الاغتيال كحدث مؤسِّسْ: عبد المجيد الخوئي نموذجاً

المرء اذ يقف على مسافة 18 عاماً من جريمة الحضرة العلوية، ويستعرض ما أعقبها من مسارات، لن يتمكن من طرد فكرة أن الاغتيال ليس حدثاً عابراً، وأنه فعل سياسي مؤسس ويُبنى عليه. وما أكثر ما رسمت أعمال الاغتيال والقتل في العراق مسارات مرتكبيها. 

في سياق محاولة الاقتراب من صناعة الاغتيالات في العراق يتابع “درج” على حلقات عدة مسلسل الموت هذا أو “حقبة الرصاص” التي بدأت بعد عام 2003، ولا تزال مستمرة، ولم توفّر لا أمنيين ولا سياسيين ولا نشطاء ولا رجال دين ولا فنانين ولا صحافيين ولا تجاراً ولا حتى رياضيين ولاعبي كرة قدم، بوصفها أداة تابعة للمؤسسة الأمنية في العراق، وكيف تم تسهيل الإفلات من العقاب. 

هنا مادة عن مقتدى الصدر…

ولد مقتدى الصدر، وهو الرجل الأقوى في العراق اليوم على ما كشفت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، من جريمتين، الأولى استهدفته فقتلت والده وشقيقيه عام 1999 في مدينة النجف، والثانية اقترفها مناصروه، فأودت بحياة عبد المجيد الخوئي في مدينة النجف أيضاً في 13 نيسان/ أبريل 2003. وإذا كان صدام حسين الذي قتل والد مقتدى المرجع محمد صادق وشقيقيه مؤمل ومصطفى، وقبلهما عم مقتدى محمد باقر وعمته بنت الهدى، افتتح زمن القتل في العائلة الصدرية، فإن مقتدى افتتح زمناً موازياً عبر الواقعة النجفية الثانية التي قتل فيها مناصروه نجل المرجع الشيعي أبو القاسم الخوئي، عبد المجيد، الذي عاد من لندن في أعقاب سقوط نظام صدام حسين، ومثلوا بجثته ليس بعيداً من مقام الإمام علي بن أبي طالب في النجف.

والحال أن الجريمة في العراق سياسية قبل أن تكون حدثاً أمنياً وجنائياً، ذاك أن بعديها، الأمني والجنائي، يتلاشيان ويضعف تأثيرهما مع مرور الوقت، فيما تتضخم وظيفتها السياسية وتتضح كلما تقدم الزمن. فمقتدى الصدر ظاهرة تصاعدية منذ الجريمة الأولى التي كان خلالها مرهقاً وناجياً وحيداً في عائلة حاصرتها جرائم البعث! وها هو اليوم يواصل صعوده حتى صار رجل العراق الأقوى، تمتد شبكة نفوذه على كل خريطة انتشار الشيعة في العراق، من البصرة إلى بغداد مروراً بمدن الجنوب والفرات الأوسط.

عند كل محطة انتخابية في العراق، يثبت مقتدى قدرة وحيوية لا تشبه توقعاتنا حين كنا نرصد الظاهرة الصدرية منذ سقوط نظام البعث عام 2003! ذاك أن طوفان الصدريين على مدن الشيعة في حينها بدا أقرب إلى فورة عابرة، لا سيما في ظل زعامة حسبناها هشة وعاجزة عن استيعاب موجة التأييد العاتية وقتذاك. وأذكر أنني التقيته في مكتبه في الكوفة برفقة صديقنا الراحل فالح عبد الجبار، فترك لدي انطباعاً كذّبته الأيام، بأن الوريث سيبدد الزعامة على ما يفعل الورثة عادة. ولطالما رصدنا تقلبات الرجل بوصفها حيرة جديد نعمة في السياسة وفي القيادة، فهو شرع يتنقل بين براغماتية مبتذلة وراديكالية شعبوية، تماماً مثلما تنقل في الإقامة بين النجف العراقية وقم الإيرانية، على ما تنطوي عليه المسافة بين المدينتين من تفاوتات.

جريمة قتل عبد المجيد الخوئي كانت حدثاً مؤسساً، ذاك أننا قلنا في حينها إن الغوغاء قتلته، وأن الواقعة ليست أكثر من “جريمة لحظة”، وأن مناصري مقتدى الذين ارتكبوا الجريمة، إنما فعلوها في لحظة غضب وتخلٍ. فالصدريون هم كتلة الذين استيقظوا في غفلة منا، كانوا خارج راداراتنا، وهم السر الذي أفصح عنه سقوط النظام. مقتدى نفسه كان سراً أخفته العائلة خوفاً عليه من مصير أبيه وشقيقيه، وهو لم يظهر إلا عشية مقتل الخوئي، إذ رحنا في حينها نسمع باسمه، وتنقل لنا حكايات عن الفتى الذي صار رجلاً!

ومنذ واقعة القتل تلك ومقتدى يواصل صعوده، حرباً بعد حرب وانتخابات بعد انتخاباتٍ. لا أحد تمكن من إيقافه، ولم ينجح أي تفسير بالإحاطة بظاهرته. صاحب أول ميليشيا موازية للجيوش التي احتلت العراق (جيش المهدي)، وأول مبادر لحل ميليشياه، وسليل ولاية فقيه افترق عبرها مع مرجعية النجف ولم يلتقِ فيها مع مرجعية قم. والفوضى الفقهية لم تحل دون انتظام تياره في بنية حديثة أتاحت له احتواء أكبر عدد من الناخبين الشيعة في الانتخابات، وأكبر عدد من المقاتلين في الحروب الأهلية المتنقلة في بلاد الرافدين.

وإذا كانت واقعة 13 نيسان 2003 التي قضى فيها عبد المجيد الخوئي صريعاً على باب الحضرة العلوية في النجف، قد شكلت ما يشبه إعلاناً عن انطلاق الزمن الصدري، فإن المضمون العاطفي لهذا الزمن كان سبقها عبر التراجيديا العائلية التي أنزلها نظام البعث بآل الصدر، بدءاً بمحمد باقر ووصولاً إلى محمد صادق. وهي تراجيديا حقيقية عايشها العراقيون، وشاءت الأقدار والمصادفات أن تلتقي مع تلك التراجيديا التي لطالما غذت الوعي الشيعي وجعلت الظلامة في صلب التشيع، وجعلت من العراق مسرحه ومسرحها.

في كل مرة يثبت مقتدى أنه عصي على التفسير! محاولة إيجاد سياق للحظة التي يكشف فيها عن انعطافة، تبدو ممكنة إلا أنها تفضي إلى ما لا يبدو امتداداً لما كنا نتوقعه. قريب من إيران وخصم لها، يريد انفتاحاً على الخليج إلا أنه يصعد الخطاب المذهبي في مواجهته، ولا يرغب بمواجهة مع النجف فيما يفترق عنها ويؤسس لحوزته الموازية. والمرء اذ تعصى عليه الإحاطة بمقتدى، ما عليه سوى أن يستعين بالـ”فيكشين” ليتجول في عالمه، على ما فعل كنعان مكية عندما استعان بها ليروي الوقائع الثقيلة التي حفت بولادة “تشيع ما بعد السقوط”.

والمرء اذ يقف على مسافة 18 عاماً من جريمة الحضرة العلوية، ويستعرض ما أعقبها من مسارات، لن يتمكن من طرد فكرة أن الاغتيال ليس حدثاً عابراً، وأنه فعل سياسي مؤسس ويُبنى عليه. وما أكثر ما رسمت أعمال الاغتيال والقتل في العراق مسارات مرتكبيها.       

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني