التملق للطغاة: فنانون من مصر وسوريا
في أحضان الميليشيات العراقية

نحن ندري أن تملق الفنانين والمثقفين والكتاب للديكتاتوريات هو نمط شائع في الأنظمة المستبدة، وهو قديم جداً، لكن هنالك حالات لهذا التملق تستدعي التوقف والتعجب. كما هو الحال مع الفنان محمد صبحي، وعادل إمام وغيرهما الكثير من المطبلين للأنظمة العسكرية والديكتاتورية.

يتداول الإعلام العراقي، والسوشيل ميديا، عبارات المثقفين والشعراء والفنانين العرب، خصوصاً المصريين والسوريين، الذين يزورون بغداد لحضور أحداث يتم الترتيب لها مسبقاً وفي أماكن محصنة ومغلقة، مثل معرض كتاب أو حفل غنائي أو ندوة أو أشياء من هذا القبيل، يُتداول على أنه دليل على استعادة العراق مكانته (لا أدري أي مكانة ونحن في مؤخرة العالم) ويثير كلامُ المأجورين من هؤلاء الشعراء والفنانين عاطفةَ العراقيين، وكأن العراق يصبح عظيماً حين يقول شخص ما إن العراق عظيم.

السوشيل ميديا العراقية احتفت بزيارة الممثل السوري أيمن زيدان، لحضور معرض العراق الدولي للكتاب، وقال زيدان في المعرض: “بغداد مدينة عظيمة”، فتأكد العراقيون أن بغداد مدينة عظيمة حقاً! هكذا وبجملة واحدة اختفت الأوساخ والتجاوزات والعشوائيات وسوء الخدمات والأسلاك الشائكة والجريمة والفقر والميليشيات. 

لا أدري إن كانت بغداد تصلح أن نسميها مدينة حتى، وفقاً للمعايير العالمية الحضرية للمدن في العالم الحديث. هذا قبل التفكير بإن كانت عظيمة أم لا. 

يكرهون “حزب البعث” في العراق ويحبونه في سوريا

أيمن زيدان واحد من ممالقي النظام السوري البعثي الذي ومنذ 10 سنوات يقتل السوريين ويهجرهم، ويدمر المدن السورية الجميلة، وحوَّل دمشق إلى سجن مخيف. يحتفي بأيمن زيدان العراقيون الذين يكرهون “حزب البعث”، ويعتقدون أن نظام صدام حسين مجرم، وارتكب مجازر بحق العراقيين (وهذا صحيح) لكن ماذا عن نظام البعث الذي ارتكب مجازر أفظع وأبشع بحق السوريين؟ لماذا يؤكد بعض العراقيين في كل مناسبة أنهم في الجانب الخطأ في ما يتعلق بالمسائل الإنسانية؟ 

قبل الثورة السورية عام 2011 كانت الحكومة العراقية لا تكلّ من اتهام النظام السوري بتصدير الانتحاريين والمقاتلين إلى العراق، وكان التلفزيون الحكومي العراقي لا يتحرَّج أبداً من بثّ أي رأي يهاجم سوريا حكومةً وشعباً، فبشّار الأسد كان يُصّور آنذاك بأنّه يزيد، وأبوه معاوية والشعب السوري كله هم آل يزيد!

لكن سرعان ما انقلبت الأمور بشكلٍ يدعو إلى التساؤل والاستغراب، فما أن انطلقت شرارة الثورة؛ حتى بدأ العراق حكومةً ومثقفين بالترويج لفكرة أنّ النظام السوري- العلوي، يدافع عن المقدسات الشيعية وانكساره يعني زوال تلك المراقد، ومن هنا جاءت فكرة وجوب دعمه وإرسال مليشيات تُقاتل في صفِّه. وهذا ما حدث بالفعل، وكانت الميليشيات العراقية التي ذهبت للقتال في سوريا، الأكثر إرهاباً وعنفاً وقسوة من بين الميليشيات الأجنبية التي استعان بها النظام السوري لقمع الثورة.

خلال زيارتها بغداد، اصطحب عددٌ من شعراء العراق وبينهم شاعر يدعى حسين القاصد (شغل في ما بعد منصب مدير دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة) اصطحبوا الشاعرة السورية المؤيدة للنظام انتصار سليمان إلى شارع المتنبي المخصَّص لبيع الكتب، كانت علامات الفرح والارتياح باديةً على وجوه الجميع في الصور التي التقطت لهم مع الشاعرة التي لوحت بعلم النظام السوري وصورة بشار الأسد.

الشاعر حسين القاصد الذي يظهر مع انتصار سليمان في شارع المتنبي حوّل صفحته على “فايسبوك” إلى منصة لنشر أخبار مليشيات الحشد الشعبي والترويج لفكرِها، بالتأكيد فإن الشاعر حرٌّ بما يعتقد وله أن يكتب ما يشاء في المكان المخصَّص له، لكنّ هذا الأمر يحيلنا إلى تساؤلٍ أثاره الشاعر العراقي فوزي كريم عن الكيفية التي يبرع فيها شاعر ما في قصائده وهو ينطوي على عدائية وقسوة وينتظم بمؤسسة عدوانية.

إقرأوا أيضاً:

فنانو مصر: تعريص مقابل المال

أما بالنسبة إلى الكتاب والصحافيين والفنانين المصريين فلا يختلف الأمر كثيراً عن حالة الممثل أيمن زيدان وبقية من يوصفون بأنهم “شبيحة” نظام الأسد، إنهم مأجورون، يطبلون لمن يدفع لهم المال، سبق لهم أن فعلوا الأمر ذاته مع نظام صدام حسين. 

نهاية عام 2000 زار فريق من الفنانين المصريين العراق، أبرزهم حينها الفنان محمد صبحي، والفنانة رغدة، رفقة عضو مجلس الشعب المصري عماد السعيد، وآنذاك جاء الفريق إلى بغداد لعرض مسرحية “ماما أمريكا” وُرتِّبَ للفنانين لقاء مع صدام حسين.

خلال اللقاء تملَّق الفنان محمد صبحي لصدام حسين بطريقة مبهرة، الكثير من التأكيدات على عشق المصريين لصدام وحاجتهم إليه ليقترب إليهم أكثر. وهذه الحاجة تظهر عند بائع الفول في الشارع وعضو مجلس الشعب الذي يفوز بالانتخابات بفضل دعايته الانتخابية لرفع الحصار عن العراق.

بالتأكيد لا أحد يشك بحب كثير من المصريين للعراق، لكن ليس كما حاول محمد صبحي أن يظهره لصدام حسين من أجل الحصول على “إكرامية” من الرئيس الذي كان يعتقد أنه بمنزلة هارون الرشيد.

الغريب في قصة محمد صبحي هو ما ينقله الدكتور علي عبد الأمير عجام في كتابه: “في مهب العراق” والذي يورد فيه مقالة كان قد نشرها في “الحياة” بتاريخ 6 كانون الثاني/ يناير 2001، وهو تاريخ تأسيس الجيش العراقي.

يقول الدكتور علي عبد الأمير إن صدام حسين رفض أمنية محمد صبحي بأن يُفرض حصار على مصر “لكي تصبح منتجة أكثر مثلما يفعل العراقيون الآن” وقال له: أبعدكم الله عنه.

عام 2001 كان أطفال العراق يموتون بسبب سوء التغذية، وفي تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية FAO قالت إن 800 ألف طفل عراقي- على الأقل- دون الخامسة يعانون من سوء التغذية بصورة مزمنة، هذا غير وفاة 13 في المئة من الولادات بسبب سوء التغذية.

وكان التضخم قد بلغ معدل 24000 في المئة، ولأنه غير قادر على تأمين الرواتب فقد سرَّح نظام صدام حسين ثلثي العاملين في قطاعات الدولة الخدمية، وهذا أدى إلى زيادة جنونية في البطالة والفقر، وانتشار الجريمة واكتظاظ السجون، والدعارة، والتهريب، والظاهر السيئة في المجتمع.

حتى عام 2001، كان غادر العراق 23 ألف باحث وعالم وأستاذ، وكان راتب الموظف لا يتعدى 2.5 دولار، أما الأستاذ الجامعي فقد انخفض راتبه الشهري من 600 دولار قبل الحصار إلى أقل من 15 دولاراً بعده.

وفي العام نفسه قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن للحصار “تأثيراً مدمراً” في حياة المدنيين، وأن النظام الصحي في البلد قد انهار تماماً، مع انهيار الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والنقل، حتى وصل الحال بسبب ضيق العيش إلى لجوء الناس إلى بيع أثاثها المنزلي في الشوارع وأسواق الخردة لتأمين لقمة العيش، ولا يوفرونها.

وفي حادثة مشهورة تظهر اليأس الذي وصل إليه العراقيون، قتل مواطن عراقي اثنين من العاملين بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في بغداد، وأصاب 7 بإطلاق النار عليهم، المواطن اسمه فؤاد حسين، وقال إنه نفذ الهجوم احتجاجاً على الحصار المفروض على العراق.

لا أدري كيف يتمنى شخص كل هذا الوضع الجنوني لنفسه وأهله، مقابل أن يشعر طاغية مثل صدام بالإطراء، ويأمر بإعطائه مقداراً معيناً من المال، كيف يملك فنان مثل محمد صبحي تلك الجرأة في قول ما قاله، عندما رأيت فيديو المقابلة، وهو متوفر على “يوتيوب”، تذكرت كل ذلك الجوع، والفقر، تذكرت قسوة الحياة حينها ونحن لا نملك ثمن وجبة العشاء.

في اللحظة التي كان يقول فيها محمد صبحي لصدام حسين إنه يتمنى الحصار على مصر لكي تصبح منتجة مثل العراق، كان 250 عراقياً يموتون يومياً بسبب الحصار، وأكثر من 131 ألف طفل عراقي متخلف عن المدرسة بسبب الفقر.

بالتأكيد لا أحد يشك بحب كثير من المصريين للعراق، لكن ليس كما حاول محمد صبحي أن يظهره لصدام حسين من أجل الحصول على “إكرامية” من الرئيس الذي كان يعتقد أنه بمنزلة هارون الرشيد.

بعد سقوط صدام حسين وقيام الجمهورية الطائفية في العراق، لم يكف الفنانون المصريون عن إدهاشنا، وبدأوا حملات تملق للميليشيات المسلحة، من أجل الحصول على المال (40 ألف دولار لكل فنان يلمع صورة الحشد الشعبي) ويذهب مع المقاتلين إلى المناطق التي شهدت معارك، وكذلك في حفلات خاصة. ومن هؤلاء الفنانين: أحمد ماهر وحنان شوقي ووفاء الحكيم ومحمود الجندي، وكانوا يرتدون الزي العسكري للحشد الشعبي، وعن هذا قالت الفنانة حنان شوقي: “إن لبس زي الحشد الشعبي العراقي، شرف أفتخر به”.

نحن ندري أن تملق الفنانين والمثقفين والكتاب للديكتاتوريات هو نمط شائع في الأنظمة المستبدة، وهو قديم جداً، لكن هنالك حالات لهذا التملق تستدعي التوقف والتعجب. كما هو الحال مع الفنان محمد صبحي، وعادل إمام وغيرهما الكثير من المطبلين للأنظمة العسكرية والديكتاتورية.

عام 1937 مات الكاتب والمفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي متأثراً بنزيف في الدماغ بعد 10 سنوات من التعذيب والحبس أمضاها في سجون النظام الفاشي الإيطالي. أدرك غرامشي خطر السلطة على المثقف وأثر الثقافة في تكريس الاستبداد السُّلطوي، وكان مؤمناً بأن هيمنة فئة ما على المجتمع تكون من خلال نجاحها في استيعاب مثقفين تقليديين ينحدرون من فترات تاريخية سابقة.

بغداد العظيمة: أسوأ مدينة للعيش!

بالنسبة إلى بغداد “العظيمة” التي يتحدث عنها الممثل السوري أيمن زيدان، تقول عنها وزارة التخطيط العراقية إن المساحة التي تشغلها الوحدات السكنية العشوائية فيها، تمثل 15 في المئة من مساحة المدينة، وهي أكثر مدينة عراقية تضم تجمعات عشوائية يسكنها مواطنون يعيشون تحت مستوى خط الفقر الذي قفز إلى أكثر من 40 في المئة خلال جائحة “كورونا”. 

بغداد “العظيمة” ظلت ومنذ سنوات بعيدة، تحافظ على مكانتها كأسوأ مدينة للعيش في العالم، وفق مؤشر مؤسسة “ميرسر” العالمية، التي تعتمد في تصنيفها للمدن على: الرعاية الصحية والمرافق البيئية الطبيعية ومعدلات النمو والتعليم والجريمة والسكن.

هنالك أيضاً أكثر من 4000 عقار تابع للدولة، تسيطر عليها الميليشيات المسلحة في بغداد، هذا غير أن تلك الميليشيات تسيطر على كل شبر في بغداد، وتستطيع أن تقتل وتختطف من تشاء، إنها تقصف منزل رئيس الوزراء بطائرات مسيرة مفخخة!

المدينة التي لم يتبق منها سوى ألقابها القديمة، تستطيع وأنت تسير في شوارعها المشوهة بالغبار والنفايات، أن تلاحظ فكرة الموت والعنف الراسخة في مخيلة سكانها: صور القتلى على كل جدار وعمود إنارة، وصور رجال الدين الكبيرة تملأ مساحات شاسعة من فضاءات المدينة الكئيبة، مع عبارات حماسية فارغة لتوريط الناس العاديين في حروب ليست من شأنهم، وروائح الفقر والبؤس تفوح في الأزقة الرديئة، والوجوه عابسة أبداً، واللغة الشائعة هناك هي لغة التذمر والشكوى من الأوضاع كلها: سياسيةً واجتماعيةً وأمنية.

لا أدري إن كانت بغداد تصلح أن نسميها مدينة حتى، وفقاً للمعايير العالمية الحضرية للمدن في العالم الحديث. هذا قبل التفكير بإن كانت عظيمة أم لا. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني