الانتخابات الليبية: مرشحات في وجه العنف والتحيز القبلي

تستعد ليبيا لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، يتسلط الضوء فيها على مشاركة النساء. فهل ستشكل الانتخابات فرصة لمشاركة المرأة الليبية في بناء وطنها؟

السؤال مطروح بقوة بعد نحو عقد من الفوضى العارمة التي شهدتها البلاد، إثر سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، إذ فرضت الفصائل المتحاربة سيطرتها على البلاد، لتعاني الليبيات خلال هذه السنوات من انتهاكات خطيرة وصلت حد القتل والاعتداءات والاختفاء القسري بحقّ سياسيات وناشطات وصحافيات. 

هل تصل المرأة الليبية إلى رئاسة البلاد؟

يمكننا لمس تأثير حكم القذافي في ليبيا إلى اليوم، فهو كان يريد حضوراً عددياً شكلياً للنساء في الحياة العامة من دون مقاربة فعلية لقضايا الديموقراطية والحرية والمساواة، التي لم تكن مكرسة سوى في سياق شكلي سطحي. يقول الكاتب أحمد التهامي، إن حجم مشاركة المرأة الليبية في الحياة العامة كبير جداً، ربما بسبب سياسات القذافي التسلطية القمعية والتي أنتجت توسعاً كبيراً لمشاركة المرأة الليبية في سوق العمل وفي الوظائف ومجمل الاقتصاد.

يشدد التهامي على حق تمثيل المرأة، بخاصة في ظل غياب التوازن ما بين العبء الذي تتحمله الليبيات وبين تمثيلهن السياسي الضعيف، وهو أمر محكوم بضغوط اجتماعية قبلية، لكن أيضاً بسبب الضغوط الأمنية الكثيرة التي دفعت كثيرات إلى الانكفاء عن المشاركة في الحياة العامة وخصوصاً السياسية. 

ولمواجهة عزوف النساء عن المشاركة في الانتخابات كمرشحات أو كناخبات، تُقدم المفوضية العليا للانتخابات دعماً خاصاً لتحفيز مشاركة المرأة في العملية الانتخابية.

هذا التحفيز يحاول جذب نساء يشعرن بالقلق والخوف بعدما شهدت ليبيا هجمات ضد سياسيات وناشطات.

فعام 2019 خطفت النائبة سهام سرقيوة من منزلها في مدينة بنغازي على يد مسلحين ملثمين، اعتدوا أيضاً على زوجها، وحتى الآن لا يزال مصيرها مجهولاً.

وتعد جرائم الاغتيالات السياسية من أبرز عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين منذ التدهور الأمني الذي أعقب إسقاط نظام القذافي عام 2011. وقد أصبحت كابوساً يترصد السياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي.

وسط المخاطر الأمنية المقلقة في ليبيا وللمرة الأولى في تاريخ البلد تترشح نساء في الانتخابات الرئاسية، فرئيسة حزب “الحركة الوطنية” ليلى سليم بن خليفة تقدمت بترشحها، مؤكدة أنها ستمضي في هذا الاستحقاق حتى النهاية. الإصرار نفسه تعبر عنه المرشحة الثانية هنيدة المهدي، التي تقول إن مشروعها الانتخابي يهدف إلى بناء دولة جديدة في ليبيا؛ دولة قانون ومؤسسات وحرية وديموقراطية. 

الليبيات في وجه الانتهاكات والاغتيالات

هذه المشاركة تعني طموحاً نسائياً في العمل السياسي وهي قد تعني أيضاً احتمال تعرض المرشحات لانتهاكات. 

في ليبيا، يعاني المدافعون عن حقوق الإنسان والنساء بشكل خاص من مضايقات وتهديدات أمنية، قد تصل إلى حد التصفية الجسدية. رئيس اللجنة القانونية في منظمة “ضحايا” لحقوق الإنسان، أحميد المرابط الزيداني، قال إن المشكلة الرئيسية هي عدم حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والنساء لسن بمعزل عن ذلك، إذ تعرضت ناشطات للاختطاف وتقييد الحرية والإخفاء القسري، ووصل الأمر إلى التصفية الجسدية، لذلك فإن خوض المرأة غمار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أمرٌ مشوب بالخطر الدائم، كما تدل المؤشرات على عزوف النساء عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية وستكون حظوظ المشاركات ضعيفة أو معدومة، أمّا في ما يخص الانتخابات البرلمانية فيرى الزيداني أن حضور النساء  سيكون أكثر تمثيلاً بسبب وجود مقاعد خاصة بالنساء، إلّا أنه تمثيل محفوفٌ بالمخاطر في ظل غياب دور حقيقي للدولة، والانقسام السياسي الحاد في البلاد، فتصدر المشهد السياسي واتخاذ القرارات الجريئة سيكلفان النساء الكثير، فلا ضامن لمشاركة المرأة التي قد تكون عُرضة لشتى أشكال الانتهاك، بخاصة في ظل إفلات الجُناة من العقاب وعدم وجود نيّة في تطبيق القانون لوقف الانتهاكات.

على الجانب الآخر، تجد بعض المرشحات أن الخطر في الحقيقة لا يتعلق بالمرأة كنوع اجتماعي، قالت العضو في “ملتقى الحوار السياسي الليبي”، والمرشحة للانتخابات البرلمانية، لميس بن سعد إن “كثيرات تقدمن مثلها إلى الانتخابات، على سبيل المثال تقدمت 101 مترشحة عن دائرة طرابلس المركز وحدها، وهذا مؤشر إيجابي، يعكس رغبة النساء في الانخراط في العمل السياسي. وعلى عكس الزيداني لا تعتقد بن سعد أن تتعرض المترشحات لانتهاكات جسدية وقد تؤثر بعض المضايقات الالكترونية سلباً على المترشحات وحسب، مؤكدة أن المعركة الانتخابية تعج بتحديات كبيرة، مطالبةً النساء الليبيات بضرورة وجودهن في الهيئة التشريعية. 

تشاركها بالرأي المرشحة للانتخابات البرلمانية أمل عطية، إذ ترى ألا وجود لمخاطر أمنية على المرشحات، إلا أن هناك تفاوتاً في الحماسة لديهن، بحسب طبيعة المجتمعات والاختلاف ما بينها، تقول عطية: يعتقد الناخبون في بعض المناطق أن المرأة تنافس الرجل، حتى في الترشح الخاص، بسبب عدم درايتهم بالقوانين والتشريعات، فيغدو التصويت للرجل أولوية لديهم، لذلك تبذل المرأة وفريقها مجهوداً إضافياً لتوعية الناخبين!

تاريخ مرعب لاغتيال الحقوقيات الليبيات

تعرضت المدافعات عن حقوق الإنسان في ليبيا لانتهاكات عدّة، يقول أحميد المرابط الزيداني إن حجم العُنف الذي يُمارس ضد الناشطات يتزايد، 29 أيار/ مايو 2014، اغتيلت الصحافية نصيب كرفانة في مدينة سبها، وبعد شهر تقريباً وفي 25 حزيران/ يونيو، اغتيلت الناشطة الحقوقية سلوى أبو قعيقيص في مدينة بنغازي، كما اغتيلت فريحة البركاوي عضوة المؤتمر الوطني السابق في مدينة درنة، وقتلت الناشطة الحقوقية سارة الديب في مدينة طرابلس في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته.

وعام 2015، اغتيلت الناشطة انتصار الحصائري في مدينة طرابلس، فيما قتلت المحامية حنان البرعصي في مدينة بنغازي عام 2020، ولا يزال مصير عضوة مجلس النواب الليبي سهام سرقيوة مجهولاً بعدما اقتحم مسلحون منزلها، بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2019، واقتادوها إلى جهة مجهولة. بينما تخضع كثيرات للحجز التعسفي ومنهن: إيناس بن غزي، نسرين الشركسي، افتخار أبو ذراع، وبحسب الزيداني لم تكشف التحقيقات في كُل عمليات الاغتيال السابقة أيّاً من الجناة، ما أدى إلى عزوف الكثير من الناشطات عن ممارسة مهماتهن. 

تعد جرائم الاغتيالات السياسية من أبرز عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين منذ التدهور الأمني الذي أعقب إسقاط نظام القذافي عام 2011. وقد أصبحت كابوساً يترصد السياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي.

أما المرشحة للانتخابات البرلمانية وعضوة المؤتمر الوطني العام سابقاً، أسماء سريبة، فتقول إن من الصعب الفصل بين الرجل والمرأة في ما يتعلق بالمخاطر الأمنية، وقد تطاول التهديدات أي مواطن ليبي يترشح للانتخابات. استمرار انتشار السلاح وإفلات المجرمين من العقاب، يدفع المرشحين للتفكير أكثر من مرة، قبل اتخاذ هذه الخطوة وبخاصة النساء، بعد عجز السلطة عن كشف حقائق اغتيال أكثر من سيدة ليبية. وتطالب سريبة، بضرورة وجود سلطات تنفيذية تحتكر السلاح، وتحلّ الميليشيات وتطبق القانون على الجميع، لحماية المواطنات والمواطنين، مشجعة النساء على المشاركة وتحدي الواقع والموروثات الاجتماعية والعادات والتقاليد.

الدعم القبلي يحارب المرشحات

تعاني الليبيات اليوم من انحياز الدعم القبلي للرجال، وبحسب المستشارة القانونية منى زغبية فالدعم المالي القبلي هو أكبر تحديات المرشحات اليوم، وعلى رغم وقوف القبيلة إلى جانب المرأة، إلا أنها لا تسخّر جهودها لدعمها كما تفعل مع الرجل، إضافة إلى أن المرأة أقل حظاً منه لناحية دعم القاعدة الشعبية، لعدم اقتناع شرائح واسعة بقدرات النساء.

وبحسب بن سعد فإن أكبر التحديات التي تواجهها المرأة هي عدم توفر الدعم المادي، بخاصة للمنتسبات إلى أحزاب ناشئة حديثاً، إذ لا مقدرة لهذه الأحزاب على دعم حملات النساء الانتخابية، فتتحمل المرشحة كل التكاليف بشكل شخصي، أو تبحث عن ممول، على عكس الرجال الذين يتوفر لهم الدعم المالي كونهم أصحاب شركات ورجال أعمال، ومنتمين إلى أحزاب كبيرة تمتلك المال والنفوذ.

الناشطة في المجتمع المدني والمراقبة محلي في انتخابات المؤتمر الوطني العام، سنة 2012، هدى المقيرحي قالت إن الولاء القبلي والعائلي والاجتماعي هو المحرك الأقوى للعملية الانتخابية، بدليل أعداد المتقدمات الكبير، بخاصة اللواتي لا يملكن حتى خبرة كافية في العمل المدني، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي. ما يدفع قليلات الخبرة إلى الترشح هو المزايا المادية المغرية والعلاوات التي يمكن الحصول عليها من هذه المناصب، وهو الدافع الأكبر لذلك الجيش الجرار من المرشحات والمرشحين على حد سواء، ولا يمكن التعويل على ثقافة التضامن النسوي، التي تختلف من مدينة إلى أخرى، مشيرة إلى أن “المرأة ليست مزهرية ورد توضع على طاولاتِ صنع القرار، فقط من أجل الزينة ولتقارير تقدم إلى الأمم المتحدة، بل هي حاضرة من أجل معايير أكثر عمقاً وهي القيمة والتأثير والمساهمة، التي ينبغي أن تعتبر معايير مشاركة المرأة في العمل السياسي”. 

مقاعد الكوتا في البرلمان تظلم النساء

بحسب الخبراء المختصين بالشأن السياسي الليبي، سجلت الكتلة السياسية النسائية في مجلس النواب حضورها منذ انتخابات 2014، وخاضت حروباً شرسة لإنهاء سيطرة تنظيم الإخوان على مجلس النواب، وتنافس الليبيات اليوم في الانتخابات البرلمانية على المقاعد المخصصة لـ”الكوتا” وهي تمثل 16 في المئة من مجموع أعضاء البرلمان البالغ عددهم 200 عضو، إضافة إلى منافستهن على المقاعد العامة في الدوائر الفردية، وتجدر الإشارة إلى أن القانون الليبي يسمح بالصوت المزدوج للمرأة فقط. 

أما بالنسبة إلى عدد المقاعد المخصصة للنساء، فتقول المستشارة القانونية منى زغبية إنها تحتاج إلى شرحٍ، وتوضيح سبب وضع الحد الأدنى من المقاعد، بينما كان يتوجب وضع عدد أكبر ويمكن بالفعل للنساء الوصول إلى أكثر من هذا الرقم، إنما يحتاج ذلك إلى توعية الناخبين إلى أن المرأة في فئة العام، هي مكمّل لوجود المرأة وتقوية لدورها وعددها، إلا أن الأكثرية تتجه لانتخاب المرأة على فئة الخاص فقط. 

تقول الباحثة الأكاديمية هدى المقيرحي، بحسب إحصاءات المفوضية العليا للانتخابات، بلغ عدد المرشحات لانتخابات البرلمان 300 سيدة تقريباً، فيما اقترعت 795873 امرأة، مقال  1123412 رجلاً، تتابع المقيرحي أن الحديث عن حق الليبيات في المشاركة السياسية بات أمراً مقبولاً بدليل الزخم الشعبي. أما تعزيز دورها فيتعلق بثلاث نقاط هي التأثير والمساهمة والقيمة، التأثير وهو الفاعلية وقوة المرأة في التأثيربمن حولها، أما المساهمة فهي ما تقوم به النساء للمساعدة في تحقيق نتيجة بعينها، أما القيمة فهي القيمة والفائدة التي تضيفها المرأة الليبية للبرلمان.

تبقى الأسابيع المقبلة هي الفاصلة بين الليبيات والتغيير، هل سيواجهن انتهاكات بسبب ترشحهن وإلى أي حد يمكن أن يؤثر حضورهن في المشهد السياسي الليبي؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني