رسالة من صحافيةٍ باسم مستعار إلى
رجال الأمن السوريّ: هل تعرفون من أنا؟

ما رأيكم في اعتباري صديقتكم الافتراضية؟ سأكتب لكم رسائل من وقت إلى آخر أخبركم فيها عن أحوالي وأحوال البلد، قد يغير أحدكم رأيه في ما يحدث، وقد يتراجع عن كونه قاتلاً وجلاداً، أنا واثقة أن هذا الدور يشعركم بالقرف من أنفسكم.

في كلّ مرة أكتب فيها مقالاً أتخيل سيناريو جديداً لبحثكم عنّي، بينما تقرأون مقالي بكثير من الغيض والغضب والرغبة في لكم وجه صاحبة هذه الكتابات التي تمسّ هيبة نظامكم، متخيلين طرائق متنوعة لتعذيبي في حال ألقيتم القبض عليّ، هل تتشاورون حول معلومة ما لتحديد مدينتي على الأقل؟ هل الحيّ العشوائي في دمشق الذي كتبت عنه مراراً، يجعلكم تصدقون أنني أقيم في دمشق؟ أم ذكر منطقة الجنوب يدفعكم للاعتقاد بأنني من مدينة درعا، أولى مدن الثورة، أم مقال حرائق الساحل يدفعكم لتصديق أنني من اللاذقية أو طرطوس، والآن وأنا أقيم في قارة أخرى، هل ما زلتم تتمنون معرفتي؟ لكن ماذا لو كانت هذه المعلومة غير صحيحة أيضاً؟ 

هل تتساءلون حول حقيقة مكاني؟ حسناً قد أضيف أحجية جديدة في حال كان أحدكم يقرأ رسالتي هذه، هل تعتقد حقاً أنني فتاة؟ قد أكون رجلاً أو عابراً جنسياً (هذه المعلومة قد تسبب تشويشاً حقيقياً لك)، أحب تصعيب المهمة عليكم، ألستم رجال الأمن القادرين على الوصول إلى أي معلومة؟ إذاً مهمتكم هي معرفة الفتاة/ الرجل الذي يخاطبكم الآن! لكن سأحدثكم بصفتي امرأة في هذه الرسالة، سيكون أسهل بالنسبة إلي، وبحسب اقتضاء الموقف سأحدثكم بصفتي رجلاً الرجل في رسائل أخرى.

في الحقيقة أشعر “بالقليل” من الشفقة نحوكم وهذا لأنني فتاة فضولية، أشعر تماماً بلؤم الفضول لمعرفة معلومة ما، فكيف لو كانت عن فتاة تتحداكم في هذه اللحظة؟ أنتم الذين لا يجرؤ أحد على تحديهم، لا بأس اعذروني فهذه هي مساحتي الوحيدة لتحدّيكم وللتحدث إليكم مباشرة.

القصص التي تصلني عن النظام، تدفعني للسؤال، هل حقاً تعرفون بأمري؟ أخبرني صديق أثق بكلامه أن النظام السوري يعرف كلّ شاردة وواردة، لا بل يعرف توجهات كلّ مواطن يعيش في أرضه، وهو ينتظر اللحظة المناسبة لإلقاء القبض على معارضيه، آخرون يقولون إن النظام مشغول اليوم بتحالفاته وحين يستعيد مجده ويجد الوقت سيتفرغ لمعارضي الداخل. هل تعرفون من أنا وتنتظرون اللحظة المناسبة لإلقاء القبض عليّ؟  

 أرجوكم لا تقسوا على المعتقلين، اجعلوا أساليب التعذيب أقل وحشية ولا تغتصبوا أي امرأة، من أجل آخر ذرة كرامة لديكم.

لدي فكرة جيدة، ما رأيكم في اعتباري صديقتكم الافتراضية؟ سأكتب لكم رسائل من وقت إلى آخر أخبركم فيها عن أحوالي وأحوال البلد، قد يغير أحدكم رأيه في ما يحدث، وقد يتراجع عن كونه قاتلاً وجلاداً، أنا واثقة أن هذا الدور يشعركم بالقرف من أنفسكم.

في البداية أود إخباركم عن قصتي، في كلّ حكاية هنالك شخصيات رئيسية، وفي قصتي الشخصيات الرئيسية هي أنا وأنتم، بأعدادكم الهائلة من محققين وضباط ورجال أمن وجيش إلكتروني، لذلك لن يدرك أحد أهمية قصتي مثلكم. في الحقيقة لم تخطر لي يوماً الكتابة باسم مستعار، بدأت أكتشف نفسي عن طريقه، لم أكن أفكّر بطرح أفكاري أو حتى الغوص عميقاً فيها، أعتقد أن خوفي منكم هو ما منعني، عندما بدأت الكتابة باسم مستعار اكتشفت فتاة أخرى داخلي، لديها أفكارها وطريقتها في الجدال وكشف الحقائق، أعلم أن الحقائق لا تهمكم، لأن حياتكم تدور حول النظام ودعمه، لكن هل تمكنكم مسايرتي في هذا الأمر ولو لمرة واحدة، سيكون رائعاً بالنسبة إلي أن تقرأوا مقالتي بكثير من الاهتمام.

في حين كنت أرفض ما يقوم به النظام ضمن دوائري الضيقة، لم أصدق أنني أستطيع إعادة طرح ما أؤمن به بكثير من التحليل وبالتطرق إلى زوايا ما كانت تخطر لي، أعتقد أن الاسم المستعار ليس لحمايتي منكم ومنحي فرصة لكسر المخاوف وحسب، بل هو أيضاً يتعلق بتنشئتنا نساء وفتيات، في ظل المخاوف التي كبرنا عليها، في الاسم المستعار أنا أخلق نفسي، لا قيود ولا مخاوف، لا شيء سوى الكتابة والحرية وهما أمران لا يمكنكما تقبلهما أو فهمهما وأستطيع إدراك صعوبة ذلك عليكم، لا أصعب من شخص لم يدرك معنى الحرية.

إقرأوا أيضاً:

مخاوفنا نحن النساء ليست من النظام وحده، إنما مما يمكن لهذا النظام فعله، فقط لأننا نساء، أعاني حتى اليوم من مخاوف حقيقية بشأن ما قد يحصل لي  في حال تم إلقاء القبض علي، لتغدو فكرة الاعتقال عادية أمام التحرش والاغتصاب داخل المعتقلات. إننا نواجهكم بطريقة مختلفة، لأن الديكتاتورية قادرة على استخدام طرائق جديدة للإيذاء، فقط بناء على نوعنا الاجتماعي ولأننا نساء، ولا أقصد التقليل من عذابات الرجال داخل المعتقلات لأنني بالفعل شاركت ذكريات أقرباء وأصدقاء داخل المعتقل… فقد أخبرني عمّي الذي بقي سنة في فرع فلسطين وهو واحد من أسوأ الأفرع الأمنية كما تعلمون، كان الضباط والمحققون يهددون عمي بنيتهم اغتصاب أخواته ووالدته لو لم يخبرهم عن صلته بالإرهابيين، في الحقيقة كان اعتقاله نتيجة تقرير كيدي، إلا أن أكثر لحظات الرعب التي عاشها هي عندما أخبروه أنهم يغتصبون إحدى أخواته في الغرفة المجاورة، وهذا لم يكن صحيحاً، هل كنتم سعداء بينما أخبرتموه بذلك، هل أسعدكم خوفه وفكرة الاغتصاب الوهمي لشقيقاته؟ أعلم أن الأشياء التي تشعركم بالرضا مختلفة عن تلك التي يعرفها الناس العاديون، كالمشي في الطبيعة أو سماع الموسيقى، لأنكم اعتدتم سماع الصراخ بدل الموسيقى، والمشي في الأقبية بدل المشي في أشعة الشمس، وهذا أمر محزن حقاً ويثير شفقتي نحوكم.

سأخبركم بأمر قد يغضبكم قليلاً وهو أنني حريصة على حماية نفسي جيداً منكم، ليس خوفاً من إلقاء القبض عليّ بل لأنه سيكون انتصاركم الوحيد علي، وأنا لا أريد منحكم هذه الفرصة، لأن ذلك سيعني نهاية قصتنا، ولا يمكن أن يحدث ذلك من دون أن تفكروا قليلاً “ولو قليلاً” في كل ما حصل، وما تفعلونه وبكلّ الوجوه الخائفة أمامكم والموتى بين أيديكم، لدينا الكثير لنتكلم بشأنه أنتم وأنا، لذلك ستتحملون وجودي الوهمي وسأتحمل مخاوفي مقابل أن يشعر ولو رجل أمن واحد بالندم، لا أريد شيئاً آخر منكم، ندم صغير هو أكثر ما أريده منكم، لذلك سأرسل لكم قريباً رسالة أخرى أحدثكم فيها عن أمور جديدة غير اسمي المستعار، هذه الرسالة كانت فقط لأعرفكم أكثر على نفسي وأثير حيرتكم قليلاً من خلال السلطة الوحيدة التي أملكها عليكم، وفي هذا الوقت لدي طلب وحيد: أرجوكم لا تقسوا على المعتقلين، اجعلوا أساليب التعذيب أقل وحشية ولا تغتصبوا أي امرأة، من أجل آخر ذرة كرامة لديكم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تنتهك السلطات اللبنانية الحريات الفردية وحريات التعبير عن الرأي المكرّسة في الدستور، في حين لا تجرؤ على ملاحقة متورطين في القتل والعنف والاختلاس.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني