دعوة إلى طرد سيبويه أو تنحيته…

في يوم اللغة العربية، أعايد جميع الذين يحاولون، أصدقائي الكتاب والشعراء والقراء العرب الذين يجازفون في ترويض اللغة لتشبههم ويتعرّضون لمحاكمات نحويّة وغير نحوية... وأعايد سيبويه، الرجل الفارسي الذي أرغب كثيراً بطرده من رأسي ورأس هذه الأمة...

ما زال الأدب الجاهلي وتحديداً الشعر يقدّم كحالة مقدّسة يُمنع المسّ بها أو انتقاد ما ورد فيها من صور هشة وبعيدة كل البعد من الإبداع الفني والعمق في أحيان كثيرة. وكذا تقدّم اللغة العربية كقواعد نحويّة يصعب تبديدها أو نقاشها، مهما بدت غير منطقية في أحايين كثيرة، فسيبويه ورفاقه النحّاة يحضرون فوراً، من أجل محاكمة قاسية لـ”المرتكب” أو طارح السؤال أو المسألة.

أتذكّر أنني مرّةً سألت أحد اللغويين، عن سبب تحويل المفعول به إلى نائب فاعل في حالة الفعل المجهول… سألته من قرر ذلك؟ وبأي منطق؟ لم تكن إجابته مقنعة بطبيعة الحال، أو ربما لم يملك جواباً أصلاً، فالنحو لا يُطرح كباب للتأويل أو السؤال، بل يُطرح كمادة جافّة لا يمكن تفكيكها. أدركت بعد حين أن المسألة غالباً مرتبطة بالحركة المرفوعة بعد الفعل، ووجوب الرفع ينتصر على المنطق. فلا منطق يمكن أن يفضي إلى أن الواقع عليه الفعل يتحوّل إلى فاعله! وقس على مسائل كثيرة، حروف العلّة مثلاً (أ، و، ي)، حتى الآن لم نفهم ما الذي تعانيه بالفعل، وما علّتها ولماذا تتعرّض لهذا النفي والترهيب والحذف والاضطهاد… الأفعال الجامدة مثلاً، من جمّدها، وكيف يكون الفعل جامداً؟ أي تناقض هذا؟ والأفعال الناقصة، ما الذي ينقصها تحديداً؟ وما مسوّغ هذا التعقيد وما الفائدة منه؟ المبتدأ والخبر، وهنا باب الجنون: “جاع الولد”، في هذه الحالة الولد فاعل مرفوع، ولكن “الولد جاع”، هنا الولد مبتدأ وليس فاعلاً! كيف يمكن أن تقنع تلميذاً في الثامنة بهذا الإعجاز؟ والمبتدأ الذي يبدأ به الكلام كما يفترض، كيف يتأخر مثلاً؟

و”لا النافية للجنس”، السيدة قاسية القلب، أما من حل لتبسيط أحوالها، أو تغيير اسمها على الأقل لعلّها تكتسب بعض الرشاقة ويقلّ الرعب منها؟ 

ثمّ نحاسب أطفال المدارس على جهلهم باللغة وعدم استيعابهم قواعدها، إنها مسألة حتمية يا سادة، لأن تلك القواعد تتعارض مع المنطق، لحساب التعقيد والفلسفة، ويأتيك من يمجّد صعوبة اللغة وتعقيداتها، على أساس أنها ميزة! وفي ذلك ظلم حقيقي للغة التي تتعرّض لاندثار وضياع. إنه زمن السرعة ولا وقت لحل مشكلة “ما” الاستفهامية وتلك العلاقة المتشابكة بين “إذاً” و”إذن”. إنه زمن الأزرار المستعجلة، ولا وقت لتحريك النص حتى يتمكن المرء من قراءته أو تحريره، أو التفكير ملياً بالأمر من “رأى”، وفتح نقاش حول إذا ما كان “رَ” أو “رِ”!

إننا نملك لغة رائعة وغنية، إنما مهدّدة بالانقراض، مهددة بالرمي، بالنسيان، وما ذلك إلّا بسبب التعقيد وممجّديه، إلى جانب عدم انخراط اللغة في المجالات العلمية وسماجة المصطلحات التقنية في التعريب. ما ينشده هذا المقال ليس التكسير ولا الهدم، بل التخفيف من القسوة والتخفف من التعقيدات التي تنفّر المتعلّمين والكتّاب والقراء من لغتنا، التي لا نريدها أن تموت، ولا نريدها أن تُهجَر أو تُترَك وحيدة في عالم يبحث عن التسهيلات والسرعة. ويمكن حينها الإبقاء على التعقيد لأصحاب الاختصاص والباحثين.

محاكمة “التشكيك”

بالعودة إلى الشعر الجاهلي، طه حسين حوكم بجرم التشكيك، حين طرح أسئلة علمية ومنطقية في العمق في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” وكان ذلك في مصر عام 1927. اعتبر طه حسين أن معظم ما نقل إلينا من شعر جاهلي، كُتب في الحقيقة في العصور الإسلامية، لأنه يعبّر عنها، وفنّد الشعراء الجاهليين وما كتبوه، سائلاً عما قدّموه حقاً من وثائق أو معلومات حول الحياة الجاهلية لناحية الاقتصاد والدين والمجتمع… لقد حوكم الرجل لأنه فتح نقاشاً أو دعا إلى حوار تاريخي وحضاري حول هويتنا وحقيقتنا. وبصرف النظر إن كان الرجل على حق أم لا، إلا أن النقاش بات ملحّاً وضرورياً ولم يعد يحتمل التأجيل.

وحتى اليوم يقدّم الشعر الجاهلي كقصائد منزلة ويُشاد بمعانيها الرائعة ودلالاتها وبلاغتها، بصرف النظر عما حوته من عنف وكره للنساء وتحريض على القتل وجمع الغنائم وانتصار للشكل على حساب المضمون. وهي مسائل إن كانت رائجة في زمن كتابتها، فهي مرفوضة في زمننا الحالي الذي شهد تغيرات جذرية في مفهوم الإنسانية والنظرة إلى النساء والعلاقات العاطفية والاجتماعية وفي معالجة موضوعات الحرب والسلام والعنف، وأيضاً في وظيفة الأدب وأشكاله الفنية وأنواعه. وبذلك لا يمكن الاستمرار في رفع الشعر القديم إلى مصاف الآلهة وإقناع الطلبة وغير الطلبة بأنه شعر عظيم!

ثمّ إن استمرار انتصار القديم على الجديد والماضي على الحاضر، بات مسألة بغاية الظلم، فما يُكتب اليوم في الشعر الحديث والرواية، يستحقّ الاحتفاء، على الأقل لكونه يشبهنا، يشبه قيمنا، أفكارنا، هواجسنا. ولا يمكن أن يعيش الكاتب العربي المعاصر إلى الأبد في هاجس “عظمة” الماضي، التي لن يصل إليها مهما فعل ومهما قدّم من بلاغة وجمالية، لأن امرأ القيس وعمر بن أبي ربيعة والمتنبي سينتصرون لا محالة…

في كتاب “جناية سيبويه”، يقول زكريا أوزون: “اللغة كائن حي ومعنى كائن حي أنها تعيش وتموت وتتطور أو تتدهور. هو ما حصل للغتنا للأسف. والإنسان هو الذي يحيي اللغة وهو الذي يميتها وليس العكس”.

في يوم اللغة العربية، أعايد جميع الذين يحاولون، أصدقائي الكتاب والشعراء والقراء العرب الذين يجازفون في ترويض اللغة لتشبههم ويتعرّضون لمحاكمات نحويّة وغير نحوية… وأعايد سيبويه، الرجل الفارسي الذي أرغب كثيراً بطرده من رأسي ورأس هذه الأمة…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني