يوم اتُهِمتُ بأنني بشار الأسد…
في الدفاع عن “الرمادية”

لا أحد يعلم كيف يعيش المعارض في الداخل، وسط نار حقيقية، يشاهد كل يوم الظلم وكبت الحريات والذل والجوع من دون أن يستطيع فعل شيء، من دون أن يتمكن حتى من قول "لا".

أعربتُ مرةً عن حزني على جنود في جيش النظام السوري، خلال حديثٍ مع صديقي، كان رد فعله مفاجئاً، مع أنه يعرف أنني معارضة للنظام. أشعرني كما لو أنني بشار الأسد بحد ذاته، أو أنني شاركت بالقتل كالنظام تماماً، حاولت شرح نفسي إلا أنه كان مصراً على شيطنة كل من له علاقة بالنظام. في ذلك الصيف، وخلال عبوري على أحد الحواجز الأمنية الكبيرة على مدخل مدينة دمشق، انتبهت لمجموعة جنود وسط أرض جرداء، بعيداً من الحاجز بنحو 100 متر، يستحمون تحت صهريج مياه كبير، مرتدين ثيابهم الداخلية، دون أن يكترثو، بالسيارات والحافلات العابرة فرحين بالماء البارد وسط الحر القاتل، ابتسمت حينها، وشعرت بالحزن والشفقة نحوهم، إلا أن صديقي اعتبر شفقتي نوعاً من الخيانة… هل أنا خائنة؟

قد يبدو سؤال “إلى أي جانب أنتِ؟” بسيطاً في عالم آخر، إلا أنه في سوريا أكثر تعقيداً، لا بل يعني الموت في كثير من الأحيان. “واجهت هذا السؤال كما لو أني أواجه مصيري”. إنه سؤالٌ دفع بالعلمانيين لترديد آيات من القرآن أمام تنظيم الدولة “داعش”، وهو السؤال الذي دفع معارضين لقول “سيادة الرئيس” أمام رجال الأمن والواشين، وهو السؤال الذي حيرني أمام رجلٍ لم أعرف إن كان رجل أمن أم معارضاً، فقلت: “الله يهدي البال”، انا الرمادية وسط عالم الأسود والأبيض، المتهمة بخيانة كل الأطراف، مثلي، هنالك كثيرون، يدعون رماديين، حتى لو لم يكونوا كذلك، يكفي ألا تتمنى الموت لكل المؤيدين حتى تغدو رمادياً. الرماديون هم أيضاً من لم ينضموا إلى أي طرف، لم تمثّل أي من الأطراف طموحاتهم، هربوا من نظامٍ قاتلٍ ومن معارضة فيها إلى جانب المثقف التائه وضحايا النظام، الإسلامي والقاتل المأجور، آخرون عارضوا النظام لكنهم لم يرضوا المعارضة لأنهم لم يمجدوها، وحين نتكلم عن المعارضة لا أقصد الناس الذين ثاروا وقُتِلوا، إنما أقصد أولئك الجالسين خلف شاشات حواسبهم، يمنحون صكوك الوطنية على هواهم. لو سُئلتُ اليوم: “أنتِ مع مين؟” ستختلف إجابتي، تبعاً للمكان والأشخاص من حولي، ليس جُبناً حماية روحك، فالشجاعة تهوّر مجانيّ وجهل واسترخاص بروحك، حين تعني مجابهة قاتل محتوم.

يعلم الأصدقاء المقربون وزملائي في العمل معارضتي للنظام السوري، ولأني لا أُظهِر انتمائي على العام خوفاً على عائلتي في المقام الأول، يشكّ من حولي في ذلك، يحاولون استدراجي، أحدهم بات واثقاً أني معارضة إلا أنه لا يملك الدليل، أكاد أقسم أنه واشٍ وينتظر فرصة لتسليمي إلى الأمن السوري، وصفني البعض بالجبانة، لأنني أخاف على عائلتي من الاعتقال والتعذيب. لذا، ترددت في كتابة هذا المقال بالتحديد، قد لا أكون واضحة وقد تخونني العبارات والإنسانية، نُجبر في بعض الأحيان على اختيار “الرمادية” والتي تعني الخيانة. في سوريا، لا بد أن تكون إما قاتلاً أو مقتولاً، هذا ما يتوقعه كل طرف منك، ولا يمكن أن يكون شخص ما قاتلاً ومقتولاً في الوقت عينه، الحالة السورية أكثر تعقيداً من أن تقول أنا مع أو ضد، كيف يمكن أن تقرر توجهك السياسي بعدما أمضيت حياتك من دون التطرق إلى السياسة؟ كل ما تعرفه هو “حزب البعث” والقائد الخالد، وحين جاءت المعارضة لم تستطع تحقيق ما تمنيناه، ثم باتت أرضنا ساحة تستغلها الدول الكبرى وتطردنا منها يوماً بعد آخر، هل لك أن تتخيل خيبة الأمل التي أصابتنا؟

هل رؤية الواقع من أكثر من زاوية، هي فعل خيانة؟ أم أن أحلامنا الوردية بالثورة والحرية اعمتنا وجعلتنا نصنع من كل آخر مختلف أسداً جديداً؟ أفكر بأولئك الجنود على الدوام، بأجسادهم النحيلة وبفتحهم صنبور الصهريج الكبير، بالمياه المتدفقة بقوة على الأرض، أفكر بالأيام التي أمضوها في انتظار الاستحمام وسط الهواء الطلق، أفكر بهم لأنني أعرف أصدقائي الذين اقتيدوا إلى الخدمة العسكرية، أولئك الذين لم يملكوا خياراً، لم يملكوا لا رفاهية الهجرة ولا دفع البدل العسكري، قد يكون أحد أصدقائي بين أولئك الجنود، هل أملك حق الحزن عليهم؟ أم أنها خيانة أيضاً؟

إقرأوا أيضاً:

اتُهِمت إحدى الكاتبات بأنها رمادية، فهي لا تظهر أي توجه سياسي على صفحتها على “فايسبوك”، كما صدف أن نشرت بعض نصوصها على موقع مؤيد وفي الوقت عينه نشرت على أحد المواقع المعارضة، تقول إنها اتهمت بأنها رمادية وأنها تستغل ذلك للوصول والانتشار. هل يتعلق الموقف بالممارسات حتماً؟ هل يُنسَف الموقف إذا أجبرنا الواقع على الصمت؟ هل يجب أن نموت جميعنا تعبيراً عن موقفنا من دون أن يغير ذلك شيئاً؟ لا أحد يعلم كيف يعيش المعارض في الداخل، وسط نار حقيقية، يشاهد كل يوم الظلم وكبت الحريات والذل والجوع من دون أن يستطيع فعل شيء، من دون أن يتمكن حتى من قول “لا”، يريدون أن نغدو أبطالاً خارقين لكننا لسنا كذلك، إننا بشر نخاف ونتردد ونحلم، لكن الحلم كلفنا كثيراً، أكثر مما تخيلنا.

حالة التطرف هذه موجودة بقوة في سوريا، تمثلها أصواتٌ كثيرة، نادت بإبادة كل المعارضين ومدنهم والعكس صحيح، هناك رفضٌ لأي نوع من التعاطف مع الطرف الآخر، يتحول التعاطف إلى جريمة وكأننا يجب أن نتخلص من إنسانيتنا إذا كنا معارضين للنظام، على رغم من كوننا جميعاً أبناء هذه البلاد القاسية، وندرك بشكل لا لبس فيه مقدار الضغط والمخاطر الواقعة على الأفراد، المثالية ليست موجودة في العالم السوري، يجب إدراك ذلك، تشي غيفارا ليس سورياً، ليس لأن لا تشي غيفارا بيننا، لكن حتى لو أتى تشي غيفارا يوماً وقرر تغيير الواقع السوري، سيدرك مثلنا تماماً أن المواجهة ليست مع الديكتاتور وحسب، وأن أمل التغيير يخفت يوماً بعد يوم. 

في يوم ما، ربما سأقول اسمي الحقيقي، سيعلمون حينها أن “الرمادية” قد تعني كونكَ إنساناً وحسب، وأن ترفض الظلم بكل أشكاله، في يوم ما سيصبح الرمادي هو اللون الوحيد، اللون الذي ينظر بحنو نحو ثائرٍ مهزوم، ويلتفت بالنظرة ذاتها إلى جندي بلغ الثامنة عشرة منذ أيام، ورمي إلى الجبهة بلا رحمة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني