. واليوم تنتقل نيران الإهمال من المستشفيات إلى المدارس.

إقرأوا أيضاً:

8  آلاف مدرسة حاجة آنية

بحسب أرقام حصل عليها «درج» من وزارة التربية، فإن حاجة العراق الآنية تقدر بنحو 8 آلاف مدرسة لتعويض النقص الحاصل في الأبنية المدرسية، غير أن خطة الوزارة لا تغطي سوى 11 في المئة من الحاجة الفعلية وبواقع «1000 مدرسة من القرض الصيني، و26 مدرسة ضمن مشاريع البنك الدولي، و73 أخرى من القرض الكويتي، إضافة إلى مدارس أخرى ضمن مشاريع تنمية الأقاليم والتي تأخذ الإدارات المحلية في المحافظات على عاتقها مهمة تشييدها».

شيدت «المدارس الكرفانية» عام 2011 بعد عمليات هدم لمدراس آيلة للسقوط في بغداد والمحافظات ضمن مشروع يعرف إدارياً بـــ«الأبنية المدرسية رقم 1» كحل موقت لتفادي أزمة تعليمية، لكن أكثر من 11 سنة لم تكن كافية لإنجازه؛ إذ مرَّ بسلسلة معقدة من المخاطبات الإدارية والبيروقراطية والتلكؤ والإهمال وقبل ذلك كله الفساد الذي ينخر الدولة العراقية. 

ما من إحصاء دقيق لعدد المدارس الكرفانية في العراق، وتعلل وزارة التربية ذلك بـ”عشوائية تشييدها”، فمرة تبنيها الحكومة المركزية أو المحلية، ومرة أخرى المنظمات الإنسانية العاملة في البلاد، وتحاول الحكومة الحالية وضع حد لهذه الفوضى، إذ أبلغت وزارة الداخلية وزارة التربية قرارها منع تشييد أي مدرسة جديدة من هذا النوع لخطورتها ولكونها معرضة للحرائق.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني