انفجار مخيم “البرج الشمالي” في لبنان:
“حماس” ومشقة السلاح

الصمت الرسمي اللبناني، سياسياً وأمنياً، عن انفجار البرج الشمالي، يندرج في سياق صمت عن السلاح الفلسطيني، عرفه لبنان منذ ستينات القرن الماضي، حين باشر الفلسطينيون "تحرير" فلسطين من لبنان، وأفضى هذا الصمت لاحقاً إلى كونه أحد أبرز العوامل المؤسِسة لتفكك أوصال الدولة.

بين زيارة اسماعيل هنية إلى مخيم عين الحلوة في السادس من أيلول/ سبتمبر 2020، والانفجار الأخير في مخيم البرج الشمالي، تتضاعف مشقة اللجوء  الفلسطيني في لبنان بين حدّين، صرخة البؤس، وصرخة ورثها إسلاميو هذا الزمن عن قومية عربية غابرة. صرخة تقول: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

  واستعادة زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إلى مخيم عين الحلوة بوقائعها، وبالكلام الذي ساقه من خلالها، يحاكي راهناً، وعلى وقع الانفجار الأخير في مخيم البرج الشمالي، مشهداً حياً للسياق الذي تفوه به في حينها.

   فيومها، حط اسماعيل هنية في ربوعنا متسلحاً بتلك الصرخة التي تريد أن تردم تحتها كل مشاهد البؤس والشقاء الفلسطيني. ومن المخيم الذي يكاد يختصر برمزيته مآسي الشتات الفلسطيني، أطل الرجل على صورة أشباهه في مقاومات محور الممانعة ليقول إن السلاح خيار أول، وربما وحيد، فيما الهموم الاجتماعية والحياتية، ليست إلا تضحيات مزمنة يفترض أن  يتنكبها فلسطينيو الداخل والشتات، قرباناً للمعركة الكبرى، التي ينهل هنية وسواه من أتونها المؤجل، والمتناسل من “أدبيات” لا يني اللاجئ الفلسطيني يعيش أسيراً لآجالها منذ أكثر من سبعة عقود. وليس ترفاً أن اسماعيل هنية وهو يراشق (إسرائيل) بصواريخه الكلامية، أتى من قطاع هو على الأرجح أكثر بؤساً من مخيمات لبنان.

راهناً ، ومن جديد، يفتح انفجار مخيم البرج الشمالي مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان، وفي بلد ينوء أصلاً بمشقة سلاح “حزب الله” كشاطر رئيس للعقد الاجتماعي اللبناني الهش، والذي جعل مسؤولاً أمنياً لبنانياً كاللواء عباس ابراهيم، يباشر ومن موقع الحليف الموثوق للحزب، ربطاً سلبياً بين هذا السلاح وأثره على الواقع السياسي والاجتماعي، فكيف والحال أن المدير العام للأمن العام هو غالباً أكثر شخصية أمنية لبنانية على تماس معرفي مع واقع السلاح الفلسطيني في لبنان خلال العقدين الماضيين؟

يفتح انفجار مخيم البرج الشمالي مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان، في بلد ينوء أصلاً بمشقة سلاح “حزب الله” كشاطر رئيس للعقد الاجتماعي اللبناني الهش

أغلب الظن إذاً، أن كلام اسماعيل هنية قبل عام ونيف، يجد ترجمته راهناً في انفجار مخيم البرج الشمالي، وأغلب الظن أيضاً أن كل مخيلة لبنانية غالت في تشريح كلامه من موقع حماسته  ليس أكثر، قد عُطِب غلوها بمشهد الانفجار الأخير، وهنية كان في لحظته اللبنانية تلك يباشر الإعلان عن مخزون من السلاح يجب أن يبدد الصمت اللبناني الرسمي حوله، وقد باشر اللواء عباس ابراهيم معضلته اللبنانية.

والصمت الرسمي اللبناني، سياسياً وأمنياً، عن انفجار البرج الشمالي، يندرج في سياق صمت عن السلاح الفلسطيني، عرفه لبنان منذ ستينات القرن الماضي، حين باشر الفلسطينيون “تحرير” فلسطين من لبنان، وأفضى هذا الصمت لاحقاً إلى كونه أحد أبرز العوامل المؤسِسة لتفكك أوصال الدولة.

  لكن حاضر هذا الصمت، كما ماضيه، كان في جوهره خاضع لمسوغين بارزين، ضعف الإرادة السياسية من جهة، والوصايات الإقليمية المتواترة التي حولت السلاح الفلسطيني مشاعاً لمشاريعها من جهة أخرى. ولأن الأولى تسوّغ الثانية، فإنها وفرت فرض مشروعيتين ملتبستين للسلاح الفلسطيني في لبنان، اتفاق القاهرة عام 1969، ثم “مقاومة” الزمنين السوري والإيراني. والراجح أن صمتاً سلطوياً يلوذ بمشروعيتين على هذا القدر من الالتباس، هو صمت متهافت حين تحضر المآلات.

غالباً ما حفظت ذاكرة اللبنانيين عن بلدهم أنه أرض عائمة على مخزون جوفي من المياه، ومع أن درساً جغرافياً كهذا تحول في العقود الأخيرة إلى مادة تندر تستقي وقائعها من أحوالنا المائية كبؤس هو شطر من بؤسنا العام، فالأجدى أمام كلام اسماعيل هنية في صولة عين الحلوة آنفة الذكر، أن ننتبه، وينتبه حكامنا، إلى أن المسافة بين الماء والبارود، هي تماماً المسافة بين الحياة والموت، وأن الأخير حين يقع لن يكون مادةً للتندر حين يفنى المتندرون.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني