الأمن العام يستعيد زمن الوصاية الأمنية
ومديره يتهرب من العدالة

"خلال التحقيق، وقع جدال بيني وبين محققي الأمن العام عن قدسية الباسبور اللبناني بنظرهم، وحول أحقيتي بالسخرية من الباسبور".

خبران كان بطلهما الأمن العام اللبناني في الفترة الراهنة: توقيف الصحافية الأميركية ندى الحمصي بلا اي تهمة واضحة ومحاولة ترحيلها من لبنان، وحجز توفيق بريدي، المعروف بـtoufiluk في مطار بيروت، وسحب جواز سفره وتحويله الى التحقيق في مديرية الأمن العام.

يحدث ذلك فيما يرفض مدير عام الأمن العام عباس ابراهيم، المدّعى عليه في قضية انفجار مرفأ بيروت، المثول أمام المحقق العدلي، متحصناً بغطاء أمني وطائفي وسياسي يؤمنه له “حزب الله”. هكذا ينظر الأمن العام ومديره العام إلى القانون، باستنسابية موصوفة. 

تذكّر هذه الممارسات بزمن تولّي جميل السيد إدارة الأمن العام. ومع أن السيد خصم لدود لعباس إبراهيم، إلا أن الأخير يبدو معجباً بأسلوب خصمه، ويحاول أن يعيد تجربته سيئة الذكر في فترة السطوة الأمنية الاستخبارية اللبنانية- السورية على الحياة العامة في لبنان، عبر تحويل الأمن العام إلى أداة لملاحقة أصحاب الرأي والتضييق على حرية التعبير. 

لم يخطر في بال بريدي أن يكون الزمن قد عاد فجأة أكثر من خمسة عشر عاماً إلى الوراء. وصل إلى مطار بيروت عائداً من لندن، فوجد الأمن العام في انتظاره، وأوقف فور وصوله، وسحب منه جواز سفره، وطلبت منه مراجعة مكتب شؤون المعلومات التابع للمديرية العامة للأمن العام خلال 72 ساعة. 

حضر توفيق بتاريخ 15/12/2021 إلى مكتب شؤون المعلومات برفقة موكلته القانونية المحامية ديالا شحادة، وخرجا بعد نحو ساعة ومعهما جواز السفر المصادر.

لم تتجاوز مدة التحقيق ساعة واحدة، كما تقول شحادة لـ”درج”، وكان أقرب إلى “جمع بيانات”. وتم إبلاغ بريدي أن سبب استدعائه هو “تحقير جواز السفر اللبناني”، وليس كما أشيع سابقاً بأنه استدعي بتهمة تحقير رئيس الجمهورية.

تسجّل شحادة مخالفة قانونية فاضحة يقوم بها الأمن العام عبر تحركه من دون إشارات قضائية، وهو ما حدث في حالتي توفيق وندى الحمصي على السواء. وهذا التجاوز للقانون تقوم به أجهزة أمنية عدة في الفترة الأخيرة، تحت غطاء الطوارئ، وبحجة محاربة الإرهاب و”الأمن القومي”. 

بريدي كان حذف الفيديو، موضوع الشكوى، بحسب شحادة، ولم يطلب منه أن يوقّع على أي مستند أو تعهد، “بل اقتصر التحقيق معه على أسئلة عادية عن بياناته وأهله، وعن مكان سكنه”.

“عندما تأخذ الأجهزة الأمنية إجراءات من دون إشراف القضاء، كحجز الحريات في حالة ندى الحمصي، أو حجز الأوراق الثبوتية في حالة توفيق بريدي، هنا تقع المشكلة، لأنني كمحامية، الى من أتوجه كي أقدم طلبات المراجعة؟”، تسأل شحادة التي تلاحظ أن الأجهزة الأمنية لا تلتزم بالأصول في الفترة الأخيرة: “عليهم الالتزام بالقانون، والامتناع عن توقيف أي شخص إلا بإشارة من القضاء، وأيضاً الامتناع عن سحب جوازات السفر ومداهمة المنازل إلا بإشارة من القضاء، ولكن ما يحصل الآن، مثلاً في قضية ندى الحمصي، أن الأمن العام لم يخابر القضاء، علماً أن الأخير مسؤول عن تطبيق هذه القوانين، والتأكد من عدم تجاوز الأجهزة الأمنية الصلاحيات المنوطة بها”.

تجاوز الأجهزة الأمنية صلاحياتها المحددة في القانون، مردّه إلى أن كل جهاز يتبع لفريق سياسي معين، ويتنافس في إثبات نفوذه واستعراض سطوته. والمشكلة بحسب ديالا شحادة أن “القضاء لا يضع حداً لهذه التجاوزات”.

لم تكن قضية بريدي الأولى من نوعها، لجهة “تحقير الباسبور اللبناني”. 

إقرأوا أيضاً:

في حزيران/ يونيو 2020، استدعي الكاتب اللبناني عمر ليزا الى الأمن العام، بعد تبليغه لصقاً على باب بيته، وعند ذهابه الى التحقيق اكتشف أن السبب هو نشره فيديو ساخراً على “السوشيل ميديا”، يرمي فيه الباسبور اللبناني في مكب للنفايات.

يقول عمر ليزا لـ”درج”: “خلال التحقيق، وقع جدال بيني وبين محققي الأمن العام عن قدسية الباسبور اللبناني بنظرهم، وحول أحقيتي بالسخرية من الباسبور”.

لم يعد الفيديو موجوداً على مواقع التواصل الاجتماعي بعدما طلب الأمن العام من ليزا أن يزيله، وأن يوقّع تعهداً بعدم تكرار ما سموه “المس بالباسبور اللبناني”.

ليزا حذف الفيديو وألغى حسابه على “فايسبوك”: “تملّكني شكّ بأن هذا الجهاز يراقبني، خصوصاً أن الفيديو لم ينتشر أصلاً ولم ينل إلا 190 مشاهدة، ما أثار ارتيابي أكثر، من أن هذا الجهاز الأمني وضع عيوناً لتراقب حسابي الخاص”.

يمارس الأمن العام جميع “صلاحياته” الواسعة بحرص شديد، فهو، إلى الممارسات التي ذكرناها، منع عرض مسرحية “تنفيسة” الطالبية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بحجة أنها لم تستحصل على ترخيص للعرض، كما حقق مع مخرج المسرحية عوض عوض، ومنع عرض فيلم “الرجل الذي باع ظهره” للمخرجة التونسية كوثر بن هانية وأحاله إلى لجنة الرقابة في الأمن العام.

كل هذه التجاوزات قام بها جهاز الأمن العام في أقل من شهرين، فيما لا يزال مديره العام عباس ابراهيم يتهرّب من العدالة في قضية انفجار مرفأ بيروت. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبو مرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني