توفيق سُكّر… حكاية مؤلف موسيقي شجاع

في آخر اللقاء رفع توفيق كأسه نحوي وقال: "رح اشرب على شرف تعارفنا اليوم وعلى امل انو تتعلم انو الحياة ابسط بكتير من اسئلتك الصعبة… والحياة رح نعيشها مرة واحدة… بصحتك يا نبيل".

أربع سنوات مضت على وفاة المؤلف الموسيقي اللبناني توفيق سُكّر (1922- 2017)، وثمة مفارقة رمزية بين تاريخين. تاريخ ميلاده المسجّل بعد سنتين من إعلان ولادة دولة لبنان الكبير (1920)، وتاريخ وفاته قبل سنتين من بداية انهيار وتحلل هذه الدولة (2019). مفارقة تؤشر الى ميلاد وموت وطن عاش فيه موسيقي مُخَلِّفاً وراءه أثراً إبداعياً لشعب حائرٍ وعصِيٍ أبداً على التكوّن والتماسك في دولة واحدة. ولكن أيضاً ثمّة ذاكرة ثقافية لهذا الوطن الصعب والمهدد بالزوال، ما زالت تنبض بالحياة. وقد ساهم في خلق هذه الذاكرة هذا المؤلف الموسيقي الشجاع توفيق سكر في المجالين التأليفي والتربوي معاً مساهمة رائدة وخلّاقة.

لا تهدف السطور هنا في “قصة” توفيق سُكّر، تدويناً لسيرته الفنية التي تعمل على كتابتها مُفصّلة زوجته الموسيقية “نينا بخْتنصّر”. إنّما يأتي المقال في سياق تسجيل للذاكرة بهدف الكشف والمراجعة. فهي أولاً ذاكرة إشكاليات الموسيقى العربية في بداياتها من وجهة نظر المؤلف الشاب توفيق سُكّر وكيف تعاطى معها وما آلت إليه تجاربه في التصدي لها. وثانياً هي ذاكرة علاقتي به؛ هو المؤلف الموسيقي في خريف عمره، وأنا الموسيقي الذي في منتصفه.

من الريف إلى المدينة

صحيح أن توفيق سُكّر قد ولد في مدينة طرابلس، إلا أن طفولته كانت في الريف وتحديداً في بشرّي حيث ترعرع في كنف عائلة ميسورة الموارد، شجعت وأبناء جيله على العلم والثقافة بتأثير من الإرساليات الدينية والبعثات العلمانية المسيحية. موهبة توفيق الطفل برزت وهو ما زال يعيش في بشرّي. إلا أن هجرة العائلة الى بيروت المدينة التي بدأت تعيش عصراً اقتصادياً وثقافياً جديداً في عهد الانتداب الفرنسي، أتاحت لتوفيق، الصبي المراهق، أن يتابع دروسه الموسيقية عزفاً على البيانو والكمان عند أساتذة أجانب. امّا النظريات الموسيقية وموادها المتشعبة فدرسها على يد “برتران روبيّار” الذي كان يعطي دروسه في الجامعة الأميركية في بيروت وهو له فضل كبير في إطلاق نهضة موسيقية علمية، تمثلت في تتلمذ معظم رواد الموسيقى اللبنانية حينذاك على يده.

عُصبة الخمسة

لم تكن هذه النهضة في الثقافة لتحدث لولا انتهاء نظام المتصرفية العثمانية وإعلان الفرنسيين دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت. بيروت حينذاك كانت بدأت تشق طريقها لتصبح عاصمة تجمع بين ثقافتي الغرب والشرق معاً ومساحة لقاء بين المكونات الطائفية لهذا الوطن الناشئ حديثاً. وايضاً لقاء التجارة والأعمال والتيارات السياسية والثقافية والفنية.      

في خضم هذه الصحوة الجديدة والنهضة الفنية التقى خمسة شبان موسيقيين من اللذين تتلمذوا على يد “روبيّار” فشكّلوا عصبتهم الموسيقية واطلقوا عليها اسم عصبة الخمسة تيمُّناً بـ”عُصبة الخمسة” الروسية ذي النزعة القومية، والتي ضمّت كبار موسيقيي روسيا القيصرية نهاية القرن التاسع عشر. فإضافة إلى توفيق سُكّر ضمّت العصبة اللبنانية توفيق الباشا، زكي ناصيف، عاصي ومنصور الرحباني.

لا يصلنا في التاريخ لإعلان هذه العصبة الموسيقية إلا الإعلان ذاته من دون ايّ اثر أو بيان يُفسر لنا، نحن الخلف القادم، ماهية هذا الإعلان، منطلقاته الثقافية وأهدافه الموسيقية. فهل كان إعلاناً شكلياً وعابراً؟

على رغم كونهم جميعاً وُلدوا في مرحلة الانتداب الفرنسي ونشأوا في مناخ سياسي واجتماعي مُستجد وتشاركوا عاصمة جديدة، إنما من المفيد الالتفات إلى الاختلافات الكبيرة في المنابت الثقافية والاجتماعية لهؤلاء الموسيقيين الخمسة، والاتجاهات الفنية المتباينة وحتى السياسة لكل واحد منهم، وهو ما انعكس عميقاً في نتاجاتهم الموسيقية المبكرة وحتى المتأخرة منها. فشعور الانتماء إلى القومية السورية لدى زكي ناصيف والرحبانيين مثلاً بالتأكيد لم يتناسب مع شعور توفيق سُكّر بانتمائه الى القومية اللبنانية ذي النزعة المسيحية التأسيسية، ولا حتى مع قومية توفيق الباشا العروبية التي أخذت تنحو إسلامية أكثر مع مرور الوقت. أما توفيق سُكّر الآتي من الريف فقد شكّل ذائقته الفلكورية والتي قد تتفق مع ذائقة زكي ناصيف إنما لا تنسجم مع ذائقة توفيق الباشا المُنتمي إلى المدينة اصلاً. كما ان امتلاك الأخوين الرحباني ناصية الشعر العربي ربما تسبب بنفور مع انعدامها لدى توفيق سُكّر وامتلاكه لفرانكوفونية طليقة. قد يكون لهذه الأسباب وغيرها أنْ بقيت هذه العصبة الموسيقية لقاءً عابراً من دون مانيفستو أو أي اثر تأسيسي فني.

 لقد اختار طريقاً موسيقياً صعباً أقلُّ مخاطره عدم الشهرة والانتشار.

على الأرجح أن لقاءهم أتى نتيجة شعور وطني عارم، إنما عابر أيضاً اكتسح الجميع عشية استقلال لبنان، لكنه للأسف تبدد سريعاً لأسباب تتعلق بتركيبة النظام اللبناني الطائفية وبأحداث دراماتيكية عصفت بالمنطقة العربية بعد الاستقلال بسنوات قليلة.

كان توفيق سُكّر نحيل الجسم، طيب النفس عزيزها. يتكلم بصوت خفيض خفيف كما بصره الذي رافقه كاعتلال جيني طيلة حياته. يُكثر من الابتسام والضحك ليُبعد شعوراً بالوجل في طبيعته المسالمة. ولكن ما ميّزه عن مُجايليه الموسيقيين أنه كان طامحاً بالتعلّم اكثر من الشهرة، وغير مُكتف بما قدمته بيروت له من علوم موسيقية.

عام 1949 سافر الى فرنسا سعياً للدراسة في أعرق معاهدها الموسيقية فكان اول لبناني يدخل الكونسرفاتوار الموسيقي العالي في باريس ليتعلّم على يد أهم الأساتذة ومنهم المؤلف الموسيقي أوليفيه مسيان، الذي وضع أسس الموسيقى الكلاسيكية الحديثة المُعتمِدة على نظام الموسيقي اللا-تونالي، وهو ما ترك أثراً في الخيارات الموسيقية للشاب سُكّر. بيد أنّ التأثير الحاسم عليه أتي من المؤلف التشيكي ألوي هابا، الذي كانت له أبحاث ميوزكولوجية ومؤلفات رائدة في الموسيقى المقامية المُرتكزة على أرباع الصوت. وقد قدّم  هابا في مؤلفاته حلولاً مبتكرة للتوافقات الهارمونية لارباع الصوت في الموسيقى الكلاسيكية. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون هابا أحد المشاركين الأساسيين في مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932 في القاهرة بجانب مجموعة من المؤلفين الأوروبيين والعرب والأتراك. لم يصل المؤتمر الى هدفه المنشود وهو مساعدة الموسيقيين العرب على تنظيم شؤون موسيقاهم عبر وضع نظام علمي ورياضي واضح للمقامات العربية، لسببين: الأول الخلاف الذي احتدم بين فريقين؛ فريق يتمسك بعدم المس بالطبيعة المونودية لهذه الموسيقى، وآخرين رأوا أن الخروج من الجمود والفوضى في أحوال الموسيقى العربية يتطلب الاستعانة بمنجزات الموسيقى الأوروبية. إلا أن الفريقين كانا وقتذاك غير مؤهلين من الناحية العلمية في الفيزياء والرياضيات لحسم الإشكالية الكبرى وهي تقسيم المسافات الصوتية في المقام العربي.

تثاقف ولوْ بعد حين 

بعد نحو عشرين عاماً من هذا المؤتمر أي في منتصف القرن المنصرم أتى المؤلف اللبناني توفيق سُكّر ليقول حاسماً، إن الخروج من حال الجمود في الموسيقى المشرقية- العربية يستدعي بالضرورة الولوج من باب الكتابة الهارمونية والبوليفونية من دون إهمال ميزات هذه الموسيقى  وخصائصها الميلودية والايقاعية. وأيضاً من دون إلغاء مسافة ربع الصوت أو ثلاثة أرباعه من بعض مقاماته. لم يكن سُكّر قد دعا الى إلغاء هذه المسافة الصوتية من الموسيقى العربية كما اتهمه بعضهم زوراً. وقد رأى انّ اللجوء إلى نظام التوافقات الذي ابتكره هابا مفيد جداً في المرحلة الأولى حتى ولو لم تسْتَسِغْه الأذن العربية. فالوقت والتجربة معاً كفيلان بأن يتوصل المؤلف العربي الى صيغ هارمونية أكثر موائمة لطبيعة المقام الشرق- عربي.

كان شجاعاً ومقداماً في خياره الموسيقي اذْ كان يعرف مُسبقاً أن سهام النقد الجارحة ستصوب الى موسيقاه والاتهامات بالتغريب والتشويه للموسيقى العربية ستنهال عليه.  لقد اختار طريقاً موسيقياً صعباً أقلُّ مخاطره عدم الشهرة والانتشار.

تكثّفت معظم مؤلفاته في هذا الاتجاه الموسيقي الجديد وقتها، مُستلهماً موادها الخام من الفولكلور والموروث الغنائي الشعبي الريفي والكنسي. فأعاد تأليفها مستخدماً قوالب صغيرة كرباعي الوتريات أو كبيرة كالقالب السيمفوني، ومُعتمِداً صياغات هارمونية وبوليفونية غريبة على أُذُن المستمع في ذاك الزمن. 

وإنْ كانت هذه الصياغات الهارمونية قد أفقدت هذا الموروث الشعبي شيئاً من حرارته العاطفية وعفويته، كونها اتسمت بمنهج مدرسيّ وميكانيكي الحركة، إلاّ أنها أوْجدت الخميرة الضرورية واللازمة لتأملات صوتية جديدة وقفزات في مفاهيم الكتابة التأليفية، ستأتي مع مؤلفين موسيقيين في أواخر القرن المنصرم ومطلع القرن الحالي.

والجدير ذكره هنا هو أن توفيق سُكّر كان يعرف مُسبقاً أن تجربته هذه لن تحظى بالاحتضان الشعبي بشكل سهل وسريع، وأنّ تطوير ذائقة الاُذن للمستمع اللبناني والعربي ستتطلب عقوداً طويلة، لذا فهو لم يعتمد على التأليف الآلاتي وحسب، بل انصب اهتمامه لإنشاء جوقة غنائية تعتمد على تعدد الأصوات، وَجّهها بنفسه ودرّبها على أداء هذا الموروث الشعبي على طريقته المُستحدثة. أكاد أجزم بأن هذه  التجربة كانت الأولى من نوعها في لبنان والعالم العربي لجوقة متعددة الأصوات تؤدي الأغاني الشعبية والفولكلورية بأسلوب الكتابة الهارمونية والبوليفونية.

عاش توفيق سُكّر كمؤلف موسيقي في الظل ولم يبال بالحصول على الشهرة والنفوذ، وظل على طبيعته هذه حتى عندما تبوأ رئاسة المعهد الوطني للموسيقى –  الكونسرفاتوار (1964- 1969). خلال ترؤسه لهذه المؤسسة حرص على إكمال الحركة الإصلاحية  فيها والتي كان بدأها الموسيقي انيس فليْحان بين عامي 1953 و1960، بإنشاء فرع متخصص لتعليم الموسيقى الشرقية وتحديث البرامج التعليمية، وإنشاء أول أوركسترا لبنانية لموسيقى الحجرة. كما كان حريصاً على عدم تدخل السياسيين وأصحاب النفوذ معه في أي شأن يتعلق بالمعهد الموسيقي. وقد يكون هذا المسلك هو ما جعله يتنحى عن التجديد لإدارته، ليرجع إلى نشاطه التربوي والتأليفي المعهوديْن.

“متيلة” توفيق سُكَّر ونهاية مؤلف شجاع

كنا نزوره أحياناً في بيتهِ أو نلتقيه مع زوجته على الغذاء في احد المطاعم، وفي كل مرة يسألني ممازحاً: “عم بتْعَذبَك جاكلين؟!”، ويُضيف ضاحكاً…”إذا عم تعذبك قل لي وانا بعرف شو لازم…”! نضحك سوياً ويبدأ اللقاء.

ولم تكن زوجتي جاكلين إلا تلميذته الأثيرة والمفضلة بين آلاف التلامذة الذين علّمهم أصول الموسيقى وقواعدها على مدى أكثر من نصف قرن، إذ كان من النادر أن تجد أحداً في لبنان يعمل في ميدان الفن الموسيقي ولم يدرس على يديه.

لم أكن يوماً احد تلاميذه الكُثر، ولكنني كنت دائماً اطمح بلقائهِ ومناقشته في كثير من إشكاليات التأليف الموسيقي ومُعْضِلات تعليم الموسيقى في بلد مثل لبنان، خصوصاً أنه خاض غمار التأليف الاوركسترالي انطلاقاً من الفولكور والاغاني الشعبية اللبنانية، كما أنه تبوأ مركز رئاسة الكونسرفاتوار لفترة من الزمن.

لقاء وكأس عرق

التقيتهُ للمرة الأولى عام 1997، في بيته، إذْ كُنتُ كثير التهيُّب في بداية اللقاء. أطرح أسئلتي الكثيرة عليه بحذر شديد. أمّا هو فكان كثير البساطة، طويل البال وعظيم التواضع. يتكلم والابتسامة دائمة وطبيعية على وجهه يشرح وجهة نظره بحماسة الشباب ويتحرك بِقَدِّه النحيل كرجل في الثلاثين وهو الذي كان قد تجاوز الخامسة والسبعين من عمره.

 مرَّ الوقتُ سريعاً في حضرته، وما ان هممتُ بالرحيل مُستأذناً حتى فاجأني بدعوته للخروج سوياً للغذاء. فوافقت وذهبنا مشياً من بيته في الاشرفية الى الجميّزة حيث أدخلني الى مطعمه المُفضّل (لو شف) والذي لا يقلُّ عنه تواضعاً وكرماً.

اذكر جيداً انه اقترح عليّ ان اختار صحن “المحاشي” الموضوع على قائمة الطعام اليومية لجودته وأصالته كما شرح لي. سألني بحذر إذا كنت أرغب بشرب كأس عرق صغير… لم أمانع، فطلب كأسين من العرق. أكلنا وشربنا وسرد لي توفيق ذكرياته مع شوارع وأحياء وناس بيروت القديمة وافتتانه بها وحنينه الدائم إليها. ذكريات وأحداث كنت أظن أنها لا تخرج إلا من خيال كُتّاب الرواية.

في آخر اللقاء رفع توفيق كأسه نحوي وقال: “رح اشرب على شرف تعارفنا اليوم وعلى امل انو تتعلم انو الحياة ابسط بكتير من اسئلتك الصعبة… والحياة رح نعيشها مرة واحدة… بصحتك يا نبيل”. كان هذا هو الدرس الأول (المتيلة) الذي أخذته عن توفيق سكر.

عاشق الحياة وسُكَّرِها

تواصلت علاقتي به بشكل متقطع وتوطدت أكثر بعد زواجي من جاكلين. أمّا الدرس (المتيلة) فكان هو نفسه دائماً عند كل لقاء معه، يتطور ويتعمق اكثر وتتكشف لي ابوابه ومفاتيحه عند توفيق سُكّر الانسان والموسيقي معاً. وهو درس لم يتقصده لي، أو يفرضه عليّ ولا كان هو بمثابة مرشد روحي او ما شابه… 

حسبي  انه كان إنساناً لا يستطيع المرء إلاّ أن يلاحظ تفاؤله الكبير والدائم وحبه للحياة إلى جانب صدقه وتواضعه وزهده بالسُلْطة والنفوذ. وأكاد أجزم بأن ليست للأمر علاقة بإيمانهِ الديني أو بمنطلقات فكرية طوباوية.

كان العنوان الأساس لهذا الدرس هو: حب الحياة… أي كيف نستكمل مسيرة حياتنا ونحن نتقدم الى نهايتها المحتومة بثبات ومن دون أن نفقد اللذة في العيش والشهية القوية للحياة… كيف؟

هذا ما كان عليّ أن اكتشف اجزاء يسيرة منه في كل لقاء يجمعني به، وترافقني جاكلين تلميذته الاثيرة، والتي تكون قد رتبت موعد اللقاء ومكانه بعد محادثة تلفونية معه، ينهيها بأن يرسل إليّ تحياته مُعلناً انه آن الاوان لجلسة كأس عرق.

اللقاء الاخير

كلما كان العمر يتقدم بنا، كانت مندرجات هذه المتيلة تزداد صعوبة بالنسبة إلي، امّا لتوفيق فكانت تزداد وضوحاً وتوكيداً. لقائي الاخير بهِ كان في خريف 2017 في دير “سيدة الامل” حيث كانت صحته المتدهورة تحتاج إلى عناية طبية مكثفة ومستمرة. هناك ايضاً وجدته كعادته مبتسماً متفائلاً برغم إحساسه بأن رحلته أصبحت قريبة جداً من نهايتها. اقتربت وجلست بقربه مستفسراً عن أحواله، وعمّا إذا كان مرتاحاً في إقامته في الدير. شعَرَ هو بأنني مرتبك وقلق فأجابني ضاحكاً: 

“ما تحمل هَمْ.. وانا كم يوم وبُطْلع من هون وبدنا نروح نتغدا سوا ونشرب كاس عرق… شو جاكلين عم بتعذبك؟…” وضحكنا كالعادة.

ولكن كان لقاؤنا هذا الأخير نهاية الدرس (المتيلة) ونهاية قصة مؤلف موسيقي شجاع. رحل صديقنا، الانسان الطيب، المتواضع والممتلئ تفاؤلاً وحباً للحياة، وهو في الخامسة والتسعين. رحل المؤلف الموسيقي توفيق سُكر آخر رواد الموسيقى اللبنانية في خريف 2017، تاركاً لنا ارثاً موسيقياً غنياً وذكرى جميلة.

في وداعه الأخير حضرت جنّاز دفنه في كنيسة مار مارون حيث كانت أصوات الكورس من تلاميذه تُنشد له “رتبة شيْل البخور”: 

مِنْ زادِ الخُبزِ الكافي/ مِن كأس الخَمْر الشافي/ نِلْنا عُربون المجد/ في دار الخُلد 

حيثُ تنأى الاحزان / فالافراحُ أزمان / والأزمانُ آباد / والآبادُ عيد…

وأنا أمُرُّ بجانب نعشه الخشبي متوجهاً لأعزي أفراد عائلته، وضعت يدي على النعش فتراءى لي طيْفه يقول لي ضاحكاً: كاسك يا نبيل…لا تقلق، وعِشْ سعيداً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبو مرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني