“بو عزيزي النهضة” يحرق نفسه أمام مركزها…
آخر فصول الحركة والغنوشي؟

لم تجد "حركة النهضة" هذه المرة الفرصة لتروج لنفسها كضحية ومستهدفة، هي التي تجيد لعب أدوار المظلومية، فالضحية من أبناء الحركة والجلاد هم قادتها، ولا مجال للتنحّي من وجه الجريمة أو التنصّل من المسؤولية ومن ارتدادات الحادثة.

شب حريق في كانون الأول/ ديسمبر في مقر “حركة النهضة” في العاصمة تونس بعدما أضرم أحد أبناء الحركة النار في جسده وفي مقر الحركة بعد رفض رئيس الحزب راشد الغنوشي لقاءه والاستماع لمشكلته. حادث انتحار أسفر عن وفاة الضحية وإصابة 18 آخرين من بينهم قياديون في الحزب، ما أربك الحركة وأحرجها، إذ كشف النقاب عن الفوارق الطبقية بين قيادات الحركة وقواعدها وبخاصة أولئك الذين تم الزج بهم في معارك الحزب الإسلامي من أجل السلطة في فترة الثمانينات والتسعينات وسافر السيفي واحد منهم، إذ سبق أن سجن لانتمائه لـ”الحركة” في عهد زين العابدين بن علي.

وبدل الاعتذار عما حصل لعائلة الضحية الذي أقدم على إحراق نفسه بعد امتناعه عن مقابلته والاستماع إلى مشكلته وطرده تعسفياً، سارع الغنوشي إلى التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على الدولة والسياسيين وعلى الإعلام. وقال الغنوشي إن المنتحر في المقر المركزي للحزب “هو شهيد آخر من شهداء النضال من أجل تحرير تونس من الظلم والدكتاتورية والفساد والتهميش وضحية أخرى من ضحايا الفقر”.

تصريح أجج غضب التونسيين وخصوصاً منتسبي الحركة من الغنوشي، الذي تعود المتاجرة بآلام أبناء الحركة الذين سيقوا إلى مصير أليم بين السجون والاعتقالات جراء ركض قيادات الحركة وراء الحكم والسلطة، فحتى الموت لم يتردد في توظيفه للغاية ذاته.

القيادات المستقيلة من “حركة النهضة” وجّهت الأصابع إلى ديكتاتورية راشد الغنوشي وحملته مسؤولية بداية تفكك الحركة وحتى أزمات البلاد.

بوعزيزي “النهضة”

عندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه في 17 كانون الأول 2010، احتجاجاً على وضعه الاجتماعي الصعب وأشعل فتيل ثورة أدت إلى هروب الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، حينها اعتبرت “حركة النهضة” الضحية “شهيداً”، وتعاملت معه كرمز للثورة ضد الاستبداد والظلم، اليوم تفاجأ الحركة ببوعزيزي جديد يبعث من بين أبنائها ويحترق داخل مقرها احتجاجاً على سياسة رئيس الحركة وقياداتها. “بوعزيزي النهضة” كما تمت تسميته على نطاق واسع في تونس، على رغم إقدامه على ما أقدم عليه محمد البوعزيزي قبل 11 سنة ولأسباب متقاربة، لم تهلل الحركة له كما فعلت قبل عقد من الزمن بل سارعت للتنصل من المسؤولية لتحملها للدولة والإعلام والسياسيين، على رغم أن الرجل انتحر داخل مركز الحركة. وهذا الحادث بكل ما رافقه من جدل وارتباك في صفوف الحركة وتهرب قياداتها من المسؤولية، يحمل الكثير من الدلالات سواء على مستوى علاقة الحركة بقواعدها أو بعموم التونسيين. 

أولاً، في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات قرر رئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي وقيادات الصف الأول  في الحزب مواجهة نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وخلال هذه المغامرة تم الزج بالكثير من الشباب والمراهقين من تلاميذ وطلبة تم استقطابهم عبر استغلال صعوبة ظروفهم الاجتماعية، بخاصة أنهم جميعاً من محافظات داخلية فقيرة أو مناطق مهمشة، في هذه المعركة بعدما تسربوا إليهم بشعارات المساواة ومبادئ التكافل بين المسلمين وغيرها من الشعارات التي كانت تلقى صدى لدى شباب هذه المناطق المهملة.

وعندما تصاعدت المواجهة مع النظام كان هؤلاء الشباب في واجهة الأحداث ينفذون أوامر القيادات، وفي النهاية غادر الغنوشي وعائلته إلى منفاه الاختياري في لندن، بينما بقي الآلاف من القواعد التي انخرطت في مغامرة الغنوشي ضد النظام داخل السجون لسنوات طويلة، وقد خسر هؤلاء تعليمهم ومستقبلهم. وخلال العشر سنوات الماضية وعندما أمسكت “النهضة” بالحكم توقع هؤلاء أن موعد انصافهم من حزبهم قد حان ولكن أعداداً كبيرة ظلت بلا عمل، بخاصة أولئك الذين لم يكونوا محسوبين على قيادات بارزة في الحركة. ولكن الأخيرة حتى تضمن بقاءهم في صفوف القواعد كخزان انتخابي ظلت تمنيهم بالتوظيف العمومي أو بتشغيلهم في مؤسسات تابعة للحركة،  لكن مرت السنوات ولم تصدق الوعود فكان الانفجار الذي عبر عنه سامي السيفي بالانتحار في وجه الغنوشي وقيادات الصف الأول خصوصاً المحسوبين عليه. ولا يبدو أنها ستكون الحالة الأخيرة بعدما كشف السيفي بانتحاره إلى أي مدى هناك فوارق طبقية بين قادة الحركة الذين ينعمون برفاهية كبيرة منذ استلامهم السلطة في تونس، في مقابل منتسبين أو مؤيدين يواجهون مصاعبهم وحدهم ولا تسأل عنهم الحركة ولا قياداتها. 

ثانياً، ثبت أن سامي السيفي، السجين السابق المنتمي إلى “النهضة” كان يعمل حارساً في مقرها المركزي ثم تخلت عنه، وحين سعى إلى مقابلة رئيس الحركة راشد الغنوشي أو أحد قيادة الصف الأول لطرح وضعه الصعب، قوبل بالرفض. ويقول سامي إبراهم، وهو أحد سجناء “النهضة” السابقين وأحد الباحثين في الظاهرة الإسلامية، إن “السيفي عمل في شركة أدوية ووقع تسريحه من عمله بشكل تعسفي، فلجأ إلى الحزب الذي سجن بسبب تهمة الانتماء إليه لينصفه ويتدخل لدى المشغل… فكان الحل أن أوكلت إليه مهمة هامشيّة في المقر المركزي للحزب بمقابل زهيد لا يليق بمناضل”.

وأضاف، “لكن لم يطل به المقام فقد وقع تسريحه من عمله في مقر الحزب في إطار سياسة التقشف. اختارته يد الضغط على الإنفاق ليكون هو ضحية هذا الخيار… دون اعتبار لحاجته وحاجة عائلته”. بمعنى أن قيادات الحركة بكل ما تتمتع به من امتيازات وثروات طائلة لم تجد إلا الشخص المستضعف والمفقر داخل الحزب حتى تطبق عليه سياسة التقشف وترميه للبطالة. الرجل الذي خسر دراسته ومستقبله، قرر الانتحار في مقر الحركة وبحضور قادتها الذين رفضوا ملاقاته، وقد أصيب بعضهم بالحريق.

وبهذا الحادث المروع تكون الحركة التي حكمت لعشر سنوات متسببة في أزمات كبيرة للبلاد قد ظهرت بوجهها الحقيقي أمام أعين التونسيين الذين ما زال بعضهم يشكك في أن الحزب الإسلامي ليس مسؤولاً عن الفساد وعن لإفقار التونسيين، وبدا واضحاً أن الحركة التي لم تقدر على استيعاب أحد أبنائها المظلومين الباحثين عن الانصاف وعن حياة كريمة، لا يمكنها أن تنصف شعباً كاملاً وتمنحه ما يستحقه. 

ثالثاً، ادعى الغنوشي أن المنتحر سامي السيفي هو ضحية الدولة والإعلام والحال أن الأخير أقدم على إحراق نفسه على عتبات مقر الحركة لم يتجه لا إلى قصر الحكومة ولا قصر الرئاسة ولا إلى أي وسيلة إعلامية. وهو بذلك قد أحرج الغنوشي وأكد انتهازيته، فهو لم يفكر في إنقاذ الرجل وحتى مجرد الاستماع إليه، بل سارع إلى توظيف موته لتحقيق مكاسب سياسية.

إقرأوا أيضاً:

تبعات الانتحار على الحركة

لم تجد “حركة النهضة” هذه المرة الفرصة لتروج لنفسها كضحية ومستهدفة، هي التي تجيد لعب أدوار المظلومية، فالضحية من أبناء الحركة والجلاد هم قادتها، ولا مجال للتنحّي من وجه الجريمة أو التنصّل من المسؤولية ومن ارتدادات الحادثة.

تحاول “النهضة” منذ 25 تموز/ يوليو التحرك داخلياً وخارجياً، من أجل تجنب سيناريو إخراجها من المشهد السياسي، ولأجل هذه الغاية تحاول إقناع التونسيين بعدم مسؤوليتها عما حصل على مدار العشر سنوات من أزمات متنوعة. ولكن بعد هذه الحادثة سيكون من الصعب على الحركة الدفاع عن نفسها وسيكون من الصعب على المترددين بشأن حسم موقفهم منها أن يؤيدوها، بعدما أثبتت فشلها وضعفها وتغيّبها عن وجع الفقراء والمهمشين. 

يحمّل معظم التونسيين “حركة النهضة” مسؤولية الأزمات التي تعيش على وقعها البلاد معتبرين أن مرد ذلك هو سياستها ومواقفها، فهي لا تفكر إلا بسبل البقاء في الحكم غير آبهةً بمصير البلاد وأهلها. اليوم بعد حادثة الانتحار ستتعمق القطيعة بينها وبين معظم التونسيين، بعدما بات واضحاً أن القيادات التي ظلت تدعي نظافة اليد والعمل لخدمة التونسيين في الأحياء الشعبية والمناطق المهمشة، فيما لم تستطع انصاف أحد منتسبيها الذين سجنوا لسنوات بسببها ودفعته لمصير مروع، لن تكون أمينة على مصير التونسيين أبداً. 

الغنوشي لم يفلح هذه المرة في خداع قواعد حزبه، وواجه انتقادات كبيرة خاصة، فالقيادات المستقيلة من “حركة النهضة” وجّهت الأصابع إلى ديكتاتورية راشد الغنوشي وحملته مسؤولية بداية تفكك الحركة وحتى أزمات البلاد. وبذلك يأتي حادث الانتحار لينسف ما تبقى من مكانة لهذا الرجل داخل الحزب وبين القواعد الشعبية، وهي مرشحة للتآكل أكثر فأكثر، مهما حاول مساندوه التغطية على الحقيقة وإخفاء النقمة ضد الرجل، وستمارس ضغطاً كبيراً عليه لتحديد موعد لمؤتمر الحركة المؤجل منذ أكثر من سنة ودفعه للتعهد بعدم الترشح لعهدة جديد وإعلان ذلك علناً وعبر وسائل الإعلام. وبذلك تكون قيادات الحركة قد قامت بإخراج الغنوشي من الحركة وكم المشهد السياسي ولكن دون أن يبدو للمتابعين أن ذلك حدث بسبب ارتدادات انتحار السيفي في مقر الحركة. وفي حال امتناعه عن الرضوخ للضغوط وتمسكه بالبقاء زعيماً حتى الممات، فإن الحزب الإسلامي سيشهد موجة استقالات جماعية جديدة ستؤدي هذه المرة إلا تفكيكه وإضعافه، وقد يجد الغنوشي نفسه مجبراً حينها على الاستقالة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني