“جزية الكحول”:
الاغتيال في العراق ليس سياسياً فقط

 لم يقتصر الأمر على اغتيال تجار الخمور وتفجير محالهم وحاناتهم، بل فرض الانفتاح الاقتصادي للعراق بعد 2010 ظهور جانب آخر يتيح للجماعات المسلحة استهداف شريحة جديدة ظهرت على الساحة (أصحاب الملاهي الليلية واصحاب مراكز المساج)، الذين كان لهم نصيبٌ من الدم.

لم يقتصر الاغتيال في العراق ما بعد 2003 على ما هو سياسي فحسب، بل أخذ أشكالاً ومستويات عدة، فثمة اغتيالات اقتصادية وثقافية وجندرية. 

تم استهداف نساء وشبان بسبب هويتهم الجنسية. كما تم استهداف أصحاب محال بيع الخمور، وفي حملات قتل أخرى، استُهدف شيوخ ووجهاء اجتماعيين وقبليين. اليد السياسية ليست بعيدة من هذه الاغتيالات، فالمال السياسي والمزاج القبلي والأعراف المتشددة دينياً واجتماعياً متداخلة بشكل كبير في هذا النظام، كأمثلة على هذا النوع من الاغتيالات:

– الشيخ عبد الناصر الطرفي، وهو أحد وجهاء مدينة العمارة جنوبي العراق، اغتيل مساء 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 بإطلاق نار استهدفه من مسلحين مجهولين. 

– الشيخ عبد الزهرة ‬برهان ‬الساعدي اغتيل بواسطة مسلحين ‬اثنين ‬يستقلان ‬دراجة ‬نارية ‬فتحا ‬نيرانهما ‬عليه ‬في ‬منطقة ‬نهاوند ‬بمحافظة ‬ميسان، ‬فقُتل ‬على ‬الفور بتاريخ 1 آب/ أغسطس 2021.

وثمة شكل من أشكال الاغتيالات ذات البعد سياسي، لكنها حدثت على أساس هوياتي وطائفي، مدفوعة من جهات سياسية لها تمثيلها في البرلمان والسلطة التنفيدية. 

ففي سنوات العنف الطائفي الذي تصارعت فيه الجهات السياسية قبل أن تتصارع التيارات الاجتماعية، تدل الشواهد التاريخية وشهادات الأفراد على ضلوع وزارة الصحة بهذا النوع من الاغتيالات، إذ تبيّن دخول مواطنين عراقيين إلى مستشفيات في العاصمة بغداد استحوذت عليها جماعات مسلحة، تولت اغتيالهم هناك، إضافة إلى ضلوع فرق الموت التابعة لوزارة الداخلية بتصفية الكثير من العراقيين في حقبة الحرب الأهلية.

جزية الكحول

  قصة بدأت في العراق منذ 3 كانون الأول/ ديسمبر 2010 عندما خرج مثقفون عراقيون وأعضاء “اتحاد الأدباء العراقي” إلى شارع المتنبي منددين بما يسمى بـ”الخمينية والطالبانية” خلال تجمع نظّم احتجاجاً على قرار مجلس محافظة بغداد بمنع تقديم الكحول. أعرب المشاركون عن رفضهم تقديم نموذج يقمع الحريات مثل نموذج الخميني في إيران ونموذج حكم “طالبان” في افغانستان، ورفعوا شعارات أبرزها “بغداد لن تكون قندهار” و”الحريات أولاً”. 

هذه الوقفة كانت فاتحة عهد التصفية التي استهدفت بيئة تجارة الكحول واستهلاكها في العراق، ومنذ ذلك الوقت، شرعت المجموعات المسلحة بصناعة رؤية جديدة لهذه التجارة داخل شوارع العاصمة العراقية، ومنع تداولها في بقية المحافظات وفق ما يسمى بـ”الأعراف الاجتماعية” كحجة تقف جنباً إلى جنب مع ازدهار تجارة ثانية، تجارة المخدرات.
بعيداً من المخدرات وقريباً من الكحول، بدأت عمليات التصفية بحق اصحاب محال بيع المشروبات الكحولية بعد عام 2010، مع إحكام السلطة “الشيعية” القبضة السياسية والعسكرية في بغداد، وصناعة الميليشيات التي انشقت من الجناح العسكري للتيار الصدري بمباركة جهات حكومية نافذة، وقامت هذه الميليشيات بتأسيس إمبراطورية مالية، عبر ابتزاز تجار الكحوليات العراقيين، والذين هم في الغالب من الأقليات المُجاز لها بيع الكحول بحسب القانون العراقي، ومن يمتنع عن الدفع يكون الاغتيال أو تفجير متجره في انتظاره.

 لم يقتصر الأمر على اغتيال تجار الخمور وتفجير محالهم وحاناتهم، بل فرض الانفتاح الاقتصادي للعراق بعد 2010 ظهور جانب آخر يتيح للجماعات المسلحة استهداف شريحة جديدة ظهرت على الساحة (أصحاب الملاهي الليلية واصحاب مراكز المساج)، الذين كان لهم نصيبٌ من الدم.

وتضج الشبكة العنكبوتية بالكثير من الأخبار والتقارير تحت عنوان “تفجير محال بيع المشروبات الكحولية في العراق”، أو “تفجير مركز مساج في بغداد”… والجناة غير معروفين كما هو معروف للجميع. 

إقرأوا أيضاً:

القتل على الهوية… الجنسية

تارة فارس، وهي فتاة “مودل” معروفة بنشر صور “جريئة”، قُتلت داخل سيارتها، وتحت مرأى كاميرات المراقبة في أحد شوارع بغداد عام 2018، وقبلها بعام عثر على الشاب كرار نوشي مقتولاً ومرمياً في أحد شوارع العاصمة بـ”تهمة المثلية الجنسية” وهي “تهمة” ينفيها مقربون من المجني عليه، ولكن يكفي المظهر الخارجي المتأنق والشعر الطويل لاتهام الشخص بالمثلية الجنسية، وكأنها جريمة، ويكون عقابها المجتمعي غالباً القتل، فقد سبقت حادثة اغتيال نوشي بسنوات حملة وحشية ضد جماعة “الإيمو” في بغداد، إذ تم تهشيم رؤوس كثيرين منهم بأحجار البناء الكونكريتية والتي تعرف محلياً “بالبلوك” ودائماً تتجه أصابع الاتهام إلى الميليشيات الشيعية المسلحة وعلى رأسها “جيش المهدي”، الذي يتبع مقتدى الصدر أو الميليشيات الشيعية المسلحة الأخرى.

وزير الداخلية الأسبق، قاسم الأعرجي، قال بعدما انتهت ولايته القانونية كوزير مسؤول عن عمل مئات الآلاف من عناصر الأمن، في مقابلة تلفزيونية إن من قتل تارة فارس هم “جماعات شيعية متشددة”، ولم يقل لماذا تُرك الجناة بلا محاسبة. 

هذه الاغتيالات كلها، لم يُحاكَم مرتكبوها. ببساطة لأن السلطات لا تلاحقهم، بل روّجت في حالات كثيرة زعم ارتباط القتل بخلافات عائلية عشائرية، أو أخفت الدوافع الحقيقية للقتل، لكنها مع ذلك كانت تقول إنها ستحقق بشكل جاد وستعلن النتائج للرأي العام، لكنها لم تفِ بعهودها مطلقاً، تاركةً الجناة مفلتين من العقاب كالعادة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني