كعكة العمّ هيثم الطرابلسية شوكة في حلق “دكتور فود”

تعامل "الانفلونسر" الفارغ مع الكعكة كما يتعامل مع الشهرة: ابتلعها دفعة واحدة إلى معدته المتخمة بالتفاهة والهراء وقلّة الاحترام وجنون العظمة، من دون أن يمضغ، ومن دون أن يشرك لعابه في تذوّق المدينة وأصالتها.

مهنة العم هيثم الضناوي، الشائعة في مدينة طرابلس، بسيطة ولا تحتمل تعقيدات. يفتح بالسكين الكعكة الطرابلسية الدائرية المخبوزة، يضع قطع الجبن مع الزبدة في داخلها، ثم يغلقها ويضعها على الفحم لـ”تتحمّص”. يعطيها للزبون ويأخذ حقه. هكذا، بهذه البساطة يسترزق ويعيش. لا يفعل أكثر من هذه الخطوات البسيطة، لكنه يفعلها بالكثير من التصميم. لأنه من دونها، لن يستطيع إعالة نفسه وعائلته. هذا باب رزقه الوحيد، وهكذا يمضي أيامه بلا تعقيدات تذكر، وبلا إضافات. لا يبتكر، لا يجرّب ولا يطوّر. لا يدخل أي نوع من أنواع الـ”تراند” إلى مهنته التقليدية. لا مجال لترف من هذا النوع حيث يقف على ناصية في شارع النور في مدينة طرابلس التي باتت تعتبر المدينة الأفقر في لبنان، لجهة عدد الفقراء الموجودين فيها. وفيها للمفارقة، أغنى أغنياء لبنان أيضاً. 

بائع الكعك الطرابلسي هيثم الضناوي

الوصفة، وصفة الكعك الطرابلسي، محسوبة، لدى العمّ هيثم، بشكل دقيق: حجم الكعكة، كمية الجبنة، والوقت الذي تتطلبه لـ”تتحمّص” وتذوب الجبنة داخلها. يمضي العمّ هيثم أيامه منذ سنوات طوال على هذا الحال، مقلّباً الكعك على جمر النار. لا تحدث مفاجآت كثيرة في حياته. ولا ينتظر حدثاً إستثنائياً ليغيّر مجرياتها. هو راض بها هكذا، وممتن لأنها قادرة على الصمود في وجه الانهيار الاقتصادي الذي يطيح بحيوات غالبية اللبنانيين. زاد سعر كعكة الجبنة الطرابلسية من 500 ليرة لبنانية إلى 6000 ليرة لبنانية بسبب الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار. اضطر العم هيثم، بسبب غلاء جميع المواد الأولية التي يستخدمها في تحضير كعكته، فضلاً عن سعر الفحم والمواصلات، إلى رفع ثمنها 12 ضعفاً. لكنه مع ذلك، يبيع إلى من لا تزال لديهم قدرة شرائية على تحمّل كلفة الكعكة، التي كانت طعام الفقراء، وصارت صعبة المنال بالنسبة إلى كثيرين منهم. 

يعرف العم هيثم أن تحضير الكعكة الطرابلسية لا يحتاج إلى دكتوراه. “خلطتها” واضحة، لكن، مع ذلك، تدخل في تكوينها عناصر غير منظورة: تعبه وشقاؤه وأحلامه البسيطة، هموم الناس الذين يمرّون في عربته، ضجيج المدينة المنهكة، تلوّث الهواء بالأسى… ومع ذلك، فإن المكون الأساسي الخفي في الخلطة، هو الأمل. في هذه الكعكة أمل خفي يذوب مع الجبنة “السائحة” ويمضغه الفقراء تحت أضراسهم. وهذا الأمر لا يحتاج إلى اختصاص أو احتراف أو عملية كيميائية معقّدة. 

لم يكن العمّ هيثم يخصّب اليورانيوم حينما مرّ به، على غفلة ، “دكتور فود”، كما لو كان كبير المراقبين في وكالة دولية للطاقة الذرية. كان يظن أن العابر الغريب شخص عادي آخر من أشخاص عاديين كثر، يركنون إلى عربته ليرتاحوا من عناء الحياة، ويأكلون كعكة من يديه، يدفعون ثمنها جزءاً معتبراً مما يجنونه يومياً في أعمالهم العادية، لكن المضنية، أيضاً. ظنّه واحداً من المتعبين الكثر الذين تغصّ بهم هذه المدينة المتعبة، المتكئة على ماء المتوسط. لم يفهم تماماً “لعبة” الرجل الغريب الذي حضر على غفلة ومعه من يصوّره بكاميرا الهاتف الخليوي كما لو أنه زعيم من زعماء المدينة الأغنياء. ظنّه ربما واحداً من هؤلاء الذي يحاولون اللعب على أرضيات الفقراء لتسجيل أهداف في صناديق الاقتراع. ومع ذلك، لم يهتم. لا شيء يدعو إلى أي تغيير في الوصفة. فتح بالسكين الكعكة وحشاها بالجبنة والزبدة ووضعها فوق النار. لكن كبير مراقبي الطاقة الذرية في عالم السوشيل ميديا وهوس التراند والشهرة الفارغة من أي مضمون، قرر أن يغيّر بالمقادير، لتناسب شوفينيته وعنجهيته ونهم مشاهديه إلى رؤية التنمّر والإذلال. عدّل “الدكتور فود”، وهو واحد من “مؤثرين” (سلبيين) كثر على “تيك توك” و”انستغرام” و”فايسبوك”، على الوصفة لتصير مادة لتأنيب العمّ هيثم، كما يؤنب “الدكتور فود” المطاعم التي يبتزها بفيديواته، حتى تستسلم وتطلب إليه أن يبيّض صفحتها. يفعل “دكتور فود” ذلك بدليل أنه اضطر إلى الاعتراف بأنه اتفق مع العم هيثم على تصوير المقطع وأملى عليه ما يجب أن يقوله في المشهد المذل الذي أخرجه وقدّمه إلى مشاهديه عبر “انستغرام” و”تيك توك”. يريد “دكتور فود” لمشاهديه أن يكونوا نهمين جائعين بتوحش إلى التهام فرائسه من المطاعم والناس البسطاء، فيما يصوّر نفسه بأبشع الصور وهو يتعامل مع الطعام بطريقة همجية ومقرفة، لا هدف منها سوى إهانة الطبخ كفن، والمضغ والتذوّق كلذة وكنعمة، وتحويلها كلها إلى مادة لطحن الدولارات الخضر تحت الأسنان. 

لا شيء يقف عائقاً أمام وحش التراند الهائج الذي يريد نهش كل ما يظهر أمامه للوصول إلى قعر الأخلاق، حيث قمة المشاهدات، في قاع قاع الشهرة.

“دكتور فود” اتهم العم هيثم بالبخل. اتهمه بذلك وهو يدور من مطعم إلى بسطة إلى عربة فجِعاً إلى الدولارات التي تأتي بها مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإعلانات ونسب المشاهدات. لا شيء يقف عائقاً أمام وحش التراند الهائج الذي يريد نهش كل ما يظهر أمامه للوصول إلى قعر الأخلاق، حيث قمة المشاهدات، في قاع قاع الشهرة. 

لا يهتم “الدكتور” الجائع إلى الشهرة، بلذة الطعام، ولا هو يعرف شيئاً عن الفارق بين الغذاء كضرورة والطعام كثقافة، ولا يستطيع حتى أن يميّز بينهما ولا أن يشرح لمشاهديه الجائعين ما يجهله. لم يحاول حينما قضم من الكعكة الطرابلسية أن يستطعم بنكهة المدينة الكريمة والأبية، الرافضة للذل، على رغم جور الزمان والحكّام. لم يتذوّق بلسانه طعم التاريخ الساخن في المدينة التي تنازع حاضرها كي لا يأخذها إلى مستقبل أسوأ. لم يمضغ الكعكة، بل تناولها مجرّدة مما عُجِنَت به، وجعلها مجرّد غذاء بلا طعم، ولا حتى طعم الحسرة. 

تعامل “الانفلونسر” الفارغ مع الكعكة كما يتعامل مع الشهرة: ابتلعها دفعة واحدة إلى معدته المتخمة بالتفاهة والهراء وقلّة الاحترام وجنون العظمة، من دون أن يمضغ، ومن دون أن يشرك لعابه في تذوّق المدينة وأصالتها. لقد سال لعابه كله على العم هيثم، إذ وجد فيه “وجبة” مؤاتية لإثارة ضجة وخلق “تراند”. وقد نال ما أراد. التَهَمَ العم هيثم دفعة واحدة. لكنه غصّ به. علق العم الطرابلسي كشوكة في فم وحش التراند “الفجعان” المفترس. وخنقه. أو كاد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني